إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة السادسة

امرأة أم خمسة رجال E6

الحلقة السادسة

في الحلقة الماضية

بعد حصولي على الدواء الذي كلفني بجلبه طبيب القرية اضطررت أن استقل السفينة في طريق العودة بدلاً من القطار مع أن السفر بالسفينة سيستغرق وقتاً أطول بكثير لكن لم يكن لدي خيار آخر إذ كان ينتظرني سماكون في محطة القطار يريدون الانتقام مني بعد أن قمت بضرب أحدهم

بعد أن رحلت السفينة وتوسطنا البحر بقليل من الزمن هبت بنا عاصفة عنيفة قذفت بقطان السفينة لسوء الحظ مما اضطرنا أنا وسبعة من المسافرين بقيادة مراهق صغير كان هو من شجعنا لمد يد العون للبحارة في تخفيف وزن السفينة بإلقاء المؤن والصناديق
فعكفنا على صندوق كبير محاولين إلقاءه لكن موجةً كبيرة ضربتنا وقذفت بنا خارج السفينة نحن والصندوق
غرق أربعة من الرجال أمام عيني من ضمنهم كان ذلك المراهق المتهور ونجوت أنا وثلاثة آخرون لكن السفينة ابتعدت عنا كثيراً ورحلت فاضطررنا أن نتخذ من الصندوق طوق نجاة ابتهالاً بفرج من الله أنا ورفاقي الثلاثة الطبيب زمان والصياد طرواد البناء ساوي وانتظرنا كثيراً إلى أن لاح نور الفجر بجزيرة قريبة

الحلقة السادسة

ساوي وهو يتراقص : الحمد لله الحمد لله لقد نجونا

زمان: يبدو أن البحر لن يبلعنا هذه المرة

طرواد:نجونا من الغرق على الأقل… سنموت في هذه الجزيرة يبدو أنها مهجورة وقد تكون مسكونة بالأشباح

زمان: هل تظنها مهجورة

طرواد: لا أدري لكنني لم أسمع بوجود جزيرةٍ في هذه الأنحاء من قبل ويبدو أنها صغيرةٌ جداً

مجدداً بدد طرواد فرحتنا بالنجاة من الغرق ياله من إنسان متشائم بكل معنى الكلمة

ياحين: أي شيء عدا الموت غرقاً اعتقد أنه شيء فظيع أن يبلعك البحر وكأنك لاشيء لست مهماً بالنسبة له ولا أحد يعلم بأمرك فتغدو لست مهماً بالنسبة لأي أحد وكأنك لاشيء فقط شيء مات وانتهى ولم يعلم به أحد

ساوي: أيهمك جداً أن يعلم أحد بأمرك حين تموت؟؟

ياحين: بإستغراب: ها .. أظن ذلك

ساوي: لكنهم سيصابون بالحزن .. برأيي أنه مادمت ميتاً بأية حال لن يكون هنالك فارق إن علم أحد بأمرك أم لا فأنت ميت في كل الحالتين على العكس قد يكون علمهم بالأمر حزناً ويأساً لهم وقد يصابون بالمرض والتعب

زمان: أتعلمون نحن الأطباء لدينا مناعة من الحزن اكتسبناها مع الزمن وحوادث الموت التي نراها أمام أعيننا كل يوم حتى غدوت لا أحزن حين يموت أحد أمامي

طرواد: أكيد فالذي مات لاتصلك به أية قرابة فلن تحزن عليه ولن تحس بتأنيب الضمير حتى وإن كنت أنت من قتله فهو مجرد حالة بالنسبة إليكم

زمان: لا .. لا .. إنه ليس كذلك ياطرواد صدقني.. نحن الأطباء نشعر بسعادة عظيمة ولاتوصف حين ننقذ حياة شخص ما وكلما كنا لانعرفه كانت السعادة أكبر

طرواد: وكيف ذلك؟؟

زمان: لأنك حين تنقذ حياة شخص لاتعرفه ترتقي لمستوى أخلاقي أعلى من أن تنقذ أحد مقرب لك لأنك في الحالة الثانية مضطر لإنقاذه بحكم صلة القرابة أو الصداقة على عكس الحالة الأولى .. لا أعرف هذا الإنسان لكنني على علم بمشكلته وأنه يحتاج للمساعدة لذا علي فعل كل مابوسعي لإنقاذه علي فعل واجبي وإجادة عملي .. إنه شيء إنساني بكل ماتحمله معنى الكلمة أن تنقذ أحداً من الموت

ساوي: كيف هو شعورك حين يموت أحد أمام عينيك؟؟

زمان: بغض النظر عن ما أشعر به أنا فهو ليس مهماً بالنسبة إليك مايشعر به طبيبك إن أنت مت

في المستشفى تصادف حالات كثيرة تجعلك تصاب بالحزن والشفقة وأحياناً بالخوف لكنها لاتساوي الموت فعند الموت تجد المريض ملقاً على ذلك السرير فجأةً انطفأ كل شيء وهدأ كل شيء تحس بروحه تخرج من فمه كهواء بارد وكأن هذا الجسد لم يعد محيطها بعد الآن كإنقطاع التيار الكهربائي عن المصباح فلا فائدة ترجى من المصباح عند انقطاع التيار سكون وجمود تام حتى كل من ينظر إليه يصاب بذلك السكون وكأن الأجسام تصاب بعدوى الموت لذلك يخاف البعض من مجاورة الأموات لما يعتري أجسامهم من سكون مخيف عند الاقتراب من أحدهم
هذا الجسد الذي كان أغلى شيء أصبح لايساوي أي شيء ويجب التخلص منه في أسرع وقت قبل أن تفوح منه رائحة نتنة حين تصادف شيء كهذا أمامك تحس أنك مهما كنت غنياً وعلوت اجتماعياً تحس أنك رخيص في الحقيقة وستغدو يوماً ما كهذا الميت لقد انتهى دوره في الحياة ولن يستطيع العودة وكثير حتى أهله الذين يبكون حوله لايبكون عليه بل يبكون على أنفسهم حزناً لفقده أرأيتم كم هم أنانيون بنو البشر لذلك فنحن الذين نعمل في المستشفى لانحس بشيء لأننا نعرف الحقيقة

طرواد: حقاً.. وماهي هذه الحقيقة؟؟

زمان: أنه لاشيء أسرع من الموت.. قد تتخيل المريض حين يأتيه الموت يقاوم ويحاول الصمود قليلاً لكن هذا لايحدث .. الموت هو الشيء الوحيد الذي لاتستطيع مقاومته على عكس كل شيء في هذا الوجود تستطيع مقاومة الحياة، الألم ، البكاء ، السعادة ، الحزن ، الخوف كلها تستطيع مقاومتها إلا الموت لذلك فهو أسرع شيء في هذا الوجود لعدم القدرة على مقاومته

صرخ ياحين بخوف و نفاذ صبر: ألا تلاحظ أيها الطبيب أنك تتكلم في موضوع لايجب التكلم فيه خصوصاً ونحن قد نواجهه في أي لحظة في المحيط الذي نحن فيه

ضحك الطبيب وقال: أتعني الموت .. ليس بالضرورة أن تكون في مكان خطير لتخاف من الموت فالموت آت لك أينما كنت حتى لو كنت مختبئاً في صدر أمك وقد رأيت ذلك مراراً الأم تحتضن ابنها بشدة وكأنه ستحميه أو تبعد الموت عنه وكأن الموت سيخاف منها لكن فجأة على حين غرة ترى المريض قد تسجى وخارت حياته تراه قد سقط من الأرض وعلى الأرض وإلى الأرض وأمه مفجوعة بما قد باغتها قبل مباغتة ابنها

طرواد: من يسمع كلامك عن الموت بثقة لايصدق مافعلته حين أفقت على ظهر الصندوق وكدت تبكي ألا يجب على الطبيب تقبل فكرة الموت أو اقتراب الموت أكثر من غيره بحكم رؤيته لهذه التجربة أمام عينيه باستمرار كما تقول

زمان: على العكس..حين ترى أحد يموت أمام عينيك كل مرة فأنك تتخيل اليوم الذي سيحين دورك فيه وتخاف منه أكثر
أنا لم أقل أنني لا أخاف من الموت أنا لا أحزن حين يموت أحدهم فقط لعلمي بأنني سألحق به عاجلاً أم آجلاً لذلك علي الحزن على نفسي أكثر من الحزن عليه لأنه في كل مرة يموت أحدهم تحس أن موعدك اقترب أكثر كالمثال الذي أشرت إليه منذ قليل موت أحدهم على صدر أمه هذا المنظر يشعرني بالرجفة والفزع وليس الحزن أتخيل نفسي وقد باغتني الموت وأنا على صدر أمي أكثر مكان آمن في الوجود تبكي علي واستعطفها عل بمقدورها فعل شيء
وهذا لاشك أفضل من الموت وحيداً فالإنسان في لحظاته الأخيرة يحتاج لأحد يمسك بيده ويحتضنه

ساوي بإمتعاض: أعتقد أن كلام ياحين صحيح علينا التركيز في النجاة والذهاب لهذه الجزيرة المجهولة على الأقل ستكون أفضل من الصندوق

طرواد: لكننا لانعلم أي شيء عن هذه الجزيرة كما قلت لك لم أسمع بوجود جزيرة في المكان الذي كنا مسافرين فيه

زمان: المشكلة أننا لانعلم أين نحن الآن قد تكون العاصفة أبعدتنا لمكانٍ مجهول

ياحين بحماس: ماذا علينا أن نفعل .. الجزيرة قريبة جداً لكني اخاف أن لايأخذنا الموج إليها ونبتعد
هل نقفز ونذهب إليها سباحةً

طرواد: إنها أبعد مماتظن
البحر دائماً يغريك بقرب اليابسة
علاوةً على ذلك فالشمس لم تشرق بعد والرؤيا ليست بواضحة

ساوي: علينا أن نجدف بأيدينا إذن حتى نستطيع الوصول إليها بسرعة

كلما اقتربنا من الجزيرة كانت الشمس تشرق أكثر حتى بدت معالم الجزيرة واضحةً جداً

كان يملؤها الشجر الكثيف وكأنها غابة كبيرة داخل جزيرة صغيرة
كانت صغيرةً جداً لدرجة أنه كان بإستطاعتنا رؤية الجهة الأخرى
لكن ماشد انتباهنا هو وجود شيء أسود واقف أمام الشاطئ
يقف جامداً كظل شبح
كلما اقتربنا من تلك الجزيرة كان يغمرني شعور بالسعادة والخوف معاً من ذلك الشبح الأسود

ياحين: ماهذا الشيء الغريب

زمان: قد تكون صخرة ما

ياحين: كأنه جسم ينظر إلينا

طرواد: هيه ياولد لم نصل للجزيرة بعد حتى تتوهم رؤية الأشباح

ياحين: تأملوه جيداً إنه يتحرك قليلاً

ساوي بلامبالة: فليكن.. الموت على اليابسة أفضل من أكون وجبةً لأسماك القرش أو الغرق لكن لاتخف ياياحين فطرواد يخيف ألف شبح

طرواد: يا إلهي إنه .. إنه القبطان

ساوي: ماذا تقول .. أيعقل ذلك

طرواد: انظر جيداً

رفع زمان يده ملوحاً

لكن الرجل الذي كان على اليابسة ظل يحدق فيهم ببرود ثم فجأةً رفع يده بإشارة خفيفة

طرواد: أرأيتم إنه القبطان.. ياله من عجوز قوي كيف استطاع النجاة ..نحن ولدينا صندوق بالكاد وصلنا لهذه الجزيرة أما هو فقد وصل قبلنا

زمان: لازلت لست متأكداً أنه هو

ياحين: إنها نفس ملابسه على الأقل .. يا إلهي أنه فعلاً هو .. هو

كان لون البحر قد بدأ يتحول من الأزرق إلى الأخضر حين اقتربنا من الشاطئ

إلى أن اقتربنا كثيراً لنرى القبطان ناليس
كنا ننظر له بسرور على عكس ماكان ينظر لنا بشحوب وحزن

قفز ساوي للبحر متجهاً للجزيرة بسرعة إذ غدت قريبةً جداً ولم يعد بإمكانه الانتظار والتجديف أكثر من ذلك

تبعه طرواد بسرعة
مما أثار حماستنا أنا والطبيب الذي أخذ ينظر لي وقفزنا نحن الاثنان معاً في نفس الوقت

وصلنا أخيراً للشاطئ
وصلنا لليابسة
للجزيرة
وصلنا للأرض

تمدد كل من طرواد وساوي على الأرض يقبلانها ويتحسسان دفئها

أما أنا فوقفت لأتأكد أنني واقف على اليابسة من جديد

في حين اتجه الطبيب للقبطان الذي مازال ينظر إلينا بشحوب

زمان: هل أنت بخير أيها القبطان إنني سعيد أنك تمكنت من النجاة هل تحس بدوار أو غثيان أو بضعف جسدي

أخذ القبطان ناليِّس ينظر إلينا واحداً تلو الآخر بشحوب ثم سأل بخيبة أمل: هل أنتم الناجون الوحيدون

طرواد بضحكة هستيرية: هاهاهاها ناجون ها.. بل نحن الغارقون الوحيدون المفقودون

القبطان ناليس: ماذا حدث لسفينتي؟؟

ساوي: رحلت مخلفةً ورائها من تراهم أمامك

عادت الحياة لوجه القبطان وأشرقت إبتسامته: حمداً لله .. حمداً لله لقد ظننت أن السفينة قد غرقت حين رأيتكم متعلقين بالصندوق

ساوي: لقد كنا نحاول إلقاء الصندوق خارج السفينة حين جرفتنا موجةٌ كبيرة خارجها

طرواد: ورحلت السفينة والعاصفة معاً بسلام ونحن ننظر لها من فوق صندوقٍ وسط المحيط
ماذا عنك أيها القبطان كيف نجوت ووصلت قبلنا للجزيرة وأنت بلا طوق نجاة

القبطان ناليس: آخر شيءٍ أتذكره هو عندما كان اثنان من البحارة يحاولان طي الشراع الأصغر فانقطع الحبل وفقدا السيطرة على عتلة الشراع فانكسر مثبت الشراع وضربني العمود الخشبي الذي أسفل الشراع بقوة حين كان يدور ملقياً إيايي خارج السفينة
وأفقت منذ ساعةٍ تقريباً على شاطئ هذه الجزيرة طوق نجاتي هو رحمة الله

زمان: ونعم بالله .. هل تعلم أين تقع هذه الجزيرة وأين نحن الآن أيها القبطان

القبطان ناليس: هذه الجزيرة تقع بين مفترق طرق كثير من السفن تعبر جانبها

كان جواب القبطان مطمئناً جداً لكنه أردف قائلاً: لكن المشكلة أن السفن لاتتوقف عندها أبداً نظراً لأنها مهجورة لاسكان فيها وعلاوةً على ذلك كثرة الصخور والشعب المرجانية المنتشرة حول الجزيرة كما أن هناك شائعات وأساطير كثيرة تدور حول هذه الجزيرة

ياحين: هل هذا صحيح .. وماهي هذه الشائعات

القبطان ناليس: كما تعلم .. جزيرة صغيرة مهجورة تقع بين مفترق طرق لابد أن تنتشر حولها الإشاعات لاشك حين يمر عليها المسافرون وينظرون إليها من بعيد كقول بعضهم أن القراصنة كانوا يخبئون كنوزهم في هذه الجزيرة وأرواحهم تحرسها كما أن بعضهم يدعوها بجنة أموات البحر

طرواد: ولما؟؟

القبطان ناليس: قيل أن البحارة حين يموتون غرقاً تذهب أرواحهم لهذه الجزيرة ولاننسى بالطبع أقاويل انتشار الجن والأشباح

زمان: ولما هذه الجزيرة بالذات دوناً عن غيرها

القبطان ناليس: كما قلت من قبل كثرة مرور السفن بهذه الجزيرة مع عدم رغبة المسافرين في النزول بها أثار حوالها شائعات وأكاذيب كثيرة

زمان: أفهم من كلامك أن مكوثنا في هذه الجزيرة سيطول

القبطان ناليس: لا استطيع التكهن بذلك قد نمكث يوما أو سنة أو نموت هنا
علينا فقط تدبر أمورنا على هذه الجزيرة والبقاء على قيد الحياة قدر المستطاع وإشعال نار كثيفة الدخان كل يوم وننتظر أي سفينة تمر بنا وتقلنا لأقرب يابسة

ساوي: يبدو أمراً سهلاً حين تصفه بهذه الطريقة

القبطان ناليس: دائماً يكون الكلام أسهل من الفعل .. حتى نبقى على قيد الحياة علينا أن نتعاون ونكون كالجسد الواحد

زمان: سنحتاج قائداً بالطبع

طرواد: ستكون أنت قائدنا ياقبطان ناليس فأنت الأكثر خبرة في وضع كهذا على ما اعتقد

القبطان ناليس: علي أن أكون قائدكم بالطبع إنه ليس خياراً متاحاً لكن تذكروا علينا أن نعمل كلٌ بحرفته وصنعته كما يقال ” قيمة كل امرءٍ مايتقنه”
وقد حان وقت امتحان قيمة كل واحد منكم
بالنسبة لي فأنا لم أغرق من قبل لكنني مررت بظروف أصعب من هذه الظروف حين كنت فتياً أما الآن وقد تقدمت في السن فلم تعد نفسي تهوى المغامرة بالطبع فاكتفيت بالرحلات القصيرة لكن يبدو أن المغامرة تتبعني أينما أذهب على أية حال عليكم بالتفاؤل وعدم فقدان الأمل حتى لو اضطررنا لصنع سفينة والخروج من هذه الجزيرة سنصنعها

طرواد: نصنع سفينةً ها .. هههه

زمان: أوه لقد أثرت حفيظة طرواد حين قلت تفاؤل أيها القبطان خخخخ

ضحك القبطان ناليس ثم قال: التفاؤول هنا أيضاً ليس خياراً متاحاً فأما أن تكون متفائلاً أو تموت

أخذ الكل يحدق في القبطان ناليس بخوف من كلامه القوي خصوصاً بعد محاضرة الموت التي ألقاها الطبيب على مسامعنا

ياله من رجل شجاع وواثق يجعلك تحس بالطمأنينة تارة وبالخوف تارة أخرى بإعتقادي حتى نتجاوز هذه المحنة علينا فقط إتباع إرشاداته

القبطان ناليس: حسناً يارفاق ماهي صنعة كل واحد منكم؟؟

زمان: اسمي زمان واعمل طبيباً

القبطان ناليس: طبيبُ زمانٍ ماللزمانِ طبيبُ

زمان: ههه.. هذا وساوي يعمل بناءً
وصديقنا الضخم طرواد صيادٌ وجندي سابق

القبطان ناليس: ممتاز جداً طبيب وبناء وصياد يبدو أن القدر متعاطف معنا هذه المرة ماذا عن الصبي؟؟

ياحين: أنا …

ساوي: لايملك حرفةً بعد فمازال فتياً لكنه عمل أعمالاً متفرقة وهو ولد ذكي

” لا أدري لما الجميع يدعونني بولد مع أن عمري عشرون عاماً”

القبطان ناليس: حسناً إذاً دعونا لانضيع النهار
الصياد والصبي عليكما بتدبر أمر وجبة الغداء
والطبيب والبناء عليكم بجمع حطب وأغصان كثيرة حتى نصنع لنا مأوى بإشراف البناء وفي نفس الوقت نشعل ناراً تكون دليلاً علينا في النهار ودفئاً لنا في الليل
أما أنا فسأحاول إشعال نار صغيرة واعذروني فحفظ أسمائكم سيحتاج وقتاً أرجو أن نخرج من هذه الجزيرة قبل أن أحفظ أسمائكم هه

أخرج القبطان سكيناً صغيرة من جيبه وأعطاها لطرواد قائلاً: خذ استفد من هذه السكين ولكن حذار من أن تفقدها

كانت السكينة جميلة جداً وبدا أنها قديمة أيضاً كان منقوش عليها كلمات عميقة علقت في مخيلتي “النصل بحر والعروة يابسة”

كما أمر القبطان ذهبنا أنا وطرواد متبعدين عن رفاقنا
كنت متحمساً لأرى وأتعلم طرق الصراع من أجل البقاء على يد صيادٍ محترف
لكن جاء صوت طرواد مخيباً آمالي كعادته: ياله من قبطان غبي
كيف لي أن اصطاد شيئاً بهذه السكين الصغيرة

ياحين: علينا تدبر الأمر
ألست صياداً محترفاً!!

طرواد: بلى .. لكن حتى تستطيع الصيد لابد لك من أدواتٍ للصيد وليس هذه السكين الصغيرة

ياحين: ماذا لو بحثنا عن عصاً طويلة وربطناها بالسكين جيداً لنصنع رمحاً نغرزه في الأسماك

طرواد: ياللروعه . . والأسماك ستقف متفرجةً عليك وأنت تغرز الرمح فيها ها

ياحين: لاضير من المحاولة كما قال القبطان إما أن تتفائل هنا أو تموت لاخيار ثالث
حتى لانموت جوعاً علينا أن نأكل
وحتى نأكل عليك أن تقوم بعملك الذي هو الصيد

طرواد: حسناً حسناً سأجاري تفاؤلكم المزعوم هيا بنا لكن بعلمك لقد أوكلوا لنا أصعب مهمة فالصيد بهذه السكين أصعب من إشعال النار أو جمع حفنة من الحطب

بعد قليلٍ من البحث استطعنا أنا وطرواد كسر غصن شجرةٍ طويل
وقام طرواد بصقل مقدمته حتى غدت كالحربة الحادة

اتجهنا للشاطئ ودخلنا البحر قليلاً حتى غدونا نمشي فوق الصخور إلى أن وصلنا لمكان ماؤه صاف وقليل من الأسماك تقتات على الأعشاب

وقف طرواد بين صخرتين مركزاً نظره داخل الماء ينتظر صيده
كان الانتظار طويلاً جداً وفي أكثر من مرة كانت الفرصة مواتية لكن طرواد لم يغتنمها إلى أن نفذ صبري وقلت: ألن تحاول الصيد أم ماذا لقد أضعت فرصاً كثيرة

نظر لي طرواد بغضب وصمت ثم عاد يركز في الماء من جديد
كان الغضب يتسلل لي وأنا أنتظر أن يغرز رمحه في الماء حتى كدت أن أركله وهو ينظر للماء ببرود وتركيز شديد

قلت مرةً أخرى بيأس: يبدو أنك صدقت سنموت جوعاً بسببك

صرخ طرواد: ماذا بك أيها الفتى لاتشتت تركيزي

صرخت أنا الآخر: لا أريد أن أشتت تركيزك لكن لابد أن تكون هناك فائدة من هذا التركيز قد ضاع عمري وأنت تركز

طرواد: ياولد .. تحلى بقليل من الصبر قد لا أمتلك أدوات للصيد فعلاً لكن حمداً لله لدي صبري فقط راقبني وتعلم

هدأت أعصابي قليلاً حين أحسست أن طرواد يحاول بصدق وقلت بنبرة إعتذار: وهل الصبر ضروري في الصيد

طرواد: الصبر هو سر الصيد إن لم تكن صبوراً ستموت جوعاً فعلاً ، هذا ماتعلمته من البحر

ياحين: معذرةً ياطرواد فمن يراك ويتكلم معك لايصدق أنك صبور

طرواد: صبري ينفذ في كل شيء ومن كل شيء إلا الصيد فالصيد هو عملي وحرفتي وحين أكون أعمل فأنا أعمل بقلبي فالصيد هو الشيء الوحيد الذي تبقى لي من متع الدنيا

كان هذا هو أجمل كلام سمعته من طرواد مذ عرفته
فقط الآن عرفت شيئان اثنان
الشيء الأول أن العمل الذي سأجد نفسي فيه هو عمل استمتع به بقلبي
والشيء الثاني أنه ليس صيد الأسماك بالتأكيد أو أي عمل يحتاج إلى صبر

قطع علي تفكيري حركة مباغتة من طرواد
كانت الحركة سريعة جداً لدرجة أنني صعقت حين رأيت طرواد الضخم يغرز رمحه بهذه السرعة وكدت اضحك

كان صفاء الماء قد تعكر بالتراب فلم استطع التيقن هل اصطاد رمح طرواد شيئاً أم لا
لكن اهتزاز الرمح وقرقعة المياه بددت شكوكي إلى يقين وسعادة

نظر إلي طرواد قائلاً: اخلع قميصك ياولد وضعه على كتفي

بسرعة خلعت قميصي ووضعته على كتف طرواد كما أمر فبادرني قائلاً: ياولد هذه السمكة هي غداؤنا اليوم سأنزل لأمسك بها بواسطة القميص وعليك بتثبيت الرمح جيداً إن أضعت هذه السمكة ستكون أنت وجبة الغداء

عاد حنقي على هذا الرجل مرة أخرى لكنني أمسكت بالرمح جيداًَ فنزل وأحاط السمكة بقميصي وأخرجها من البحر

كانت السمكة كبيرة جداً ستكفينا نحن الخمسة لاشك
تأبط طرواد السمكة ومشى متجهاً للشاطئ

كانت السمكة تعفر بقوة حتى خفت أن تفلت من طرواد فقلت له: ما رأيك أن نقتلها بالسكين حتى نطمئن أنها لن تهرب

نظر إلي طرواد نظرةً غريبة وقال بسرعة: ياحين.. لقد اصطدنا السمكة وانتهى الأمر لاتخف القوة تستخدم مع السمكة مادامت داخل البحر أما خارجه فلا
دعها تتعود على العالم الجديد في آخر لحظاتها وستهدأ هي تدريجياً .. دعها تموت بسلام كي تهنأ بأكلها فيما بعد

اكتشفت أنني أعجب بهذا الرجل حين يتكلم عن عمله فقط ياله من محترف وأحسست بتأنيب الضمير لأنني لم استطع تحديد حرفتي والعمل الذي سيجعلني سعيداً في هذه الحياة حتى غدوت أغبطه قليلاً

حين وصلنا لرفاقنا كان القبطان ناليس قد انتهى من إشعال النار وزمان وساوي مازلا يجمعان الحطب

القطبان: لقد أتيتم بغذاء لذيذ على مايبدو

طرواد: وأنت استطعت إشعال النار بسرعة كبيرة

رمى زمان كومة من الأغصان اليابسة وانضم إلينا قائلاً ووراءه ساوي: كل شيء يسير كما أمر القبطان أتمنى أن لا يطول بقائنا في هذه الجزيرة فكلما تحركت بين الأغصان أحس بقشعريرة وكأن أحداً يراقبني

طرواد: ههههههه أأنت خائف الآن أم حزين أيها الطبيب

زمان: لا.. فعلاً أحسست بشيء ما صدقوني

نظر طرواد لساوي مستفهماً لكن ساوي لاذ بصمته مبتسماً واتجه للسمكة قائلاً: لقد بدأ بطني يؤلمني من الجوع متى سنأكلها

أمسك طرواد بالرمح وغرزه في احشاء السمكة ووضعها على النار وأخذ يقلبها فيما انشغل زمان والقبطان بإشعال نار أكبر بعيدة قليلاً وكثيفة الدخان حتى تكون لنا دليلاً إن مرت قربنا إحدى السفن أما أنا فقد ذهبت أعين ساوي في بناء شيء شبيه بالكوخ ننام داخله

وقف القبطان ينظر بفخر لسير الأمور كما خطط لها في نظام مرتب وقال: أحس وكأنني في سفينتي .. آه ياسفينتي كم اشتقت لك

زمان: نحن اشتقنا لليابسة وأنت تحن للبحر يالك من غريب ياناليس بالنسبة لي إن عدت سالماً لن أركب البحر أبداً

ضحك القبطان ناليس وقال: هذا ما أقوله حين يبتعد الشاطئ عن عيني في كل رحلة أقوم بها ولكني حين أعود للشاطئ أحن للبحر مرةً أخرى إنه عشق أبدي بت لا أستطيع العيش على أرض صلبة ومتوازنة فأنا أهوى التأرجحات

صرخ ساوي مشيراً للجهة الأخرى: انظروا…

كانت المفاجأة

فتاة ظهرت من اللامكان تقترب منا وهي تترنح بتعب

يتبع

حسن المصوف

إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة الخامسة

إمرأة أم خمسة رجال E5

الحلقة الخامسة

في الحلقة الماضية

بعد أن ذهبت للمدينة لشراء دواء كلفني بجلبه طبيب القرية تعرضت لمشكلة في المدينة وحتى أتفادى هذه المشكلة أشارت علي فتاة التقيتها في المدينة واسمها جمان بالرجوع عبر البحر. كان الرحلة عبر البحر جميلة لكن للأسف سرعان ماتبدد هذا الجمال إلى رعب مخيف بعد أن هبت عاصفة عظيمة وسقوط قبطان السفينة في البحر واختل توازن السفينة فهب بعض الرجال المسافرون لمد يد للبحارة في تخفيف وزن السفينة وعكفنا على صندوق كبير أنا وسبعة من البحارة محاولين إلقاءه لكن موجة كبيرة انقضت علينا وقذفتنا خارج السفينة نحن والصندوق وغرق ثلاثة من رفاقنا ونجوت أنا وثلاثة آخرون بأعجوبة متعلقين فوق الصندوق يأرجحنا البحر كيفما يشاء والسفينة تبتعد برعونة هوجاء متجاهلة صراخنا إلى أن اختفت عن أنظارنا تماماً وغدونا نطفو ضائعين وسط المحيط كنقطة سوداء في ثوب أسود لاندري ماذا سيحدث لنا

الحلقة الخامسة

الطبيب واضعاً يداه فوق رأسه: يا إلهي ماذا سنفعل الآن

أجاب الشخص الهزيل ببرود واتزان مطمئن: ننتظر شروق الشمس فليس بإستطاعتنا عمل شيء الآن سوى الدعاء أن تصل السفينة بسلام وترسل أحداً للبحث عنا

كان الجميع ينتظر شروق الشمس والوقت يكاد لايمضي تذكرت قول ذلك البحار ” السفر في البحر كالنظر لعقارب الساعه لابد لك بأن تشغل نفسك بشيء ليمضي الوقت بسرعه وإلا ستصاب بدوار البحر”

قطعت الصمت قائلاً بحماس: بالمناسبة اسمي ياحين

بادرني الطبيب: وماهي حرفتك يا ياحين

ياحين: أنا …

قاطعني أحد رفيقي: ومادخلك أنت في حرفته

رد الطبيب بحدة: مامشكلتك ياهذا

أجابه الضخم: مشكلتي هي أنتم أيها الاطباء دائماً تسألون أسئلة مثل ماهي وظيفتك وماهو تحصيلك الدراسي حتى تقيم نوع المحادثة التي بينك وبين الطرف الآخر ألا تستطيع مجرد التحدث ببساطة مع رفيق تائه معك في عرض المحيط لا تنفع المسميات هنا كلنا سواء البحر لن يفرق بينك وبينه

ضحك الطبيب وأجاب بثقة: إن كان لافرق بالنسبة للبحر فهنالك فرق بالنسبة لي ، حتى نعود لليباسة على قيد الحياة علينا أن نتعاون كلٌ بصنعته وحرفته ومايجيده .. على سبيل المثال أنا طبيب إن حدث لأي واحد منا مكروه سأفعل مايلزم لمعالجته وهكذا.. أنا أؤمن أن كل إنسان لابد أن يتقن شيئاً في الحياة له فائدة لاشك كل إنسان خلق لشيء معين لهذا سألته لم يكن سؤالي تقيميياً

قال الرجل النحيل: كلام سليم جدا أيها الطبيب يجب أن نتعاون وأن يكون لكل واحد منا دور يقوم به حتى نستطيع النجاة اسمي ساوي اعمل بناءاً

أصيب الرجل الضخم بقليل من الحرج بعد خطبة الطبيب خصوصا بعد ان مال الرجل النحيل لرأي الطبيب فقال متداركاً: اسمي طرواد كنت جندي سابق واعمل الآن في الصيد

الطبيب: وانا اسمي زمان كم تمنيت لو التقينا في ظروف أفضل

نظر إلي الثلاثة بانتظار تعريفهم بنفسي فأجبت: اسمي ياحين .. عملت أعمالاً متفرقة لكني لم أحدد هدفي بعد

زمان: تحديد الهدف مهم لاشك

طرواد: تبدو فتياً ياولد لكن يفترض لمن هم في سنك أنهم تخطوا مرحلة تحديد الهدف

ساوي: أي وظيفة تعود عليك بمدخول لابأس بها المهم أن تعمل ولاتكون كسولاً وتبتعد عن رفقاء السوء فالعمل الشريف ليس عيباً

زمان: على العكس لابد أن تعمل في شيء لديك ميول ورغبة فيه حتى تسعى لتحقيق حلم حياتك وتكون شيئا تستطيع أن تبدع فيه، إن كان هدفك هو المال فقط فعليك السلام لن تتطور أبداً لاتركز على المال بل على الهدف وسيأتي المال لاحقا

طرواد بنفاذ صبر: ألم أقل لك أنك تتبجح من البداية هل تعتقد أن هدفي في الحياة كان أن أصبح صياداً وهدف ساوي أن يكون بناءً لكل منا هدفه لاشك لكن ليس الكل حالفه الحظ مثلك لتحقيقه فلو كل واحد تحقق حلمه وهدفه لغدا الجميع أطباء ومهندسين وأغنياء لكن الحياة صعبة ياهذا والحلم ليس متاحاً للجميع كي يحلم الغني لابد للفقير أن يسهر ليصنع له المخدة التي سيحلم عليها هه قد تظنني متشائما لكن هذه الحقيقة على الأقل في المكان الذي نشأت فيه

زمان بامتعاظ: لا أظن أنها كذلك حتى في المحيط الذي نشأت فيه الحلم والخيال هي الملكية الخاصة للانسان التي لايستطيع أحد مشاركته فيها قد لايكون بإمكانك أكل قطعة من الحلوى لكن يمكنك تخيل أكلها لاشك
اتفق معك أن للحظ دور كبير لكن الإرادة والسعي وراء الحلم هدف نبيل جداً

كلام الطبيب عن قطعة الحلوى أشعل صوتا غريبا في معدتي وكأنه ذكرني بالجوع الذي ذكرني بدوره بالعطش فأخذت أتخيلني قد خرجت من حمام دافئ مستلقيا عند المدفأة وأنا اشرب الحليب الساخن آآآآآه كم اشتاق لهذا اللحظة إن عدت على قيد الحياة سأصورني وأنا مسترخِ واعلق الصورة على الجدار
كم هو جميل الإحساس بالدفئ والشبع والاسترخاء.. ليس النوم بل الاسترخاء فقط دون التفكير في أي شيء كم أتمنى لو كنت هناك الآن مخدة مريحة وسرير وفير وسقف مهترىء بعض الشيء لكنه دافئ

كم تمنيت لو كان حرف السين يتوسط اسمي لكان لي عزاءً من العطش ومهوناً لمصيبتي
أحس أنني سأبكي ووجع في بطني يؤلمني جداً وهذان لاينفكان أن يتوقفا عن الشجار

طرواد: الانسان يحلم بشيء صغير إن حصل عليه حلم بشيء أكبر ،هل تفهم ما أعني .. حتى يصبح لدي حلم كبير لابد من تحقق أحلامي الصغيرة حتى أرتقي لمستوى يخولني أن أحصل على هدف لكن إن كان حلمي منذ صغري إن أحصل على كسرة خبز أو سقف يقيني عن المطر كيف سأكبر وأكون طبيبا علي أن أحلم بحاجاتي الأساسية أولاً قبل البحث عن الكمال أو ماتسميه بالتطور .. هيه ياولد أين سرحت

ساوي: هه هذا هو حال المراهقين ما إن تبدأ بنصحه حتى يسرح في خياله الخاص وكأنه مصغٍ لك لكنه لايفقه أي كلمة مما تقول لاتسألوني كيف عرفت لدي ابن في الخامسة عشرة

زمان: تربية الأطفال أمر صعب هذه الأيام على ما اعتقد

طرواد: التربية تحتاج صبراً فقط

زمان: وهل أنت متزوج .. يالها من مسكينة زوجتك

طرواد وقد تغير لون وجهه: ولما!!

زمان: قد عرفتك ليوم واحد وأكاد اتمنى الموت كي أتخلص منك فكيف هو حال زوجتك اعتقد أنها ستضحك فرحا عند سماعها خبر غرقك

أخذ طرواد ينظر لزمان والشرر يتطاير من عينيه

ساوي بخبث متداركاً عراكاً آخر: لكنها ستبكي مجدداً حين ننجو وتصاب بإحباط لتعلم أنه حتى البحر لم يقدر على هذا البغل

ضحك الجميع إلا ياحين الذي مازال سرحاناً

ساوي: فعلاً ماذا بك يافتى تبدو حزيناً

ياحين: لاشيء لكن كلام الطبيب عن الطعام ذكرني بالجوع والعطش لكن لسبب لا أعلمه لست جائعاً أو عطشاناً إنما افتقد إحساس الشبع

زمان: لقد كنت اضرب مثلاً لكن لاضير على الأقل كنت تصغي

ساوي: علينا أن ننتظر بزوغ الشمس ونرى ماسيحدث

زمان: في الواقع كان لحديثنا فائدة أخرى بأن جعل الوقت يسير بسرعة لم تبقى سوى …
وأخذ ينظر لساعته رافعاً يده نحو ضوء القمر

والكل محدق في هذه الساعة الفخمة برجاء أن يكون ماتبقى على شروق الشمس ساعتان أو أقل إذ لابد أن يسير الوقت أسرع إن كنت تمتلك ساعةً باهضة الثمن
لكن خابت الآمال حين قال زمان: إنها الحادية عشرة أمامنا ست ساعات على الأقل ينبغي لنا أخذ قسط من النوم

كان الهدوء مخيم على أرجاء المكان
كلٌ يخزن طاقته بعد أن سئمو الشجار والحديث
كلٌ إنعزل في زاويةٍ وسرح يفكر بصمت
مع أنني متأكد أن الكل يفكر في نفس الأمر
قد يتشوش تفكير أحدنا بالحنين لحبيبةٍ أو ولد لكنه سيعود لنفس الموضوع لاشك النجاة من المحيط
ياترى لما المحيط يأرجحنا في ظلام الليل .. لماذا لم نمت غرقاً وسط العاصفة
هل يهوى تعذيبنا أم يعلمنا الأمل
سؤال أتمنى أن لاأعرف إجابته فقط أريد النجاة أريد أن أتخطى مرحلة الحصول على الإجابة لأصل للنتيجة كما أتخيلها ..لطالما تخيلت نفسي أخوض مغامرة لكن في كل مرة كنت انتصر وافوز ولدي قوى خارقة ويحالفني الحظ لكن مايبدو الآن هو عكس ذلك تماماً لايبدو أنني سأنجو سماء ظلماء فوق رأسي ومحيط عميق تحتي والبرد يحيط بي من كل جانب وغرباء لا أعرف عنهم شيئاً باتوا ينصحونني بالتفكير في المستقبل وهدفي في الحياة عوضاً عن التفكير في حل للنجاة من الغرق آه لو اتمكن من المشي في أنحاء قريتي فركبتي تؤلمني قليل لابد أنه ألم الحنين والشوق للمشي وسط السهول الجميلة وحرارة الشمس تداعب خدي وأتوقف عن شرفة منزل هُبينه وهي تنظر لي من النافذة بشعرها المجعد الجميل آه كم اشتقت لعينيها يا إلهي!! لا أحد يعلم أنني على قيد الحياة سواك
بطني يؤلمني سيظنوني غرقت ولن يبحثوا عني أما أهل القرية فهم لايعلمون أنني صعدت على متن السفينة أصلاً سيظنوني هربت بالنقود وسيبدأون يطلقون الأقاويل والإشاعات وخيبات الأمل آه حتى هُبينه لن تحزن علي بل ستظنني لصاً جباناً هربت بالنقود وجهار زوج أمي سيعاير أمي لآخر يوم في حياتها كان علي العودة بالقطار لكن السماكون وقفوا في طريقي آه لاينفع الندم الآن هي مشيئة الله .. الله وحده يعلم بوجودي هنا ..

أخيراً استسلمت للنوم وغفوت قرابة ساعتان او أكثر على شجار آخر بين طرواد وزمان يحاول فيه طرواد إثبات أنه تعذب كثيراً في حياته وخاض تجارب عدة وأن زمان ولد وفي فمه ملعقة من ذهب وددت لو قاطعته لأقول له أنه ليس بالضرورة أن تكون فقيراً وتعيساً فقط استمتع بما لديك لقد ولدت ميسور الحال لم أكن فقيراً لكن لم يكن كل شيء بمتناول يدي ولا أظن أنه يوجد أحد استمتع بطفولته في قريتنا أكثر مني لكنني آثرت الصمت والاستسلام للنوم فالنقاش مع شخص مثل طرواد بدا عقيماً فهو يبدو عليه من النوع الذي لايتقبل آراء الآخرين ويرى نفسه دائماً على صواب

في الوقت الذي كان ياحين يصارع الموت في المحيط كانت الشمس قد غربت وبدأت القرية في النوم تدريجياً بعد غروب الشمس بقليل تنطفأ جميع الأنوار
وتنام الناس بعد تناول عشائها
وكعادتها هبينه اتجهت لغرفتها متظاهرة بالنعاس ككل يوم وجلست قرب النافذة تنتظر رمي حجارة ياحين بقلب حاني ونفاذ صبر إذ تأخر يايحن على الموعد
في نفس الوقت كانت أم ياحين قد بدأت تحس بالقلق وهي واقفة على الباب

جهار: مابك ياصهاب ادخلي كي ننام

صهاب بقلق: قد تأخر ولدي أخاف أن أصابه مكروه

جهار: بل خافي أن يصيب ابنك المكروه نفسه .. اتركي عنك الوساويس يا امرأة وتعالي نخلد للنوم

صهاب: اذهب ونم أنت أما أنا سأنتظر ولدي واطمئن عليه

جهار: لابد أنه وصل من المدينة واتجه فوراً لحبيبة القلب فالشوق قد أضنى قلبه لاشك .. اذهبي للنوم فالعاشق الولهان لن يأتي إلا الفجر

صهاب: لا .. ولدي كان سيأتي ليطمئنني عليه ويرى أمه قبل أي شيء إنه لم يصل بعد إذهب لمحطة القطار ياجهار

جهاربتعجب: وماذا سأفعل هناك في هذا الوقت!!

صهاب: إسأل عن ولدي أحس أن هناك شيء ما .. أرجوك إذهب

صرخ جهار: أنت مجنونة يا امرأة وأنا نعسان اخلدي للنوم واتركي عنك وسوسة الشيطان

نزلت دمعة حارة على خد صهاب وهي تنظر لجهار برجاء لكنه بادرها: لن اذهب في برد هذا الليل ابنك رجل كبير الآن مسؤول عن نفسه لاتخافي ودخل للبيت مخلفاً وراءه أم ياحين تحمل دموعها الرياح ببرودة وهي تبكي بحرارة خوفاً على ابنها

فجأة خرج جهار مرةً أخرى مرتدياً معطفه وهو يتذمر: ولدٌ بحجم البغل تبكي عليه أمه لأنه تأخر عن البيت وأنا ابتلي به واذهب بحثاً عنه .. سأمر ببيت الخباز إن وجدته هناك سأخنقه بكلتا يدي أعدك بذلك

صهاب: شكراً لك ياجهار أنت زوج طيب وحنون

جهار: حسناً حسناً لكن أعدي الفراش ودفئي البيت كي أنعم بنوم دافئ حين أعود

صهاب وهي تمسح دموعها: سأعد لك حليباً ساخناً وقليل من العصيد الذي تحبه

ضحك جهار: إذن لن آتي إلا وابنك معي حتى وإن لم أجده في المحطة سأذهب للمدينة وأجلبه من هناك

صهاب: رافقتك السلامة

رحل جهار أخيراً ودخلت صهاب تنتظر ابنها أو خبراً يطمئنها عليها وماهي إلا لحظات حتى سمعت طرق الباب

خرجت صهاب وإذا بالطبيب كان الطارق

صهاب: أهلاً أيها الطبيب ألم يرجع ياحين بعد؟؟

الطبيب: في الواقع لقد جئت بحثاً عنه فقد تأخر كثيراً

صهاب بقلق: أعلم ذلك لقد أرسلت جهار يبحث عنه في محطة القطار

الطبيب: للأسف لقد كنت هناك في انتظار قطاره ولم أجده بين الواصلين حتى شككت أنني لم انتبه له

صهاب: ومالعمل الآن أيها الطبيب؟؟

ضحك الطبيب وقال: تخافين عليه وكأنه طفل .. ولدك رجل الآن ياصهاب

نزلت دمعة من عين صهاب وقالت بحرارة: سيظل طفلاً في عيني حتى وإن رأيت أحفاده .. لكن قلبي يحس أن هناك خطب ما .. ذلك هو إحساس الأم أيها الطبيب

الطبيب: لاتخافي عليه إنه ولد شجاع .. قد يكون فاته القطار واضطر للمبيت في المدينة لاتقلقي

كانت هبينه تنظر للقمر من النافذة بانتباه شديد متخيلةً وجه ياحين وكلامه المعسول فقد تأخر كثيراً كانت تريدج أن تسمع كلاماً أ:ثر يطمئنها بعد الوعد الذي وعدها إياه في محطة القطار أنه حين يعود سيجد عملاً ويتزوجها

” آه أخيراً سيتزوجني .. أخيراً سيجمعنا بيت واحد.. كم اشتقت لك ياحبيبي”

أحست هبينه بقدوم أحدهم
” أهو ياحين .. أتمنى أن يكون ياحين .. لن أسامحه لقد تأخر علي كثيراً”

لكن أملها خاب حين كان عابر السبيل غير ياحين
كان رجلاً عجوزاً توقف عند منزلهم في منتصف الليل يتلفت هنا وهناك

” من هذا ياترى وماذا يفعل هنا؟؟”

اختبأت هبينه خلف الستارة تنظر لهذا الغريب بخوف وانتباه حتى أحست بالبرد ينفض جسمها

إلى أن اختفى ذلك الغريب فجأة في الظلام مبتعداً

عادت هبينه تنظر للقمر منتظرةً حبيبها وزوج المستقبل وكلما ركزت نظرها في القمر أحست بنعاس أكثر حتى غفت عند النافذة

أفاق ياحين بعد فترة بسيطة على صوت غناء خفيف كان ذلك هو ساوي مستلق على ظهره ينظر للقمر ويتمتم ببعض المواويل الحزينة أما طرواد وزمان فكانا يغطان في سبات عميق

انتبه ساوي لي فبادرني: هاه ياولد هل أزعجك صوت غنائي

ياحين: بل أزعجني صوت شخير طرواد

ساوي: ههه انظر للقمر لايوجد أجمل منه أليس كذلك

نظرت للقمر وكأني أراه للمرة الأولى كان جميلا وساحراً جداً بنوره المشع يجذبك إليه

ساوي: أتخيل زوجتي الآن تنظر للقمر أيضاً فتلتقي روحي بروحها كان هذا اتفاقنا كلما اشتاقت لي في ظلام الليل أن تنظر للقمر وأنا وعدتها أن انظر إليه كل ليلة وأناجيه فتحس هي بمناجاتي وتشكو لي همها إنه أجمل وسيلة اتصال

ياحين: يبدو أنك تحب زوجتك كثيرا كنت أظن ان العرسان الجدد وحدهم من يعشقون بعضهم .. أي أن الأزواج الذي مضى على زواجهم سنين كثيرة ولديهم أطفال لايتأملون لحظات العشق وينشغلون بتربية ابنائهم وتأمين المعيشة والعناية بالمنزل

تنهد ساوي وقال: الحق ماتقول ياولد في بداية الحياة الزوجية يكون لهيب العشق مستعرا وشعلته لاتكاد تنطفأ لكن بعد مرور الأيام وقدوم الأولاد تبرد هذه الشعلة شيئاً فشيئاً أتدري لماذا؟

ياحين: التعود على ما أظن..

ساوي: لا… الزوجان إن كانا عاشقان لبعضهما كل ما مضى بهم الوقت يلتحمان ببعضهما البعض ليصبحا جسداً واحداً وشخصاً واحداً وقلباً وعقلاً واحد لايهيم هذا الكيان في أجزائه بل ينغمس فيها بتناسق رهيب من يراقبه من بعيد يظن أنه التعود كما تقول لكن فقط حين يفترق الزوجان عن بعضهما ولو لفترة بسيطة يشتعل لهيب العشق من جديد ليحرق قلبهما هما الاثنان فتجدهما لاينفكان في السعي للقاء والالتحام من جديد

أغمض ساوي عيناه بسكون لينزوي في صمته مرة أخرى لم أرد أن أعكر عليه عذاب شوقه المتأجج لأشركه معي في محاورة عديمة الفائدة يبدو أنه يتخيل زوجته آه أتمنى أن أتزوج هُبينه إن نجوت من هنا وأعشقها هكذا .. ياترى هل تفكر بي الآن
أخذت أنظر للقمر وأتخيلها تنظر للقمر من نافذتها وهي تفكر بي وعيناها تلمعان في ظلمة الليل فكدت أبكي لكني نظرت حولي اتفقد رفقائي ثم أغمضت عيني كما فعل ساوي وأنا أتخيل نفسي فوق رأسها وهي تنعم بنوم عميق ياله من وجه جميل مع ان ملامحه ليس واضحة بالنسبة لي لا أدري لماذا هل يعقل أن انسى وجهها أم لأن عيناي المغمضتان تبكيان بلا دموع وتتشوش صورتها في مخيلتي:

نامي ياحلوتي نامي
نامي واحلمي بي
نامي لاتجلسي بهدوء
قد تحسين بي وتحزني

تخيلت هذه الكلمات واخذت أتمتم بها لاشعوريا فجاء صوت ساوي يقطع علي حبل العشق

ساوي: ها ياولد لقد تعلمت الاتصال بسرعة هههههه

نظرت إليه وقلبي يرف حزناً وقلت له عله يطمأنني أكثر: لكنك لست أكيداً من انها جالسة تنظر للقمر أم نائمة أليس كذلك

ساوي: لايهم ماتفعله هي المهم ماتفعله أنت، وهي لاشك ستحس بك ثق بي فجاذبية القمر ستشغف قلبها بك حتى وإن لم يفهم عقلها ذلك ألا تأتي عليك أحيان في الليل لاتحس بما يحيط بك ويدخل قلبك حالة من الدفء والبرد معاً وأنت لاتدري ماسبب ذلك
لست حزيناً ولافرحاً
لكنك تميل لاستخراج أحزانك إذ أنك تظن أنك مكتئب
لكنك لو تركت الحزن جانباً وفكرت في شخص يحبك أو يهتم بك في هذه اللحظة قد تصاب بسهم الحب وتسقط صريعاً تسبح في بحر الشوق لنظرةٍ أو ابتسامة من وجهه الجميل

جاء صوت زمان من الخلف: ياله من كلام جميل إنك شخص حكيم ياساوي

ساوي ممازحا: هل تستغرب هذا الكلام من بناء

زمان: هششش لاتوقظ طرواد فأبتلي به

ساوي: ههه هي ليست حكمة بل الشوق إنه الشيء الوحيد الذي يصبرني عند السفر

أفاق طرواد من نومه ونظر لنا وكأنه كان يسمع حديثنا ثم أشاح بوجهه للجهة الأخرى

ساوي: يبدو أن حديثنا قد أقلق مضجعك

طرواد: هه..

زمان: وماذا عنك ياطرواد.. ماهو الشيء الذي تفعله حتى تصبر على فراق زوجتك وتكتم ألم الشوق؟

طرواد: بالنسبة لي لاشيء

ساوي: هيا ياطرواد .. أم أنك تكره تبادل أطراف الحديث مع غرباء الصندوق

اعتدل طرواد ونظر لنا مرةً أخرى ببرود ثم نظر عالياً للسماء وقال: القمر ها.. هه

زمان: أأنت سلبي هكذا في كل شيء

ساوي بأسى: لابد أن قلبك ميتٌ ياهذا أتهزأ بمشاعر الآخرين .. نحن قومٌ تعودنا السفر وترك عائلاتنا وأبنائنا وكل إنسان يتخذ شيئاً ما ليفرغ فيه طاقة الاشتياق المكبوتة بداخله بدلاً من أن يكون فظاً غليظاً مع الآخرين

طرواد: هه.. اسمع يارفيق المحيط
المرء حين يفقد زوجته وشريكة حياته ويستمع لشخص ما سافر يوماً أو يومين عن زوجته ماذا تظن سيجول بداخله سوى السخرية بحزن

ساوي: أوه.. أنا آسف جداً لم أكن أعلم أنك فقدت زوجتك

نظر طرواد للقمر مرةً أخرى ثم قال: هه .. لابأس

زمان: يبدو أنك تضايقت حين ذكرنا زوجتك منذ قليل بأنها ستفرح بخبر غرقك سامحنا أرجوك لم نكن نعلم أنها متوفاه

طرواد: على العكس لقد لمست ذكرى جميلة في قلبي تذكرت الأوقات التي كنت أغيظ فيها زوجتي وأمازحها

زمان: هل مضى على وفاتها زمنٌ طويل

طرواد: عامٌ ونصف عام

ساوي: قل لي ياطرواد.. كيف هو الشعور؟

طرواد: هل سمعت المقولة التي تقول ” إن الرجل يظل طفلاً حتى تموت أمه فإذا ماتت شاخ فجأة”

ساوي: نعم أظن ذلك

طرواد: هو ذات الشعور لكن بفارقٍ بسيط ففقد الرجل لأمه يحفر جرحاً عميقاً في قلبه يحسسه دائماً بالحرمان وعدم الأمان لكن فقد الرجل لرفيقة دربه يتعدى مكانه القلب إنه جرحٌ ينمو أمام عينيك كل يوم

زمان: وكيف ذلك!!

طرواد: أصعب شيءٍ واجهته في حياتي حين فقدت زوجتي هو سؤال ابنتي لي بعد أن دفنت أمها وعدت للمنزل قالت لي أين أمي؟؟

ساوي: يا الله

طرواد: هل تتخيل هذا يازمان لتوك فقدت شريكة حياتك ورفيقة دربك
زوجتك حبيبتك عشيقتك وهاهي ابنتك تسألك أين هي
هل يوجد جواب يشرح ماجرى ويبرره
أين أمي؟؟
تقف كل يوم أمام باب غرفتها المغلق وتصرخ ماما اخرجي لكن لامجيب لدرجة أنني في يومٍ من الأيام وقفت معها عند الباب نصرخ بأمها أن تخرج وأنا ابكي وهي تبكي
واحضنها وتقول لا أريدك بل أريد حضن أمي
قل لي يازمان ماعلاج فقد حضن الأم ها.. أجبني أيها الطبيب..

أنزل زمان رأسه للأسفل وكأن دمعةً قد سالت على خده وقال: كان الله في عونك

صرخ ساوي بشدة: انظروا..

صاح ياحين: إنها جزيرة

نظر الجميع للأمام وكانت المفاجأة لم ننتبه أن الفجر كان قد تسلل إلينا على حين غرة
لكن المفاجأة أن لاح نور الفجر منيراً جزيرةً قريبة

يتبع

حسن المصوف

إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة الرابعة

إمرأة أم خمسة رجال E4

الحلقة الرابعة

في الحلقة الماضية
بعد أن وصلت للمدينة بالقطار شاءت الأقدار أن ألتقي بفتاةٍ تدعى جُمان أنقذتها من بائع سمك محتال وشرير فساعدتني في مسيرتي وبحثي عن الدواء الذي قدمت لجلبه لقريتي
وبعد أن استعدت مالي من البائع اللص وضربته ضرباً مبرحاً اشتريت الدواء واخذتني جُمان لمحطة القطار فكانت المفاجأة أن وجدت بائع السمك ينتظرني هناك مع رفاقه وأعوانه كي ينتقم مني فما كان مني سوى الهروب عبر البحر بواسطة سفينة تجارية تعبر المدن والقرى الساحلية ناقلةً البضائع والمسافرين مودعاً جُمان تلك الفتاة الجميلة التي خلت لوهلةٍ أنني أعجبت بها لكنني أيقنت بعد ابتعاد السفينة أنه حتى و لو كان الزمان غير الزمان ماعشقت غير هُبينّه…

الحلقة الرابعة

كان الجو جداً صاخب على عكس الرحلة الاولى إذ كان البحارة يقيمون احتفالاً كبيراً لقبطانهم الذي وصل للثالثة والخمسين من عمره وتزوج حديثاً بفتاةٍ في السابعة والعشرين من عمرها.
كان بعض البحارة يطلقون نكتاً تشجيعية لقبطانهم أما البعض الآخر فكانت نبرة الحسد واضحة في كلامه فيما اكتفا آخرون بالمباركة أما القبطان فكان ينظر لهم بابتسامةٍ سارحة واشعل سيجاره نافثاً دخانه بنفس عميق
إلى أن اختفت المدينة تماماً
كان الجو صحواً جداً إلا أن الرياح كانت قوية

اقترب مني أحد البحارة قائلا: هي ياولد.. هل تريد اللعب؟

نظرت اليه بتردد ولكن بحذرٍ شديد إذ أن عالم البحر لا مكان للضعف فيه كل شيء محسوبٌ بدقة في مكانٍ مليء بالرجال لأن عالم البحر هو عالمٌ رجولي بحت وأكبر دليلٍ على ذلك أنه المكان الوحيد الذي لم تطالب المرأة فيه بمساواتها بالرجل مع أنه يشغل ثلثا الكرة الارضية.
ياحين: ماذا تريد ان تلعب؟

البحار: كم لديك من المال؟؟

ياحين: ههه .. لا أجيد اللعب بالنقود علاوة على ذلك أنا ولد فقير

البحار: لكن لابد أن لديك بعض المال فأنت في سفر لما لا نتسلى قليلاً صدقني ستعجبك اللعبة

أصابني فضول لمعرفة هذه اللعبة لكنني كنت واثقاً انها خدعة لاشك لسلب نقودي كعادة البحارة يسلبون نقودك وهم يضحكون معك ويبيعونك سلعاً تفرح بشرائها لعرضها المغري ولاعتقادك انهم بحارة اغبياء لكنك ماتلبث ان تغادر السفينة حتى تكتشف عطبها او انها قد سرقت منك مصادفة، لكن مالحل هنا إذ انني لا استطيع إغضاب هذا البحار لكني سأحاول خداعه

ياحين: حسنا سألعب لكن تعدني بأن لاتغش

البحار: سامحك الله انا انسان ذو شرف لاتخف

ياحين: ماهي اللعبة؟

البحار: هل تجيد لعب الورق؟

بدا البحار مسيطراً على المحادثة وهذا ماكان يضايقني إذ كان يجيب على السؤال بسؤالٍ دائماً

ياحين: آه الورق .. للأسف أنا اعلم ان هناك العاب كثيرة لكنني لا اجيد أياً منها

البحار: لاتقلق سأعلمك اللعبة انها سهلة جدا ويبدو عليك انك ولد ذكي

يبدو أن هذا البحار لن يتنازل عن الاحتيال علي لامحالة

ياحين: شكراً انت أيضاً يبدو عليك الخبرة والذكاء والمعرفة الواسعة

البحار بسرور: نعم نعم ههه انا عصرت هذه الدنيا وعصرتني ولي خبرةٌ في كل شيء لقد اشتغلت في اعمال كثيرة وسافرت في ارجاء الارض والبحر واكتسبت خبراتٍ وتجارب عديدة

ياحين: لكن يبدو انك تعرف ألعاباً كثيرة ايضا

البحاربثقة: بالطبع انا اعرف جميع الالعاب التي سمعت بها والتي لم تسمع ايضا لاننا البحارة لابد لنا من تسلية انفسنا فالسفر في البحر كالنظر لعقارب الساعه لابد لك بأن تشغل نفسك بشيء ليمضي الوقت بسرعه وإلا ستصاب بدوار البحر كما تدور العقارب ههههه

ياحين: اها.. وهل تعرف لعبة الشطرنج انا أعرف قوانينها ولكن ليس تماما ولكن على الاقل افضل من الورق

البحار: الشطرنج!! بالطبع توجد لدينا رقعة كبيرة ولكن لا اعتقد انها فكرة صائبة إذ سيجتمع حولنا البحارة وقد تتضايق

ياحين: على العكس إلا إذا كنت خائفاً ان اهزمك امام البحارة

ضحك اثنان من البحارة كانا يسمعان حديث صاحبهما معي

البحار: لا لا أنا لا أخاف سأتحداك وسأهزمك شر هزيمة

ياحين بثقة: حسناً إذن .. هيا بنا

البحار: انتظر.. كم لديك من المال؟؟

ياحين: لدي قطعة فضة كم لديك أنت؟

جلس البحار يتشاور مع صاحبيه اعتقد انه سيستلف المبلغ، ياله من مفلس يريد ان يكتسب نقوداً بالضحك علي، لقد سار كل شيء كما خططت له سألعب معه الشطرنج لا أظن أنني سأفوز إذ سيجتمع علينا البحارة لاشك وسيقومون بتعليمه فلعبة الشطرنج تحتاج لهدوءٍ تام وليس حشد بحارةٍ وتشجيع لكنني لا أريد الفوز أهم شيءٍ أن أُطيل اللعبة قدر الإمكان حتى يمل البحار من اللعب معي
خسارة قطعة فضة خيرٌ من خسارة المال كله.

اجتمع البحارة على سطح السفينة ووضعوا لنا طاولة والتفوا حاولنا كما أنهم بدأوا بالمراهنة على لعبتنا. تقدم القبطان من وراء الحاجز الخشبي ناظراً لي بخيبة أمل وقال: لقد اخترت أغبى واحدٍ على ظهر السفينة لتلعب معه أذكى لعبةٍ في العالم

ثم ضحك منصرفا

لقد اعطتني كلمات القبطان قليلاً من الأمل بالفوز لكن الذي شجعني وزاد ثقتي بنفسي انقسام الجمهور حولنا الى قسمين البحارة راهنوا بفوز صاحبهم والمسافرون راهنوا علي وهو مالم أتوقعه، يبدو أن كلمة القبطان أثارت فيهم الحماس كما اثرت في ولاشك أنهم يريدون الاستمتاع بوقتهم وشغله بشيء ما. حسنا اعتقد أنني سأحظى بلعبةٍ عادلة لكن مازال علي أن أكون بطيئاً جداً سواءً فزت أم خسرت لا أريد أن أفوز فأثير نقمة البحار علي بإحراجه أمام البحارة والمسافرين يكفيه ماناله من القبطان ناهيك أنني لو فزت بسرعة سيتحمس بحارة آخرون وسيتحدونني ومن يدري قد أفوز عليهم أيضاً ويخسر البحارة نقودهم بسببي وبدل أن أكون أثرت حنق بحار واحد أكون قد أثرت حنق الجميع إنها مجازفة و لابد أن ألعب لعبة مملة جداً.

أخيراً بدأت اللعبة وسط هدوء الجمهور، مالذي يجري!!
إن هذا البحار غبيٌ جداً لا اعتقد ان باستطاعتي ان اكون بطيئا هكذا فهو يرمي بحجارته امامي ترى هل لديه تكتيك معين ام يريدني ان افوز لألعب مرة اخرى بزيادة الرهان، الواضح انه مجرد غبي لكن مايشككني في الامر هو سكون البحارة والبحر ايضا بدا أن البحارة أعصابهم مشدودة لكنها لم تكن مشدودة على اللعبة. حافظت على بطأ اللعب قدر المستطاع لم أرد أن تكون مماطلتي واضحة إذ كان البحار غبيا جداً لا يعرف إلا التقدم للأمام
إلى أن قدم احد البحارة ممن لم يراهنوا على اللعبة قائلاً بصوت حازم: القبطان يأمركم بأخذ أماكنكم والاستعداد للعاصفة كما على المسافرين النزول اسفل السفينة بسرعة

امتزج جو السفينة بتذمر البحارة وهلع المسافرين خصوصا النساء والاطفال إلا أن القبطان أتى بنفسه هذه المرة مطمئناً الجميع: إنها عاصفة عابرة واعتقد أنها ستزول بسرعة فلم نعهد اي عواصف في هذه المنطقة علاوة على ذلك بحارتي قد عاصروا أشد العواصف و”هيليا” سفينتي مقاتلةٌ قديمة لم تخذلني أبداً لكن علينا أخذ الحيطة والحذر.

نهض البحار من طاولة الشطرنج بملل قائلاً: أنت محظوظ جداً ياولد لقد أنقذتك العاصفة فقد كان فوزي محتماً

تضاحك قليل من المسافرين لكن سرعان ماتبددت ضحكاتهم بقلق حين رأوا الجدية البادية على وجوه البحارة وسرعة تحركهم كآلات ديناميكية يالهم من بحارة محترفين

كل شيء سار بأمر القبطان البحارة والمسافرون والسفينة
والبحر أيضا
ياله من قبطان بكل ماتحمله معنى الكلمة اعتقد أنه حتى البحر يهاب هذا القبطان بمعطفه وقبعته السوداء وسيجاره المعقوف ونظرات عينيه الشبه مغلقة بتركيز التي تدل على الثقة والغرور لكنه في نفس الوقت يتصنع التواضع فقط كي يتجنب إطراء أحد ما
أتمنى أن تكون شخصيتي كهذا القبطان حين أكبر مع أنه كبير في السن إلا أن له هيبة تسيطر على أقوى البحارة

اجتمعنا اسفل السفينة ننتظر الهبوب وماهي نصف ساعه الا كان صوت الرعد واضحاً وجلياً

و بدأت ارتطامات الامواج وأرجحة السفينة، كان صوت السكون واضحاً وسط الضجيج إذ كان جميع المسافرين مركزين أذهانهم فيما يجري على ظهر السفينه ومع أن العاصفة كانت تشتد تدريجياً إلا أنني كنت احس ان السفينة تمشي في رتمٍ معين ومرتب
ارجحة ارتطام مراوغة وصوت همهمة البحارة كان مطمئناً كأنه يخرج من جسد واحد مجابها همهمة الرياح

يالهم من محترفين لاخوف هاهنا فبدا أنهم يستمتعون بالعاصفة ويتحدون أي شيء بإستطاعته كسر الروتين حتى أنني كنت أسمع أحدهم يصرخ ضاحكاً متحدياً البحر ورياحه العاتية ومشجعاً رفاقه في هذه المعركة ولسببٍ ما تخيلته البحار الذي لعب معي الشطرنج مع أن صوته كان مختلفاً.

ومع اننا في وسط النهار إلا أنني كنت أتخيل سطح السفينة مظلماً لاسيما بعد صوت الرعد المرعب وهطول المطر فنحن وسط مطر وعاصفة لابد أن يحيط الظلام بالسفينة لاشك
لا ظلام الليل بل ظلامُ المعركة إذ يخفت النور عند الصراع من أجل البقاء ليتسنى لك أن تبحث عنه ليكون لك كهدفٍ تبغي الوصول إليه وكأن العاصفة تحف بالسفينة حاجبةً نور الشمس لتقول لها عليك مجابهتي إذا أردتِ رؤية النور والولادة من جديد. إلى أن حدث خروجٌ عن النص غير متوقع

هدأت أرجحة السفينة فجأةً واختفى صوت الارتطام مع همهمة البحارة وكأن الجميع متفاجئ
علا صرير الرياح بشدة باردة وغير متوقعة أو مقبولة بسرعةٍ بطيئة
على حين غرة أحسست أن السفينة تمشي مسرعةً بإتجاهي حتى سقطتُ على الأرض وكذلك كل من كان واقفاً.
خيم الرعب على قلوبنا لكن سرعان ما استعاد الجميع وعيه وكذلك السفينة وكأن الجميع يترقب الضربة القادمة.

نهض أحد المسافرين وكان فتياً جداً بدا عليه أنه في السادسة عشرة من عمره وسط بكاء الأطفال والنسوة قائلا بلهجة محفزة: أعتقد أنه علينا الخروج ومد يد المساعدة لابد أنهم يجابهون مشكلة ما علينا إلقاء نظرة لنرى مايحدث خارجاً فلا فائدة من جلوسنا بين النساء هاهنا

قال آخر: مايقوله هذا الفتى صحيح إن كانت السفينة ستغرق سنغرق نحن أيضاً سواء كنا فوقها أو داخلها

نهض آخر وقال: حسناً لاضير من أن نلقي نظرة فقط لنطمئن على حياتنا وسلامة السفينة

أخيراً نهض ثلة من الرجال وأنا معهم واتجهنا مسرعين إلى السطح فيما بقي من تعلقت به زوجته وكأنها ستحميه من العاصفة وبعض كبار السن ومتصنعين اللامبالة

كان المطر شديداً جداً مصحوباً برياح عاتية تكاد السفينة أن تطير من قوتها

أخذ جسدي يرتجف وأنا أسر لنفسي “يا إلهي يبدو أن دعائي بغرق السفينة سيتحقق ياللهول لقد كنت أهذي شعراً والشعراء يقولون مالايفعلون”
نظر إلينا أحد البحارة بغضب شديد صارخاً: ماذا تفعلون هنا لقد أرتكبتم خطأً فادحاً فأنتم غير مؤهلين للسير على سطح السفينة في مثل هذه الظروف علاوةً على ذلك السفينة تسير بلا قبطان…

نزل كلامه علينا كالصاعقة اختفى القبطان في عرض البحر تاركاً السفينة بمن عليها

قال احد المسافرين: ومالحيلة الآن؟؟

قال آخر: ليس لنا سوى الله الآن

سادت لحظة صمت عندما سمعنا هذه الجملة ونظر له الجميع بكثير من الأمل والحزن وكثير من تأنيب الضمير فقد تعلق قلبهم بالله الآن فقط

عاد البحار ليقطع هذا الصمت المحفوف بالعاصفة وقال: مساعد القبطان يحاول أن يوازن السفينة فيما نقوم نحن بإلقاء المؤن والبضائع ليس لدي وقت أضيعه عودوا للأسفل إن كنتم تخافون على حياتكم

واختفى في العاصفة

اخذنا ننظر لبعضنا البعض باستفهام فلم نرد العودة لبقية المسافرين لنزف لهم خبر فقد القبطان علاوة على ذلك لانريد ان تنظر لنا النساء على اننا اطفال خرجوا عند الباب وصرخ بهم احدهم مرجعاً إياهم.. تلك هي رعونة الرجال
اخيراً هرع اصغرنا كبطل ببلاهة هوجاء وتبعه كل من افرز هرمون التصابي محاولين مد يد العون إلا أننا كنا نسير ببطء وحذرشديدين على سطح السفينة نظراً لانعدام الخبرة على عكس البحارة الذين كانوا وكأنهم صقورٌ محلقة على ظهر السفينة تتعارك مع العاصفة ترى الواحد فيهم يقفز من مكانٍ لآخر بقوة وشجاعة

امسكنا بصندوق خشبي كبير كنت أحسست بالاطمئنان حين وجدت شيئاً ثقيلاً أتمسك به بعد التأرجح الذي حل بي من سطح السفينة لكن بادرني أحدهم بأن علينا إلقاء هذا الصندوق لا الإتكاء عليه.. يا إلهي لماذا انضممت إليهم كان الجو دافئاً في الأسفل أما هنا فالجو بارد ووجع بمعدتي لا أعلم مصدره عكفنا على الصندوق محاولين إلقاءه كان ثقيلاً جداً
ماهي إلا لحظات وكأن موجةً كبيرة انتبهت لنا وانقضت علينا كالنسر الذي وجد فريسة بعيدة عن أمها وقذفت بنا خارج السفينة نحن والصندوق في عرض البحر. لم أتمسك بشيء في حياتي كما تمسكت بالحبل الذي كان محيطا بالصندوق وفي هذه اللحظة بالذات كانت صورة أمي واضحة في مخيلتي وهي تبكي:

أرعشةٌ بجسدكِ ياحنون
في ساعةِ عاصفة
تضعين يدكِ فوق صدرك
فتنزف عاطفة
ارتعشي..
وارعشي الدنيا .. ومافيها
سفينة ضناكِ قد مالت صواريها
وأملاح غدر البحر
بدمع العين أوفيها
قد لاح طوق الحزن
حول الأم مضنيها

مذ جرفتنا الموجة الكبيرة خارج السفينة وتأرجحنا في الهواء وسقوطنا في الماء كانت اللحظات مرعبة وأنا متشبث بذلك الحبل مغمضاً عيناي أفكر بأمي هارباً من واقعي المحتوم

كان سقوطنا داخل المحيط المظلم أسرع من الزمن وكأن الذعر يصرخ بنا بصمتٍ مفزع والجسم والجوارح تهتز بشكلٍ جامد والروح تتسرب من الجسد تسرب الهواء في الماء وصوت مصارعة السفينة بالبحر يبتعد تدريجيا..ً
في هذا الوقت تتكون غمامة على العين والأذن لا أدري لماذا هل الخوف يسببها أم هول اللحظة كنت انتظر مرور شريط حياتي في مخيلتي كما يقال مستسلماً لما يحيط بي
لكن كانت المفاجأة عندما أحسست بنورٍ يملأ صدري ودفئ يلامس ظهري لا أعلم مصدره وكأنها يدٌ ضمتني إلى الصندوق ودفعته لسطح الماء

“لا إله إلا الله المجير الجبار”

“لا إله إلا الله القوي الستار”

صعد الصندوق بنا لسطح البحر مرة اخرى،يا إلهي أخيراً فتحت فمي محاولاً التقاط انفاسي وعيناي تدور من حولي بحثاً عن السفينة و رفاق لا أعرفهم
وجدت رجلاً كان قد تعلق بالصندوق مثلي وثلاثة كانوا يحاولون السباحة تجاه الصندوق بصعوبة أما أصغرنا الذي كان أول من صعد على متن السفينة فقد اختفى في عمق المحيط أم أنه مازال فوق السفينة لأعلم بالضبط لكن أغلب الظن أنه سقط أيضاً لأنه كان على حافة السفينة يحاول سحب الصندوق وكأنه محترف بغرور ياللخسارة لقد كان صغيراً جداً، بسرعة فللت جزءا من الحبل والقيته لاقرب واحد منهم محاولا إنقاذه مرتان حتى استطاع ان يمسك به وسحبته مع رفيق الصندوق حتى اصبحنا ثلاثة واخذنا نشجع الاثنان الآخران ليلحقوا بنا لكن دون جدوى اذ كان الموج شديد الارتفاع نظرا لقرب السفينة التي كانت ترتفع عاليا بشكل مرعب لتضرب البحر مرةً أخرى

كانت سباحتهم لاتغني ولاتسمن من جوع بل على العكس أحسست أن سباحتهم تباعدهم عن الصندوق أكثر إلا اننا واصلنا تشجيعهم حتى أتت موجة كبيرة اجبرتنا
بالتمسك بصندوقنا لانها غطته تماما وقلبته على جانبه وما ان ارتفع الصندوق مرة اخرى وصعدنا فوقه بصعوبة بواسطة الحبل
نظرنا إلى الاثنان اللذان كانا يحاولان الوصول للصندوق كان أحدهم قد اقترب واختفا الآخر فما كان مني الا ان القيت له بالحبل ولكنه لم يستطع الامساك به وبدا أنه يبتعد من جديد إذ خارت قواه واحسست انه يغرق لأنه كان يلفظ أنفاسه بيأس
لم أدري مالذي دفعني لإنقاذه ربما هو طعم الحياة الذي أحسست به حين نجوت
ربطت الحبل حول خصري بإحكام وقفزت للبحر بسرعه سابحاً تجاهه لكني لم احتج أن أسبح أصلاً فالموج جرفني إليه بسرعة كبيرة فتمسك بعنقي بشدة خلتُ أننا الاثنان سنغرق معاً، حاولت أن أبعده لكن دون جدوى حتى ندمت على فعلتي إذ أنني لم اعتقد أن الأمور ستؤول هكذا رغم محاولة رفيقانا في الصندوق أن يسحبانا إلا أنها كانت مهمة صعبة جداً لدرجة أنني لم أعد أتنفس
كان لابد لي من إسقاطه عن كاهلي فعند الغرق تتغلب الغريزة على الفطرة ويضمحل العقل ليهيمن الصراع من أجل البقاء هممت بأن اضربه على رأسه لكن لحسن حظنا نحن الاثنان أتت موجةٌ أخرى دفعت بنا الى الصندوق وارتطمنا نحن الاثنان فانتهز الفرصة رفيقانا فوق الصندوق وقاموا بسحبنا واحدا تلو الآخر.
أخيراً أصبحنا نحن الأربعة فوق الصندوق متشبثين جيداً كنت مازلت مربوطا بالحبل فشددته حول الصندوق وارتميت في المنتصف التقط انفاس نصف الغرق وعروق نحري تنبض بشدة أما الآخر كان قد فقد وعيه بعد أن صعد فوق الصندوق لا أدري هل من هول الموقف أم من الفرحة، بعد أن تأكد رفيقي بأنه يتنفس أخذا يصرخان بالسفينة عل أحداً يسمعنا ويرجعوا إلينا وسرعان مانضممت لهم بعد التقاط أنفاسي وحلقي به بحةٌ تكاد تخفيه لكن كان علي المشاركة في الصراخ بأية حال إذ كانت السفينة تبتعد في هدوء وسط العاصفة كطفلٍ يهرب من سربِ نحل، من شدة الرياح كان صوتنا يرتد لنا تارة ويبتعد تارةً أخرى عكس اتجاه السفينة ولا أظن أن البحارة انتبهوا لسقوطنا فهم كانوا مشغولون بالسيطرة على السفينة وحتى إن انتبهوا ستكون مجازفة كبيرة أن يعودوا لصندوق قد يكون لا يحتوي إلا على أزياء نسائية أو أواني مكسرة.

بعد ان هدأت العاصفة تزامن اختفاء السفينة عن مرأى عيوننا مع غروب الشمس مما زاد من برودة الجو إذ كانت الرياح ماتزال قوية
لكن توقف المطر وسطوع القمر كان مطمئنا بأن المعركة قد انتهت معلنا وجوه الضحايا.

بعد أن قطعنا الأمل في عودة السفينة جلسنا جميعا فوق الصندوق نرتاح من هول ما مررنا به إذ كانت الرياح تهدأ شيئا فشيئا ورفيقي منهم من كان يندب حظه أما الآخر يتذمر من كل شيء وأما الثالث كان مازال يغط في نوم عميق. بعد ساعتين تقريبا كان الهدوء قد خيم على المحيط إذ هدأت الرياح أظنها قد تعبت أيضاً اقترب احد رفيقاي من الغريق وكان ضخم الجثة ووضع رأسه قرب أنفه ليتاكد أنه مازال يتنفس، سأله الآخر: هل انت طبيب؟

رد ببرود مشيراً للنائم: لا، بل هو

سألته: وهل تعرفه؟؟

رد بغضب ونفاذ صبر هذه المرة: لا بل رأيته يصف وصفةً لأحد المسافرين

ثم أخذ يهزه بكلتا ذراعيه ويبلل وجهه بالماء في نفس الوقت إلى أن استعاد الطبيب وعيه شيئاً فشيئاً ثم نظر الينا في هلع قائلا: مممماذا حدث؟؟

رد الآخر وكان هزيل البنية مقارنة برفيقه: لاشيء أنقذناك من الغرق في البحر لتغرق في سبات عميق ولا شيء حدث بعدها سوى ذهاب العاصفة بالسفينة بعيداً وغروب الشمس

قال الطبيب وكأنه يعلم الجواب: وأين البقية لقد كنا ثمانية؟؟

رددت عليه: بل أظننا سبعة ولكن نحن الأربعة فقد من نجونا على ماعتقد

الطبيب وقد أوشك على البكاء: ياللهول.. وأين ذهبت السفينة

رد الضخم بعصبية: رحلت.. رحلت.. ألا ترانا وحيدون في عرض المحيط

الطبيب واضعاً يداه فوق رأسه: يا إلهي ماذا سنفعل الآن

أجاب الشخص الهزيل ببرود واتزان مطمئن: ننتظر شروق الشمس فليس بإستطاعتنا عمل شيء الآن سوى الدعاء أن تصل السفينة بسلام وترسل أحداً للبحث عنا

بادره الطبيب: وهل أنت بحار

رد عليه: لا لكن لايوجد حل آخر سوى هذا ننتظر شروق الشمس ونراقب قد تكون يابسة قريبة لنا فنسبح تجاهها أو قد تعيدنا أمواج البحر للشاطئ

الطبيب: أتمنى ذلك لقد رأيت الموت غرقاً مرة وكان صعباً جداً

ونظر إلي وقال: أشكرك ياولد لقد أنقذت حياتي كان عمل بطولياً لكنه غير ناضج أن تخاطر بحياتك من أجل شخص لاتعرفه

قال الضخم مواسياً: يالهؤلاء الأطباء دائماً هنالك شيء خطأ قمت به حتى وإن أنقذت حياتهم وحدهم من له الحق بإنقاذ حياة الآخرين لقد كنت انتظر واتوقع كلاماً مثل هذا

رددت عليه: العفو علينا أن نتعاون لنصل للشاطئ على قيد الحياة

رد رابعنا الهزيل: إنك ولد حكيم

أطرقت برأسي للأرض وكأنني اعترض أن لاوقت للإطراء ثم نظرت للقمر المتوهج ثم خيم السكون من جديد سوى صوت الأمواج

يتبع

حسن المصوف

إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة الثالثة

إمرأة أم خمسة رجال E3

الحلقة الثالثة

في الحلقة الماضية
بعد أن تركت القرية ذاهباً للمدينة بالقطار لجلب دواء مضاد للحمى التي تفشت في قريتنا
وصلت أخيراً للمدينة التي كان سوقها يمتد من محطة القطار إلى ميناء الشاطئ نظراً لكثرة المسافرين الذين يعبرون هذه المدينة ويوجد في هذا السوق كل شيء أصناف عديدة من الأشياء والمخلوقات يبيعون كل شيء ويشترون كل شيء
كان الجو صاخباً جداً
أخذت أتجول بين البضائع ومررت بقسم الخضار أبحث عن أحد يرشدني لعنوان الصيدلية التي علي الذهاب إليها لكني لم أوفق ذلك
فأكملت مسيري إلى أن أخذتني قدامي لقسم سوق السمك

مشيت إلى وصلت وسط الضجيج
كان هنالك عراك بين بائع سمكٍ وامرأة بدت في الخامسة والعشرين كان قد باعها سمكاً فاسداً بالأمس
علا صراخها في أرجاء المكان وسط امتلاء الحشود وعدم المبالاة
اقتربت اتفرج المشكلة

اشتد النزاع بين الطرفين وفجأة نهض البائع بوحشية
كان قصير القامة نحيل الجسم ذو ثيابٍ رثة
ودفع المرأة من كتفها بضربةٍ أسقطتها أرضاً
غلى الدم في عروقي من هول المنظر ومازادني غضباً أنه لم يتدخل أحد من المارة أو الباعة حتى الآن فكل شيء بدا طبيعياً بالنسبة لهم ومازالوا يشترون ويبيعون وكأن لا أحد ينظر لهذا المشهد

نهضت المرأة بغضب وتحدي وامسكت بالوعاء الذي كان مليئاً بالأسماك وقلبته على البائع فتساقطت الأسماك أرضاً ممتزجتةً بالوحل

نهض الرجل مرة أخرى وهذه المرة قفز على المرأة ممسكاً بها من شعرها يجرها جر الشاة وهي تصرخ مستنجدةً بالمارة لكن لاحياة لمن تنادي

اقتربت منهم بغضب علي استطيع فك هذا النزاع لكني فجعت حين رفع بائع السمك يده عالياً ولطم الفتاة لطمةً أسقطتها أرضاً وهو يقول: ستدفعين الثمن غالياً أيتها الوقحة
أخذت المرأة تزحف باكية إلى أن وصلت تحت قدماي والبائع الخبيث يتبعها وكأنه لم يكتفي

ياحين: ي.. يكفي ياهذا..

لكنه لم يكترث بي ولم يدر لي بالاً وامسك بها من كتفها هذه المرة من طرف ثوبها حتى أحسست أنها قد بدأ يتمزق..
في هذه اللحظة أظلمت الدنيا في عيناي
من وقاحة هذا الرجال ولا إرادياً فوجئت حين رأيت يدي ترتفع موجهة لكمةً قوية للبائع طرحته أرضاً وسط وحل أسماكه الفاسدة
توقف كل شيء للحظات
هدأ الضجيج
توقف المارة
سكن الهواء
تلى ذلك السكون مشهد عجيب
جميع الباعة في سوق السمك نهضوا نهضة رجلٍ واحد بإتجاهي وعلامات العداء بدت واضحةً على وجوههم بوحشية
نهضت المرأة بسرعة واختبأت خلفي مستجيرةً بي
أحسست أن علي حماية هذه المرأة حتى لو كلفني الأمر حياتي فمهما اختلفت العادات والتقاليد بين القرية والمدينة هذا أمر لا أستطيع تقبله وإشاحة وجهي عنه فطرياً
كان جسدي كله ينتفض لكن عيناني كانتا ثابتتان بحزم وأنا أفكر بسرعة ماذا سأفعل
نهض البائع مرة أخرى مسرعاً تجاهي هو الآخر
انهال السماكون علي كموجة عاتية يضربونني ضرباً مبرحاً وكأن الفتاة لم تعد تعنيهم بعد الآن
حاولت المقاومة في البداية لكن بعد فترةٍ لم أعلم كم مدتها كنت قد قطعت الأمل في المقاومة
لا أذكر متى سقطت أرضاً لكن آخر شيء كنت أفكر فيه قبل أن أفقد الوعي هو قائل تلك المقولة التي تقول ” الكثرة تغلب الشجاعة” لابد أنه مر بموقف مشابه لاشك حتى استطاع أن يخرج بمثل قويٍ مثل هذا

أفقت بعد فترة ليست طويلة لأجد نفسي ملقىً بعيداً عن السوق قليلاً
بالقرب من صنبور ماء وتلك الفتاة التي أنقذتها جالسةٌ القرصفاء بعيداً قليلاً عني تنظر لي بقلق وحذر وقليل من الدم المتخثر تحت فمها يبدو أنه من اللطمة التي حصلت عليها من بائع السمك

الفتاة بإبتسامة يملؤها القلق والحزن والإحراج وقليل من الامتنان: حمداً لله لقد أفقت أخيراً هل أنت على مايرام.

نظرت لها وأنا مازلت ممداً على الوحل ثم أخذت برهةً اتفحص فيها جسمي الذي بدا مليئاً بالكدمات لكن الأعضاء مازلت سليمةً تخلو من الكسور

هززت رأسي بالايجاب ثم سألتها: ماذا حدث؟؟

الفتاة: بعد أن فقدت الوعي انهال عليك السماكون ضرباً وركلاً ولم يوقفهم سوى ناقوس السمك معلناً وصول شحنة جديدة من الأسماك للسوق فتفرقوا عنك بسرعة ليتنافسوا على الشراء وهذا من حظك فلو لم يدق الناقوس في هذه اللحظة لكنت في عداد الأموات إنك محظوظ أيها الغريب

نظرت لجسمي المليء بالاصابات ثم نظرت للفتاة مرة أخرى: محظوظ!! .. لأظن ذلك كم تمنيت لو دق ذلك الناقوس باكراً قليلاً..لكن كيف جئت إلى هذا المكان!

الفتاة: لقد قمت بسحبك من السوق إلى هنا لأبعدك عن السوق والباعة ولتشرب قليلاً من الماء

ياحين: أشكرك أيتها المرأة أنك شجاعة وقوية

نظرت لي الفتاة بأسى ثم أردفت تقول:هذا هو حال الأم عند غياب زوجها.. أنا آسفة جداً وأشكرك من أعماق قلبي لتصرفك النبيل والشهم

ياحين: لاداعي لذلك لقد فعلت مايرضي ضميري وعلي أن اتحمل النتائج أياً تكن أرجوك لاتحسي بتأنيب الضمير أو الشفقة فقط إن كنت تريدين مساعدتي عليك أن ترشديني لهذا العنوان

الفتاة: بالطبع سآخذك لأي مكان

أدخلت يدي في جيبي وأخرجت عنوان الصيدلية وأنا أفكر بالثمن الذي دفعته حتى تفضل علي أحدهم أخيراً لإرشادي

الفتاة: آه .. أنها صيدلية السوق قريبة جداً من هنا على بعد شارعين

ياحين: سأكون ممتناً لكِ أن أرشدتني إليها

الفتاة: إنه لمن دواعي سرور ناهيك أنه يجب عليك الذهاب للصيدلية على أية حال لتبتاع لك ضمادات للخدوش التي تملأ وجهك وجسمك كي لا تراك هُبينه بهذه الحال عند عودتك

ياحين: ماذا .. وكيف علمت بهذا الإسم!!

الفتاة: هه.. لقد كنت تهذي بإسمها حتى ظننتني هي وأخذت تعتذر لي وتعدني بالزواج

ياحين: ياإلهي كم لبثت وأنا فاقد للوعي

الفتاة: قرابة ساعة هه .. من هي هُبينه؟

يايحين: ها .. إنها .. إنها..

الفتاة: هههه لاداعي هيا بنا نذهب للصيدلية قبل أن تتحول الكدمات لهالات سوداء

ياحين: هه.. أشكرك على اهتمامك .. بالمناسبة اسمي ياحين

الفتاة : وأنا أدعى جُمان

ياحين: جُمان .. ياله من اسم جميل

جُمان: شكراً.. هي بنا

نهضت اخيراً بمساعدة جُمان انفض الغبار والوحل من ثيابي وامشي متكئاً على أمنياتي بالرجوع للقرية في أسرع وقت ممكن .. ” آه لو أمسك بيد هُبينه الآن كي أنسى آلامي”

ياحين: سؤالٌ واحد فقط ياجُمان يحيرني

جُمان: فقط سؤال واحد هه .. تفضل ماهو

ياحين بغضب: مابال هؤلاء القوم حين اعتدى رجلٌ على امرأة وكأن شيئاً لايعنيهم لكن حين وجهتُ له ضربةً واحدة انهال السوق كله علي ضرباً وركلاً!!

جُمان: أنت لاتعلم بأمر السوق والمدينة يبدو أنك مازالت صغيراً

نظرت لها بقليل من الغضب والثقة بالنفس حين استصغرتني لاسيما أنها لم تكن كبيرةً أيضاً فهي تكبرني بخمس أو ست سنوات على أكبر تقدير لكنها استرسلت قائلة: أقصد أنك تفتقد للتجارب والخبرات
هذا السوق تسيطر عليه عائلة واحدة وكذلك سوق الخضار وبقية الأسواق .. لكل سوق عائلة تملكه وتدير شؤونه

ياحين: لهذا إذن انهالوا علي بالضرب لأنني اعتديت على قريبهم

جُمان: بالضبط..

ياحين: يالهم من أوغاد أين العدل والانصاف

جُمان: لقد وصلنا هذه هي الصيدلية

ماإن رأيت الصيدلية حتى وضعت يدي على بطني متذكراً حقيبة النقود

ياحين: يا إلهي ..حقيبة النقود!!

جُمان: ماذا بك!!

ياحين: أين الحقيبة .. أين النقود.. لقد سُرقت نقودي .. ماذا سأفعل الآن .. لا أستطيع العودة للقرية دون دواء .. سأخذلهم ولن تتغير نظرتهم لي أبداً.. لا خيار أمامي يجيب أن استعيد المال إنها مسألة حساسة جداً بالنسبة لي.. إن لم استطع العودة بالدواء لن أعود للقرية أبداً ولا أستطيع العيش خارج قريتي فبها أمي و …

جُمان:هدئ من روعك حتى نستطيع التفكير بروية.. كم هو المبلغ ربما أستطيع المساعدة

ياحين: يا إلهي .. إنه مبلغٌ كبير جداً لشراء دواءٍ يكفي أهالي القرية

جُمان: للأسف يستحيل أن امتلك مثل هذا المبلغ فأنا بالكاد لدي مايكفي عيالي لحين عودة زوجي .. لكن أين كانت آخر مرة تفقدت فيها تلك الحقيبة

ياحين: لقد كانت مربوطةً في بطني وأحس بها طوال الوقت لكني.. نعم لكني حين أفقت لم أجدها

جُمان بحماس: حقيبة جلد بنية وصغيرة؟؟

ياحين: ماذا !! .. نعم إنها هي أين رأيتها .. هل وجدتها..

جُمان بغضب: لقد رأيت بائع السمك يحملها مبتعداً عنك

ياحين: أهو ذاته الذي تعاركنا معه

جُمان: نعم .. لقد رأيته وهو يحملها متمتماً ببعض الكلمات البذيئة لكنني ظننتها له لم أكن أعلم أنه قام بسلبها منك .. ياله من لص حقير

ياحين: علي أن أعود للسوق

امسكت جمان بيداي قائلة: هل جننت .. إن ذهبت للسوق مرة أخرى لن تخرج منه حياً

ياحين: ليس هناك حل آخر

جمان بثقة: سنسترد مالك لاتخف لكن علينا أن نجد خطةً ما فذهابك للسوق قد يودي بحياتك

لم أكن متعوداً على ملامسة يد امرأة غير أمي فجفلت أنظر ليدها وهي ممسكة بيدي لكنني تمالكت نفسي إلى أن فاجئتني بسحبي من يدي بقوة قائلة: أختبأ بسرعة .. هيا هيا

لم أكن أعلم مما علي أن اختبأ لكنني لحقت بها على أية حال إذ كانت ممسكةً بمعصمي بقوة
إلى أن وصلنا لزقاق قريب
همست جُمان: ألم أقل لك أنك محظوظ

ياحين بتعجب ونفاذ صبر: ماذا هناك؟؟

جُمان: انظر إنه بائع السمك…

نهضتُ بسرعة أريد أن أهجم عليه لكن جُمان أمسكت بي مرةً أخرى قائلة بهمس: انتظر قد يكون أحدٌ ما برفقته علينا مراقبته

كاد صبري أن ينفذ إذ أنني أرى اللص الذي سرق مال يمشي أمامي والنقود بحوزته لا شك
لكن لم أعارض جُمان فهي يبدو عليها الذكاء والنضوج أيضاً

جُمان: انظر أنه يدخل الصيدلية وهو لوحده.. ههه.. يبدو أنه أصيب بكدمات جراء العراك

ياحين بحماس: نعم فلقد وجهت له لكمةً بكل ما أوتيت من قوة أطاحته أرضاً

جُمان: سننتظره حتى يخرج عليك أن تختبأ في الزقاق خلف هذا البرميل وسأستدرجه لك حتى ننتقم منه ونستعيد مالك

ياحين: إنها خطة جيدة اتمنى أن تنجح

ماهي إلا لحظات حتى خرج اللص من الصيدلية يمشي بهدوء
انتظرته جمان إلى أن تعدى الزقاق ثم أمسكت بحجر كبير بحجم كفها تقريباً وخرجت من الزقاق خلفه وألقت الحجر تجاهه بكل قوتها
في هذه اللحظات أحسست أن جُمان ترد لي الجميل بمساعدتها لي
يالها من فتاة طيبة وجميلة

أصاب الحجر ظهر البائع فانتفض يصرخ بشكل مفزع ومضحك في نفس الوقت ونظر خلفه ليبصر جُمان
صرخ البائع وهو يركض تجاه جمان: أيتها الحمقاء سأقتلك هذه المرة

هربت جُمان بسرعة داخل الزقاق إلى أن وصلت لجدار إذ كان الزقاق ذو نهايةٍ مسدودة

وقفت جُمان ملتصقةً بالجدار مركزة عيناها على البائع بتحدي ومكر

البائع وهو يستكشف المكان: سألقنكِ درساً لن تنسيه طوال حياتك لكنني لن أضربك هذه المرة هه سيكون انتقاماً من نوع آخر

لكن البائع انصعق حين جاء صوتي من خلفه: بل أنت من سيتلقن درساً لن ينساه طوال حياته أيها اللص الحقير

انتفض البائع ينظر وراءه بخوفٍ قائلاً: من … أنت … اسمع ياهذا .. أبتعد عني أنا أحذرك

ياحين: أعد إلي مالي قبل أن أدق عنقك

كان البائع ينتفض إذ كان الشرر يتطاير من عينيّ ناهيك عن الفارق البدني بيني و بين البائع

أخرج البائع الحقيبة من تحت كمه صاغراً وهو يرتجف وناولها لياحين قائلاً: خذ نقودك لم المس منها قرشاً واحداً

كان يمد الحقيبة أمام وجهي ويداه ترتجف حتى سقطت الحقيبة من يده تحت قدامي وأنا مسمرٌ عيناي في وجهه بغضب وكأن الحقيبة لم تعد تهمني بقدر اهتمامي به هو
كم هو جميل أن يتسنى لك الانتقام من شخص تفوقه قوةً بأضعاف ويكون قد أسرف في الإساءة إليك حين كان محاطاً بقومه ولم يترك مجالاً للصفح

البائع وهو يرجع للوراء بخوف: انظر ياهذا أن ضربتني لن تخرج من هذه المدينة حياً

ياحين: لهذا سيكون انتقامي لما سلف وماسيأتي .. لا أتخيل أنني سأتعب من ضربك ياضارب النساء ههه

جُمان: هه

أمسكتُ به من قفاه ورطمته بالجدار
فانتفض مترنحاً وسقط على الأرض
فحملت البرميل وضربته به بقوة
واخذت اركله بقدماي في بطنه

ياحين: أين ذهبت شجاعتك وغرورك

البائع وهو يبكي: أرجوك ارحمني ياهذا لقد أعدت إليك مالك دعني وشأني لدي أطفال

ياحين: الآن تطلب الرحمة .. لماذا لم ترحم ضعف هذه السيدة إنك عارٌ على الرجال

جُمان: يكفي

ياحين: لا .. دعيني ألقنه درساً

جُمان: لدي فكرةٌ أفضل سيتعلم منها درساً لن ينساه

أمسكت جمان بعلبة طلاء قديمة كانت مرميةً في الزقاق قرب صندوق القمامة واتجهت للبرميل وأخذت تكتب عبارةً ما

كان سوق السمك مازال في أوجه والازدحام جداً شديد
قطع الازدحام صوت برميل يتدحرج أرضاً في وسط السوق يدفعه ثلاثةٌ من الصبية
وهم يتضاحكون وماشد انتباه المارة والباعة أكثر أنه كان بالبرميل رجلٌ مخرجٌ رأسه وهو يصرخ بالصبية بأن يتوقفوا

أوقف أحد باعة السمك وكان ضخم الجثة الصبية بعد أن تعرف على الرجل الذي بداخل البرميل وسألهم لماذا فعلوا ذلك

قال أحد الصبية: رجلٌ ما أعطى لكل واحدٍ منا خمسة قروش وقال لنا أن ندحرج هذا الرجل المجنون بالبرميل إلى سوق السمك وقال إن الرجل المجنون يحب ذلك

البائع الضخم: ألم تسمعوه يصرخ ويدعوكم للتوقف

الصبي: لقد قال لنا الرجل بأنه يحب التدحرج بالبرميل لكنه يخاف قليلاً لذا عليكم بتشجيعه

البائع الضخم: وأين ملابسه

الصبي: لا أعلم لقد أعطاه لنا الرجل الآخر هكذا

البائع الضخم: وأين الرجل الآخر

الصبي: قال لنا أنه سيطير خلف الشمس

البائع الضخم بغضب: حسناً حسناً اغربوا عن وجهي

تدافع الصبية واحداً تلو الآخر هاربين وهم يتضاحكون

أوقف البائع الضخم البرميل وكانت المفاجأة حين شاهد الجميع ماهو مكتوبٌ على البرميل بالطلاء

” أنا لص.. أبيع السمك الفاسد لاتشتروا مني”

والبائع الذي بالصندوق يصرخ بزملائه وأقرابئه أن يحضروا له مايستر عورته كي يتسنى له الخروج من الصندوق والباعة مجتمعون حوله لايدرون مالعمل

خرج ياحين وجُمان من الصيدلية والدواء بحوزته أخيراً

ياحين: ماذا سنفعل الآن

جُمان: سآخذك للمحطة فوراً عليك الاختباء هناك حتى يحين موعد تحرك القطار فباعة السمك سيبحثون عنك في جميع أرجاء المدينة

ياحين بقلق: وأنتِ ماذا ستفعلين؟؟

جُمان وهي متوجهةٌ بياحين لمحطة القطار من خلف السوق بسرعة: لاتخف سأقوم بتغطية رأسي والتوجه لبيتي فوراً ولن أخرج حتى يعود زوجي فهو سيعود بعد يومين هههه

ياحين: ههه يالك من فتاةٍ شجاعةٍ جداً إن زوجك رجلٌ محظوظ لاشك

احمر وجه جُمان خجلاً وقالت: هه أشكرك

ياحين: انتبهي لنفسك

جُمان بثقةٍ وثبات: لاتخف

وصل الاثنان بالقرب من محطة القطار خلف بنايةٍ صغيرة

جُمان: انتظر هنا سأستكشف المكان

ياحين: حسناً كوني حذرة

أومأت جُمان برأسها واتجهت تستكشف المحطة لكنها سرعان ماعادت وعلامات الفزع تملأ وجهها وبالكاد تلتقط أنفاسها

ياحين: ماذا هناك

جُمان: انظر لكن بحذر

أخرج ياحين رأسه من خلف جدار البناية التي كان يقف ورائها فتفاجأ بالمشهد المروع
كانت محطة القطار تضج بباعة السمك وكل واحدٍ منهم يحملُ سكيناً أو ساطوراً

ياحين بخيبة: كان علينا توقع ذلك بأية حال.. مالعمل الآن؟

جُمان بحزم: خيارٌ واحد ليس هناك غيره

ياحين بانتباه شديد: ماهو؟؟

جُمان: تعود لقريتك عبر البحر.. يجب أن نسرع فالسفينة التي أتت بشحنة الأسماك منذ قليل سترحل قريباً محملةً بالبضائع والمسافرين

ياحين بيأس: لا استطيع

جُمان: لماذا.. أتهاب البحر؟؟

ياحين: لا لكن الرحلة ستستغرق يومان على الأقل فسرعة القطار تفوق سرعة السفينة بعشرة أضعاف على أقل تقدير

نظرت إلي جُمان بخبث وقالت مبتسمة: هل تعلم أنك لوجمعت جميع سكك الحديد في العالم بخطٍ واحد سيفوق طولها المسافة بين الأرض والقمر بثلاثة أضعاف هذا مايقوله زوجي حين أرجوه بالسفر بالقطار بدل السفينة

ياحين: ماذا تقصدين

جُمان: أنت تعلم ما أقصد أنت مشتاق وتريد الرجوع على أحر من الجمر للقاء شخصٍ ما هههه

ياحين بإعتراض: لا ليس هذا مايقلقني لاتنسي أن بحوزتي دواء ومرضى ينتظرون هذا الدواء بأسرع وقتٍ ممكن

جُمان: عقار انفلونزا!! أهي خطيرةٌ لهذا الحد.. هههه
ألا ترى إنه عدل القدر ياياحين
زوجي مسافرٌ بالسفينة وأنا انتظره وعليك السفر أيضاً بالسفينة فهناك من ينتظرك

ياحين: إنك شريرة

جُمان: هاهاها هيا بنا قبل أن يجدك أحد السماكون

ذهبت برفقة جُمان إلى ميناء المدينة إذ لم يكن هنالك حلٌ آخر ولحسن الحظ كانت السفينة تتأهب للرحيل

صعدت للسفينة أخيراً وأحسست بالإطمئنان وقليلٍ من الحزن إذ أنني سأفتقد جُمان هذه الفتاة الشجاعة الجميلة
بدت جميلةً وفاتنةً جداً حين حان موعد الرحيل
وقفت تلوح بيدها تودعني بإبتسامة عريضة
أما أنا فسرحت في عينيها الجميلتين
نسيت أن أسألها عن اسم زوجها وماهي حرفته هل هو بحار أم تاجر
ياله من رجلٌ محظوظ زوجةٌ جميلةٌ جداً وعفيفة لأبعد الحدود
ولاتخاف أبداً هي المرأة التي يتمناها كل رجلٍ حين يغيب عنها
ماذا لوكان زوجها معي على متن السفينة
هل سيكون وداعها له كوداعها لي أم ستختلط الابتسامة بقليلٍ من الدموع
سرحت في خيالي أمام هذا المشهد حتى اشتبه عقلي وسرحت أتخيل أن زوجها معي فعلاً فهمست لقلبي:

ورحلت عنكِ…
كما لو كنت صاحباً زوجكِ فوق السفينة
لا أنتِ تدري ولايدري
عشق قلبي والأنينا
لوحت يداي ورجلاي ارتجفت
وضحك قلبي باكياً مرسى السفينه
مودعاً عيناكِ وأرجاء المدينة
احملقُ عليّ اخلدُ صورةً
لكن تأبى الدموع أن تستكينا
مدٌ في عيناي وجزرٌ بخاصرتي
حال دون أن أروي العيونا
إبكي فراق زوجكِ واسمعينا
وسأبكيكِ بصمتٍ لاتسمعينه
ماهان حبي ولاهُنتي علينا
لكن عل الدموع تلتقي
وتفهم السر الدفينا
انتظرتُ الوقت همساً
اتخيل العشق الرجيما
فلا أنتِ ترضينهُ لو علمتي
ولا أنا رضيتُ بما تعلمينه
إلى إن مشت السفينة
فوقها جسدي
وروحي ممسكةٌ بشطِ المدينة
كساريٍ أخرج من بحرٍ سجينا
واختفينا..
في عرض البحر اختفينا
واضحى زوجك وحيداً .. حزينا
مذ ذلك اليوم صحبته..
عشقته..
صرت ظله..
عل دعائي يستجاب
وتغرقَ السفينة
وتبحثي عنه..
وتجدينه..
فوقه جثتي ممسكةً بقوة
علكِ تلمسي جسدي مباعدةً إياهُ
قبل ان ترتمي فوق زوجك وتحضنينه

صعدت السفينة عائدا للقرية بعد ان استطعت الحصول على الدواء بقليلٍ من العثرات والمغامرة
مع ابتعاد السفينة عن الشاطئ
مإن تلاشى وجه جُمان من عيني حتى لاح وجه هُبينة في مخيلتي حزيناً ومعنفاً فأحسست بتأنيب الضمير فجُمان امرأةٌ متزوجة نظرت لي نظرةً أخويةً بحته وساعدتني في الهرب من المدينة ولولاها ماستطعت إستعادت مالي من جهةٍ أخرى .. لدي عشيقة جميلة تنتظرني في قريتي
آه لابد أنها ستشتاق لي كثيراً وستقلق إذ أنني لن أعود في الوقت المحدد كما وعدتها
ياترى هل سأحكي لها قصة جُمان…

كان الجو جداً صاخب على عكس الرحلة الاولى إذ كان البحارة يقيمون احتفالاً كبيراً لقبطانهم الذي وصل للثالثة والخمسين من عمره وتزوج حديثا ببنت في السابعة والعشرين من عمرها.
كان بعض البحارة يطلقون نكتاً تشجيعية لقبطانهم أما البعض الآخر كانت نبرة الحسد واضحة في كلامه فيما اكتفا آخرون بالمباركة أما القبطان فكان ينظر لهم بإبتسامة سارحة واشعل سيجاره نافثاً دخانه بنفس عميق
إلى ان اختفت المدينة تماماً كان الجو صحوا جداً إلا أن الرياح كانت قوية

يتبع

حسن المصوف

إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة الثانية

امرأة أم خمسة رجال E2

الحلقة الثانية

في الحلقة الماضية
اتجهت من قريتي للمدينة بواسطة القطار لجلب عقار مضاد لحمى انتشرت في قريتنا
مهمةٌ أوكلها لي طبيب القرية بعد أن شكت له والدتي أني بلا عمل
كان كل شيءٍ على مايرام ولا يضايقني سوى فقدي واشتياقي لعينا هُبينه
وعجوز التقيته في القطار

جلس العجوز وهو مسرور بعد خروجه من الحمام بنشوة إنتصار ونظر إلي قائلاً: هل هذه أول مرة تسافر بالقطار

ياحين بنفاذ صبر: في الواقع لا أتذكر متى كانت آخر مرة سافرت فيها في القطار لكن تقريباً منذ سنتين

العجوز: أنتم سكان القرى منطوون على أنفسكم بطبعكم لاتحبون السفر والاختلاط بالعالم الخارجي

رددت مدافعاً: ماحاجتي للخروج من قريتي إن كان لدي كل شيء فيها

العجوز: ههه كل شيء ها.. مازلت صغيراً ولم ترى شيئاً في هذا العالم الواسع

يبدو أن الرحلة ستكون طويلة مع هذا العجوز ألا يكفيه أنه سرق مقعدي
أخذ العجوز يثرثر وأنا سرح أنظر من النافذة أرقب المسافرين فجأة وإذا بوجه بدا مألوفاً جدا يتلفت حوله في كل جانب بسرعة وخوف “يا إلهي إنها هُبينه”

وقفت منتصبا وأخرجت رأسي من النافذة وكاد قلبي أن يقفز منها وصرخت: هُبيّنه

حين التفتت هُبيّنه تجاه صوتي تبدل قلقها بإبتسامة تدريجيةٍ لكن بشكل سريع كإشراقة شمسٍ في يومٍ جميل لم انتبه أكانت الشمس أشرقت فعلاً حين ابتسمت هُبيّنه أم كانت مشرقةً قبل ذلك
أخذت هُبيّنه تركض نحوي بمعطفها البني وقبعتها الوردية التي تتناسب مع قفازاتها وبيدها كيس من الخبز
وصلت إلي وقلبي يبكي فرحاً

هُبيّنه وهي تلتقط أنفاسها: لقد خفت أن يفوتني القطار قبل أن أراك لقد انتظرت أمي إلى أن أفاقت وأدعوت أنني جائعة جداً فطلبت مني أن أذهب لشراء الخبز وذهبت مسرعةً للخباز و….

ياحين: على رسلك ياحبيبتي على رسلك.. فقط التقطي أنفاسك

هُبيّنه بقلق: متى ستعود

ياحين: عند غروب الشمس لاتقلقي لن أتأخر على موعدنا

نظرت لي هُبيّنه بوجهها الأبيض المختلط بحمرةِ الخجل ثم أشاحت بوجهها وقالت: سأفتقدك كثيراً انتبه لنفسك

ياحين بوجهٍ تملؤه السعادة:هل هذا صحيح.. كم انت جميلة جداً في الصباح

نظرت لي هُبيّنه بإبتسامة وقالت: فقط في الصباح؟؟

ياحين: في الليل القمر يستقر في وجهك الجميل والنجوم تنزل من السماء وتلتف حول عنقك تحتضن جماله الآخاذ أما في النهار فيختبئ القمر في صدرك والنجوم تتلألأ في عينيك

احمر وجه هبينه خجلاً وقالت: أرجوك لاتقل كلاماً مثل هذا قلبي لايتحمل

العجوز: ورجلي لاتتحمل أيضاً لقد حصرتني بين الكرسي والنافذة ياولد القطار سيغادر بعد نصف ساعة لماذا تتكلم مع عشيقتك هنا أنزل من القطار كي يتسنى لك أن تتغزل بحرية وأرتاح انا أيضاً

لم يكن بإستطاعة هُبيّنه رؤية العجوز إذ كان جالساً فاحمر وجهها كقطعةِ جمر لما سمعته يقول ذلك لكنني بادرتها: انتظريني عند باب القطار أنا قادم

ركضت هُبيّنه تجاه باب القطار وهرعت بسرعة للقائها علي استطيع لمس يديها أو الجلوس بجانبها في أحد كراسي المحطة إذ كانت فرصةً لم أحظى بها من قبل فلقائي بهُبيّنه كان دائماً تحت النافذة أو في أماكن عامة تكون دائماً برفقة أمها أو أخوتها لكن كانت المفاجأة حين وصلنا للباب معاً ووجدناه قد أغلق وصاح بوق القطار معلناً المغادرة

لا ….
ليس الآن لقد خدعني ذلك العجوز مرة أخرى لكن هذه الخدعة لاتغتفر أبداً
حاولت فتح الباب لكن دون جدوى فأومأت لهُبيّنه بأن تعود للنافذة وهزت رأسها بالايجاب

ركضت عائداً للنافذة ورمقت العجوز بنظرة مقتٍ أما هو فكان مطأطأً رأسه يضحك بصمت وبدأ القطار بالتحرك ببطء

خرجت من النافذة فمدت هُبيّنه يدها لي وبدا أنها كانت حركةً غير إرادية إذ تناست هُبيّنه نفسها حين أحست أنني سأرحل
كاد قلبي أن يسبق يدي ويمسك بيدها الناعمة وهي تشد الخطا مع تحرك القطار
وأحسست أنها أصيبت بقشعريرة حين أمسكت بيدها لكنها كانت سعيدةً لاشك تحاول أن تخفي لوعة الشوق و الحرمان بالخجل
نظرت لها والقلب يبكي وقلت: ياإلهي لماذا يمر الوقت الجميل بسرعة كم تمنيت لو كان بإستطاعتي إيقاف الزمن الآن وللأبد

رد العجوز وهو يضحك: توقيتك سيءٌ جداً يابني إن أوقفت الزمن الآن سينبغي لهذه الفتاة المسكينة أن تمشي مع القطار للأبد أيضاً هاهاهاها..

كدت أرد عليه لإسكاته لكن بادرني القطار بزيادة سرعته ترادف مع زيادة خفقان قلبي
بسرعة أخرجت هُبيّنه رغيفاً ساخناً من الكيس وأعطتني إياه

ياحين: هل هذا دفئ الرغيف أم دفئ يديك

خرجت يد العجوز من النافذة قائلاً: وأنا ليس لي مايسد جوعي ويدفأني

يبدو أن هُبيّنه لم تعد تكترث بهذا العجوز الخرف إذ ركزت عيناها الساحرتان اللذان احمرتا تنبأن بسيل الدموع في عينيّ وقالت: انتبه لنفسك ياحبيبي وعد لي سالماً أرجوك

ياحين: حين أعود سأعمل في أي عمل فقط لتكوني زوجتي أحبك..

توقفت هُبيّنه إذ غدا القطار سريعاً على أنامل قدميها ولم يعد بإستطاعتها مجاراته وأخذت تلوح لي بيدها الناعمة وهي واقفة على أصابع رجلها ودمعة سالت فوق خدها

أخذ القطار يبتعد وهُبيّنه تصغر في عيني
ويكبر شعورٌ غريب بالألم في صدري آه لو كان لدي منظار كنت تأملت هذا الوجه الجميل
عليّ أخزن صورتها في خيالي أو انحتها نحتاً في جدار قلبي لكن هيهات كانت وجهها الجميل يتلاشى من أمامي تلاشيّ الشمس وقت الغروب
أحسست بالندم لقيامي بهذه الرحلة ولو كانت قصيرة
لتوي انتبه أنني جعلت أجمل شيءٍ في الدنيا يبكي
ألهذه الدرجة تحبني!
جلست على الكرسي أخيراً مسنداً رأسي أفكر في هُبيّنه
لكن فجأةً بادرني العجوز قائلاً: هل هذا الرغيف من دقيق البر أو القمح؟

أغمضت عيناي افكر ماذا سأرد عليه هل انفجر في وجهه أم ماذا أريد أن أرد عليه رداً رادعاً يليق به لكن فجأة أتى صوت دافئ من مقعدٍ قريب: هل صحيح أنك تنوي الزواج من هذه الفتاة يابني

فتحت عيناي لأنظر فوجدت امرأة بدت في الخمسين من عمرها يبدو في وجهها الحزن وعيناها تنبأن بالدمع لكن بدا أنه وجهها الطبيعي.. هكذا ..أنها ليست تعيسة أو حزينة فقط تعابير وجهها وتضاريسه حزن و شؤم

رددتُ عليها بإستغراب: نعم ..إن شاء الله..هذا ما أتمناه

ردت المرأة العجوز بسرعة: لاتكسر قلبها أرجوك يبدو أنها فتاةٌ مسكينة تفتقرُ للخبرة في هذه الحياة

وددت أن اطمئنها دفاعاً عن نفسي لكن قاطعني الرجل العجوز: لماذا تتدخلين في حياة الناس الشخصية دعيهم وشأنهم

المرأة العجوز: لا أريد أن يكون مصير هذه الفتاة كمصيري أن تنتهي بالزواج برجل مثلك

الرجل العجوز: ليس كل ماتعتقدينه لابد أن يكون صحيحاً فلو لم أتزوجك لضللتي عزباء طول عمرك

ياحين بإستغراب: هل أنتما زوجان

الرجل العجوز وهو مكتف يداه ببعضهما وينظر مشيحاً بوجهه للنافذة وكانه يعترض على القدر: لسوء الحظ

المرأة العجوز: لكن غدونا كالأخوة منذ مايقارب خمسة عشر سنة

الرجل العجوز مدافعاً: عمري ثلاثة وسبعون عاماً ومازلت أتمتع بصحة جيدة لكن المشكلة ليست فيّ لاشك
انظر يابني لوجهها ألاتشعر في الرغبة بالبكاء

كدت اضحك لكنني امسكت نفسي وأنا اتخيل هذه الرحلة التي بدت الآن أطول مما كنت أظن لكنني بادرت الرجل العجوز: إن كانت هي زوجتك وهي جالسةٌ في ذلك المقعد فهذا دليل على أن المقعد الذي بالقرب من النافذة هو ملكٌ لي وأنك خدعتني إذ كيف ستأخذ تذكرتان متباعدتان

الرجل العجوز: بل هو دليل على عكس ذلك

ياحين: وكيف ذلك!!

الرجل العجوز: كنت آمل أن يحصل كل واحد منا على مقصورة…
واحدة بأول القطار والثانية بآخره لكن قدر الله وماشاء فعل اللهم لا اعتراض

نظرت في وجه المرأة العجوز قائلاً: أهو دائماً هكذا ياخالة

المرأة العجوز: أرأيت حتى هذا الشاب المسكين لم يتسنى له معرفتك وقد ضاق ذرعاً بك

الرجل العجوز: مادمتي قد ضقتي ذرعاً بي لماذا تتبعيني من مكان لآخر اتركيني وشأني

المرأة العجوز: لا أستطيع

الرجل العجوز: أنه سهل جداً فقط تدلي من النافذة وسأودعك وداعاً حاراً

ياحين: ياللهول أنت تذكرني بزوج أمي
أيتها المرأة المسكينة إن أردت الإلقاء به من نافذة القطار سأكون سعيداً في مد يد العون والمساعدة

المرأة العجوز: لا أستطيع يابني .. لا أستطيع .. بت أحبه بقدر كرهي له

ياحين: وكيف ذلك!!

المرأة العجوز: ستفهم ذلك يوماً ما لاشك .. هيا أيها العجوز قد حان موعد دوائك

الرجل العجوز: لا أريد هذا الدواء يصيبني بالنعاس

المرأة العجوز: لاتكن طفلاً يجب عليك أخذ دوائك إن أغمي عليك مرة أخرى سأرحل عنك فعلاً فلاطاقة لي بحملك

الرجل العجوز: انتظري حتى نصل أخاف إن أخذت الدواء الآن أن أنام ويأخذ مكاني هذا الشاب

يايحين بخبث: بل تخاف أن ألقي بك من النافذة

المرأة العجوز: دع عنك اللهو وتناول دوائك .. آه .. لقد أصبتني بصداع

الرجل العجوز: حسناً .. حسناً .. هاأنتم معشر النساء أفنيت شبابي أعمل لأدللك ولم أشتكي يوماً والآن بعد أن شخت أصبحتي تتذمرين من كل شيء

المرأة العجوز: لاتتكلم هكذا من يسمعك قد لا يصدق أنك كنت تعمل نادلاً

الرجل العجوز: ليس مقدر لكل إنسان أن يعيش غنياً عليك أن تفهمي أن المال ليس كل شيء في هذه الحياة

المرأة العجوز: أنا أفهم أن المال ليس كل شيء لكنك لاتفهم أن كل شيءٍ بالمال وهذه هي المشكلة

الرجل العجوز بغضب: أعطني .. أعطني دوائي دعيني أنام بدلاً من مجادلتك العقيمة

لم أصدق السرعة التي نام بها الرجل العجوز حين تناول دوائه حتى حسبته يخدعنا لكن شخيره بدد جميع شكوكي فيما انشغلت زوجته بخياطةِ شيءٍ ما
كم هي تقليديةٌ هذه العجوز .. هي وزوجها .. ياترى هل سنكون هكذا أنا وهُبيّنه نرحل في قطار وتتعارك معي لآخذ دوائي .. كيف سيكون شكل هُبيّنه حين تصبح عجوزاً .. أتخيلها بوجهها الوردي وتحت جفونها قليل من تأرجحات الزمن والشيب مختلط في احمرار شعرها آه ما أجمل الحياة أتمنى أن أشيخ معك ياهُبيّنه:
أسندت رأسي أخيراً
أسرحُ في هُبيّنه
لاعجوزٌ يزعجني
فقط خيطُ ماتخيطينه
أيقظي زوجكِ ياعجوز
وتجادلي معه
دعيني أتخيلكما أنا..
وهُبيّنه..
في قطارِ العجائز
عجوزانِ مثلكما
اهمس في أذنها بإرتجاف
ويخفقُ قلبانا بإتلاف
أبحثُ في حضنها عن أنين
وانسى عذابَ كلِ السنين
ياهُبيّنه…
لكم يعجبني حين تستحين وتسمحين
كوردةٍ أغمضت خجلاً
ففاح عطرُ الياسمين
نعم عيناكِ رحيقي ومائي
وحناني وهوائي
وعلتي ودوائي
عيناكِ دفئي..
ومرفأي ومينائي
عيناكِ بردٌ..
لحرارتي وبكائي
فلتغمضي عيناك بآهٍ
وسأغمض عيناي بآه
دعينا نشيخ في ظلام
لاموت فيه ولاحياه
وصل القطار لمحطة المدينة في الوقت الذي أوشكت فيه أن أنام
وقف جميع المسافرون قبل أن يتوقف القطار أملاً منهم أن يخرجوا سريعاً دون انتظار
فتحت الأبواب
واخذ الناس يتدافعون وأنا معهم أيضا
إلى أن خرجنا
وقفت على باب القطار فيما كان كل الناس يتحركون سواي
أخذت انظر لأشعة الشمس الجميلة واستمتع بحرارتها إذ كانت الشمس قد أشرقت بعد أن رأيت هُبيّنه
أخذت عيناي تجول وسط الزحام
ياله من مكان شاسع يضج بالغرباء
كلٌ على عجلٍ من أمره لايتحايون ولا يتكلمون مع بعضهم البعض
صامتون لكن هنالك ضجيج
هو ضجيج صدى الأصوات بلا أصوات
والزحام وصراخ الأطفال الممتزج بصهيل الخيول وأبواق العربات.
مشيت لا أدري أين تأخذني قدماي فقط أريد أن استكشف هذا العالم الغريب
كان سوق المدينة يمتد من محطة القطار إلى ميناء الشاطئ نظراً لكثرة المسافرين الذين يعبرون هذه المدينة براً وبحراً ويوجد في هذا السوق كل شيء أصناف عديدة من الأشياء والمخلوقات يبيعون كل شيء ويشترون كل شيء إنه سوقٌ حر
كان الجو صاخباً جداً إذ يشتد الضجيج مع ازدياد حرارة الشمس
أخذت اتنقل بين البضائع والباعة مستمتعاً بهذا المنظر ولو كنت لا أنوي شراء أي شيء إلا إذا وجدت هديةً فريدة من نوعها لهُبيّنه .. وأمي طبعاً
مررت بسوق الخضار وكان مليئاً بجميع أنواع الخضار والفاكهة أنواع أراها لأول مرة في حياتي لكن ما أعجبني أكثر هو كثرة هذه الفواكه والخضار بترتيبها الهرمي
تكاد لاتجد بائعاً دون زبائن
أخيراً استوقفت أحد المارة أسأله عن عنوان الصيدلية المكتوب لدي عله يرشدني لكنه أشاح بوجهه عني وهو يرمقني بنظرة استغراب
يا إلهي ماهؤلاء القوم
قد يكون مسافراً مثلي ولايعرف هذه المدينة لذلك استغرب سؤالي إياه
سأسأل أحد الباعة من المؤكد أنهم من أهل المدينة وسيرشدونني بسرعة

ياحين: لو سمحت ياعماه

بائع الخضار: أهلاً أهلاً تفضل يابني ماذا تريد؟

ياحين: هل تعرف كيف يمكنني الوصول لعنوان هذه الصيدلية

زبون آخر: هل استطيع الحصول على برتقالٍ جيد لديك؟؟

التفت البائع للزبون الآخر وكأنه لم يعد يراني: أهلاً أهلاً بالطبع يابني فلدي أحسن برتقالٍ في السوق كله ..

وأنا واقفٌ أمام بضاعته انتظر إجابته على سؤالي لكن بعد خمس دقائق أحسست بأني اضيع الوقت مع هذا البائع الفظ
واصلت المشي إلى أن وصلت لجهة بيع الأسماك
“ياللهول.. وكأنك في بطن المحيط أسماكٌ بكل الأحجام والألوان.. أتمنى أن أوفق بشخص طيب هذه المرة”

في البداية كانت رائحة المكان نتنة جداً لكنني تأقلمت عليها تدريجياً هكذا هو الانسان مفطورً على التكيف فقط عليه تقبل ذلك

مشيت إلى وصلت وسط الضجيج
كان هنالك عراك بين بائع سمك وامرأة بدت في الخامسة والعشرين علا صراخها في أرجاء المكان وسط امتلاء الحشود وعدم المبالاة
اقتربت اتفرج المشكلة

صرخت المرأة: أيها المحتال إنك تبيع سمكاً فاسدً أعد إلي مالي

البائع: اخرسي أيتها الحمقاء مادمت قد شريتي بالأمس كان يجدر بك تفحص السمك جيداً وعلاوةً على ذلك أسماكي طازجةٌ دائماً إن كنت لاتنوين الشراء اغربي من هنا ولاتشوهي سمعتي فأنا رجل ذو شرف

المرأة: لن أرحل حتى يعلم الناس أنك نصاب ومحتال

البائع: اغربي من هنا قبل أن ألقنك درساً لن تنسيه

كان الوضع غريباً بعض الشيء فهذه المرأة تصرخ بالبائع وهو يسكتها بفظاظة وتهديد والناس تتفرج وكأن شيئاً لايعنيها يبدو أن أناس المدينة لهم طباعٌ غريبة عن سكان القرى فلو كان هذا البائع في قريتنا لأنهال عليه الأهالي ضرباً وقاطعوه للأبد لتطاوله على هذه المرأة

اشتد النزاع بين الطرفين وفجأة نهض البائع بوحشية كان قصير القامة نحيل الجسم ذو ثيابٍ رثة
ودفع المرأة من كتفها بضربة أسقطتها أرضاً
غلى الدم في عروقي من هول المنظر ومازادني غضباً أنه لم يتدخل أحد من المارة أو الباعة حتى الآن فكل شيء بدا طبيعياً بالنسبة لهم ومازالوا يشترون ويبيعون وكأن لا أحد ينظر لهذا المشهد سواي

نهضت المرأة بغضب وتحدي وامسكت بالوعاء الذي كان مليئاً بالأسماك الفاسدة وقلبته على البائع فتساقطت الأسماك أرضاً ممتزجتةً بالوحل

نهض الرجل مرة أخرى وهذه المرة قفز على المرأة ممسكاً بها من شعرها يجرها جر الشاة وهي تصرخ مستنجدةً بالمارة لكن لاحياة لمن تنادي

اقتربت منهم بغضب علي استطيع فك هذا النزاع لكني فجعت حين رفع بائع السمك يده عالياً ولطم الفتاة لطمةً أسقطتها أرضاً وهو يقول: ستدفعين الثمن غالياً أيتها الوقحة
أخذت المرأة تزحف باكية إلى أن وصلت تحت قدماي والبائع الخبيث يتبعها وكأنه لم يكتفي

ياحين: ي.. يكفي ياهذا..

لكنه لم يدر لي بالاً وكأنه سمعني لكن لم يكترث بي وامسك بها من كتفها هذه المرة من طرف ثوبها حتى أحسست أنه قد بدأ يتمزق..
في هذه اللحظة.. أظلمت الدنيا في عيناي

يتبع

“حسن المصوف”

Nightmare of lights

Nightmare of lights

Slept again in sadness
And woke up the dream
Where I couldn’t find you
A couple of girls around
Screaming with noisy sound
Flying around the bed
Threatening to hit my head
With a tool
Used for pools
They gather it both
Without clothes
They swing it hard
While throwing cards
In the sky
The heart is yours
And diamond was shy
My eyes were watching
And my heart attempt to fly
Till the clouds
The sound still loud
Thunder was awake
Angry its lashes break
And light was every where
I was hit & couldn’t see any thing
Except your heart
I hold it between my arms
And fall apart

Hassan Al Musawif

إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة الأولى

امرأة أم خمسة رجال E1

الحلقة الأولى

عشقكِ ملاذي وأوطاني
ونحركِ مرفأُ الأحضاني
حين يعلو ويهبطُ رمشكِ
يدورُ عقربُ الساعةِ دور ثواني
فلتعذري قلبي إن غلا في حبكِ
فالماءُ يغلي من كثرةِ الهيجانِِ
والصبحُ مشرقٌ وإن طال ليلهُ
والوقتُ يمضي دونما استئذانِ
كقبلةِ عذراءٍ هوت من سفحِ نافذةٍ
حسراتها ذابت من لوعةِ الحرمانِ
حاولتُ التقاطها بأناملي فتبخرت
كهروبِ طفلٍ عاري القدمانِ

كان هذا هو ياحين واقف تحت شرفة المنزل في الحديقة بعد منتصف الليل
يتغزل بعشيقته هُبينه وهي تنظر له بسعادة وحبور من نافذة غرفتها المضيئة ضوءً خافتاً ودافئ إذ تعودت كل ليلة أن لاتنام قبل أن يتغزل بها عشيقها الفتي وأحيناً يمتد بهم الهيام إلى شروق الشمس

ياحين من حديقة المنزل: هل أعجبتك القصيدة ياحبيبتي

هُبينه من النافذة تحت ضوء القمر: آااااه جميلة جداً لكن متى ستكملها!!

ياحين: سأكملها ..سأكملها لاتقلقي سأدون ديواناً لعشقك فقط يانور عيني

هُبينه: إنك تعدني بأشياء كثيرة لكن متى ستفي بهذه الوعود

ياحين: اصبري ياحبيبتي أرجوك اصبري

هُبينه بحزن: أنا أصبر لكن لا أظن أهلي سيصبرون

ياحين: هل تكلمت مع أمك؟

هُبينه بخيبة: نعم وقالت لي أن أبي لن يوافق مادمت لاتعمل عليك بإيجاد عملٍ ما في أقرب وقتٍ ممكن

ياحين وهو يحك رأسه: الأعمال كثيرة استطيع العمل في أي شيء فأنا حِرفّيٌ ممتاز

هُبينه: مارأيك أن تعمل مع أبي في المنجرة فهو يحتاج لأحد يساعده ويحمل عن كاهله أعباء العمل .. هذا ماقالته لي أمي

ياحين بحزم: لا .. لا أريد أن يظن أبوك أنني عالة عليه علاوة على ذلك أنني أبحث عن عمل يدر علي مالاً كثيراً حتى أدللك ياحبيبتي

ابتسمت هُبينه وهي تدور شعرها الأحمر المجعد بسبابتها البيضاء النحيلة: أريد كوخاً جميلاً وسط مزرعة صغيرة

ياحين: سأشتري لك مزرعةً أعدك بذلك لكن عليك أن تتعلمي كيف تربين الدواجن والأبقار

هُبينه: هل هو أمر صعب!!

ياحين: لا أظن ذلك فأنت ذكية جداً ياحبيبتي

ابتسمت هُبينه وهي تنظر لياحين بشوق لقاء
ياله من حلم وردي جميل عشيقان يخططان لقفصهما الذهبي في منتصف الليل بالهمس لكيلا يحس عليهم أحد

لكن فجأة وإذا بصوت أقدامٍ تقترب

هُبينه: أحدهم قادم اختبأ بسرعة

اختبأ ياحين خلف شجرة البلوط بسرعة وأسدلت هبينه ستارة نافذتها بنفاذ صبر كي يعبر المجهول ويعاود العشيقان مناجاتهما كان هذا هو التصرف المعتاد حين يمر أحدٌ ما
لكن هذا المجهول توقف عند الحديقة وماهي إلا لحظات حتى أخذ ينادي بصوتٍ واثق: ياحين أعلم أنك مختبأ أخرج لدي عمل لك وهو طارئ

كان هذا هو صوت طبيب القرية جاء من اللامكان قاصداً ياحين لكن ياحين ظل مختبأً مكانه لايتحرك

الطبيب: هيا يا ياحين أعلم أنك مختبأ هنا .. أساساً كل القرية تعلم أنك تأتي هنا كل ليلة تلقي أشعاراً على ابنة النجار

اغلقت هُبينه نافذتها بسرعة واطفأت قنديل الغرفة

خرج ياحين مستغرباً وقال: ماذا!! .. هل هذا صحيح!!

الطبيب: هه لا .. لقد كنت أمازحك فقط لقد كانت أمك من أخبرني أنك تغازل بنت النجار طوال الليل وتنام طوال النهار أما آن لك أن تجد لك عملاً يابني

ياحين:أمي تعلم بالأمر!! آه يا إلهي كيف علمت بذلك..
سأعمل لاتقلق.. قريباً ..لكن كيف عرفت أمي أنني هنا ياللعجب لاشك أنها ستوبخني عند عودتي للبيت

الطبيب: لاشيء يخفى على النسوة يابني لكن دعك من ذلك كله احتاجك في عمل مستعجل وسيدر عليك بمبلغ جيد من المال تستطيع به إرضاء أمك

ياحين: آه.. لما لا ..كلي آذان صاغية

الطبيب: لاشك أنك على علم بالحمى التي انتشرت في قريتنا هذه الأيام والعقار المضاد لهذه الحمى قد أوشك على النفاذ لذا أريدك أن تذهب للمدينة في أسرع وقتٍ ممكن وتجلب لنا المزيد من العقار المضاد ، لقد كان من المفروض أن أذهب بنفسي كالعادة لكن تعذر علي ذلك لوجود بعض الحالات التي تحتاج ملاحظةً مستمرة وقد شكت لي أمك أنك بلا عمل عند مراجعتها لي الأسبوع الماضي فارتأيت أن أكلفك بهذه المهمة وستحصل على أتعابٍ جيدة جراء مجهودك لاتقلق
ومن يدري فقد تكون رحلةٌ قصيرة كفيلة بإلهامك الاجتهاد والمثابرة في العمل

ياحين بتعجب: ياللصدفة

الطبيب: ماذا هناك

ياحين: البارحة فقط حلمت أنه قد حل وباءٌ في القرية وأنني اكتشفت عقاراً طبياً لعلاج أهالي القرية وعالجت الجميع وغدوت بطلاً في أعينهم

ضحك الطبيب قائلاً: إنها حمى خفيفة عابرة سرعان ماستزول إلا أنها أخذت تنتشر في القرية بسرعة ولابد من السيطرة عليها لكن على الأقل ستحقق نصف حلمك بأن تجلب العلاج للقرية لكن فيما يتعلق بعلاج الأهالي فاتركه لي

ياحين: ماتقوله لي أنه علي أن أذهب في رحلة للمدينة مدفوعة التكاليف وأجلب عقاراً أتقاضى عليه مبلغ باهظاً أهذا كل شيء؟

الطبيب: نعم بالضبط هذا كل شيء

ياحين: ياله من مال سهل لكنني سأحتاج حصاناً

الطبيب باستغراب: لماذا تحتاج حصاناً والقطار موجود لانريدك أن تصبح بطلاً لهذه الدرجة فقط استرخي في القطار خذ الدواء وعد في أسرع وقت ممكن

ياحين: آه صحيح .. متى سيرحل القطار؟

الطبيب: مع طلوع الشمس لهذا أتيت لك في هذا الوقت إذ لم يخطر ببالي أن أكلفك بهذه المهمة إلا منذ قليل فلم أجد أحداً متفرغاً في القرية وفي نفس الوقت يمكنني الاعتماد عليه سواك ..أرجو أن تعذرني إن قطعن عليك الأمسية هههه… على أية حال يجدر بك أن تسرع وتستعد فلم يبقى إلا وقتٌ قصير
خذ هذه الحقيبة فيها تكلفة الدواء والعنوان والوصفة وخذ هذه أتعابك وأيضاً نقودٌ لتذاكر القطار والطعام وانتبه يابني أن لاتضيع منك النقود أو تُسرق فقد قام أهل القرية بجمع المال لشراء الدواء من صندوق الأزمات الجماعي

أخيراً رحل الطبيب بعد أن أعطاني الوصفة التي علي جلبها من المدينة ومبلغ المال الذي سأحتاجه متضمناً تكاليف الرحلة وأتعابي أيضاً
كان مبلغاً ممتازاً جداً سأشتري هدية لأمي وهديةً لهُبينه أيضاً واستمتع بالباقي

أمسكت بحجرٍ صغير وألقيته على نافذة هُبينه لكن لم يأتني أي جواب يبدو أن هُبينه أصيبت بخجلٍ بعد أن علمت أن القرية كلها تعلم بأمرنا يجدر بي أن اتركها تنام الليلة وأذهب للمنزل بسرعة حتى أتأهب للرحيل وددت لو استطعت وداعها قبل أن أرحل

وصلت لكوخنا وفتحت الباب بهدوء كي لاتنتبه لي أمي لكن جاء صوت زوج أمي مزعزعاً الكوخ كله: صهاب .. ياصهاب

وجاء صوت أمي من داخل المطبخ: ماذا هناك؟

زوج أمي: لقد جاء فارس الليل وحامي الحما

خرجت أمي من المطبخ وفي يدها كوب حليب ساخن:دعه وشأنه ياجهار أين كنت ياياحين لقد قلقت عليك كل ليلة تخرج ولاتعود إلا عند الفجر

“لقد قال لي الطبيب أن أمي هي من قال له أنني عند بنت النجار وهاهي تسألني أين كنت! يبدو أنها لاتريد إحراجي”

ياحين:كنت مع بعض الأصدقاء.. لقد ألتقيت الطبيب وكلفني بمهمةٍ مستعجلة علي أن أذهب للمدينة لجلب دواءٍ للقرية

جهار: ياللهووووول…. ألم يجد الطبيب غيرك لهذه المهمة!!!
هاهاها لقد ضاع المبلغ الذي جمعه اهالي القرية لاشتراء الدواء

ياحين: لماذا؟؟

جهار: ههه ستلهو به في المدينة لاشك وستعود خالِ اليدين وكعادتك دائماً هنالك سبب منطقي وحجة ما

أمي بغضب: لماذا لاتعطي الولد فرصة كي يثبت نفسه تظلمه دائما

ياحين بخبث: صحيح أنت دائماً تنظر لي بخيبة أمل

أمي: يتوجب عليك توجيهه ونصحه فأنت في مقام أبيه

جهار مدافعاً: حاولت مراراً لكنك اتلفتيه بدلالك حتى غدا كتلة لحمٍ تسعى

تنهدت أمي وقالت: متى ستذهب يابني؟

ياحين بحماس: بعد قليل علي أن أرجع في أقرب وقت ممكن

جهار بسخرية: عد إلينا بسرعة يابني فمصيرُ القريةِ متعلقٌ عليك.. أنقذ حياتنا أرجوك.. أتوسل إليك.. إرحم ضعفنا وقلة حيلتنا….

ياحين بإمتعاض: طوال الخمس سنوات الفائتة كل ليلة قبل أن أنام أفكر في السبب الذي دعا أمي للزواج بك

ضحك جهار وقال: وأنا أيضا أسأل نفسي نفس السؤال هاهاهاها

أمي وهي تضع يدها على خدها متنهدة: قد كنت أجمل بنات زماني لكن حظي العاثر هو ما أوقعني في هذا الكوخ

جهار: لاشك في ذلك فمن يرى ابنك يعرف أنك لست محظوظة هاهاهاها

أمسكت أمي برأسي وقبلته قائلةً بحنان: انتبه لنفسك ياولدي وعند عودتك عليك بإيجاد عمل دائم لافتخر فيك وتثبت لهذا العجوز أنك رجل يعتمد عليك

جهار: اتمنى أن أعيش لهذا اليوم لكن إن مت قبل ذلك أرجوكِ لاتورثيه دكاني أخافُ على سمعة أجدادي ههههه

ياحين: لاتقلق حين تموت سأعمل في دكانك وأبيع كل شيءٍ بنصف السعر كي لايذكرك أحدٌ بخيرٍ أبداً

انصعق جهار واعتدل في جلسته بسرعة وقال: هل سمعتي ماذا يقول ..وصيتي لك ياصهاب أن لايدخل دكاني أبداً

أمي: هذا إن لم أمت قبلكما غيضاً منكما أنتما الاثنان ألا تستطيعان تمضية نصف ساعة دون شجار

جهار: على العكس فأنا أحب ياحين مثل ولدي

ياحين: وأنا كذلك ياعماه

صاحت أمي: إذن فأنتما تتشاجران لإغاظتي فقط

اقترب مني جهار مربتاً على كتفي وقال: أرأيت ياولدي لاسبيل لإرضاء النساء أبداً

أمي: لاعليك منه ياياحين أكمل إفطارك والحق بالقطار وانتبه لنفسك ياولدي أرجوك

خرجت من الكوخ مودعاً أمي الحنون وزوجها جهار .. مع أنه دائماً ينظر لي بخيبة أمل إلا أنه يحبني على ما اعتقد وهو دائماً يكون سعيداً و ظريفاً مهما كانت الظروف لهذا أعجبت به والدتي وقبلت به زوجاً إذ كان الشخص الوحيد من رجال القرية الذي استطاع أن يرسم ابتسامةً على وجه أمي بعد وفاة والدي

كانت كلمات جهار لي قبل أن أرحل ” حين تعود سأكون أنا وجميع رجال القرية بانتظارك في محطة القطار، إن لم يكن بحوزتك الدواء سنوسعك ضرباً بنفس المدة التي قضيتها خارج القرية ولن نستمع لأي حجةٍ أوعذر”

وصلت لمحطة القطار مع أن الشمس لم تشرق بعد إلا أن محطة القطار كانت مزدحمة جداً بالمسافرين وكأنها سوق لكنه كان ازدحاماً هادئاً جداً

أخذت عيناي تجول في أرجاء المكان إلى أن وقعت على شباك التذاكر الذي كان يقف أمامه طابور طويل هرعت لأحجز مكاني في ذلك الصف
كان انتظار دوري في ذلك الطابور مميتاً جداً فالطابور طويل جداً وكل واحدٍ يستغرق وقتاً طويلاً لا أدري لماذا لكن حين جاء دوري لم استغرق سوى بضع ثوان

دخلت للقطار وبحثت عن المقصورة التي كتبت على تذكرتي وكان مقعدي قرب النافذة لحسن الحظ
جلست انظر للمسافرين كلٌ يتحرك على عجل متناغمٍ بسكون
قطع علي ذلك السكون صوت رجل عجوز قائلاً: هل استطيع تفحص تذكرتك لوسمحت
ظننت أنه عامل التذاكر فأعطيته تذكرتي فبادرني بسرعة: إنك تجلس في مقعدي يابني انظر هذه تذكرتك وهذه تذكرتي

وكان ممسكاً بالتذكرتان في يدٍ واحدة مع أنني كنت متأكداً أن مقعدي بقرب النافذة ويبدو أنه قام بتبديل التذاكر لكني لم أرد أن أجادله احتراماً لكبر سنه فقلت: أوه آسف .. تفضل

جلس الرجل العجوز قرب النافذة ونام فوراً أم أنه كان يتصنع النوم لم أكن أدري ولم أدر له بالاً أصلاً لكن ماهي إلا لحظات حتى نهض الرجل العجوز فجأةً ووضع حقيبة صغيرةً له مكان الكرسي وكأنه يحفظ الكرسي بهذه الحقيبة واتجه لحمامٍ قريب
وحين اقترب من الحمام وأراد أن يدخل سقطت قبعته من فوق رأسه فانحنى ليلتقطها لكنه حين وقف مرةً أخرى تفاجأ برجل بدين جداً تقدم ودخل للحمام قبله

الرجل العجوز بغضب: هاي ياهذا لقد أتيت قبلك للحمام

الرجل البدين من داخل الحمام: أغرب عني أيها العجوز فأنا أعاني من إسهال شديد

وأغلق الباب بشدة

العجوز: ألا تحترم كبار السن أيها البدين
ألا تعلم أن كبار السن لايستطيعون الصبر عن دخول الحمام

البدين: إذهب من هنا بسرعة أرجوك

استند الرجل العجوز بالباب وأخذ يتحدث مع الرجل البدين الذي بداخل الحمام: أتدري ماهي مشكلتكم أيها البدناء؟

البدين بصوتٍ عالٍ: لا أدري و لا أريد أن أدري أأنت مجنون تتحدث معي وأنا في الحمام

العجوز: لقد دخلت قبلي وأنا متعب جداً أريد الدخول لذا علي أن أتكلم معك إلى أن تخرج حتى انسى واصبر على نفسي

صرخ البدين: ياله من يوم مشؤوم اغرب من هنا أين عمال القطار ليأتي أحدٌ ويبعد هذا العجوز الخرف قبل أن أخرج وأقتله

العجوز: كن صبوراً يابني عندي سؤال واحدٌ فقط إن أجبتني عليه سأرحل عنك بسلام

البدين: ياللهول… ألا تفهم ياهذا أن داخل الحمام أقضي حاجتي ولست في مسابقة

العجوز: فقط أجبني وسأدعك فلن استطيع النوم إن لم أحصل على الإجابة

كان البدين يصرخ بصوت عال يسمعه كل من كان في المقصورة: إسأل .. إسأل عليّ أجيبك واتخلص منك للأبد

العجوز: كيف استطعت الدخول للحمام بهذه السرعة؟ إنني مستغربٌ جداً فحجمي يعادل ربع حجمك تقريباً ولابد لي من الدخول من جانبي نظراً لصغر حجم الباب أما أنت فقد دخلت دفعةً واحدة وبسرعةٍ كبيرة كيف استطعت أن تفعلها؟؟

صرخ البدين بإمتعاضٍ وغضبٍ شديدين: ولماذا هذا السؤال السخيف

العجوز: أخاف أن لاتستطيع الخروج وتموت في حمام القطار

البدين: وهل يهمك أمري لهذا الحد

العجوز: لا .. ولكني بحاجة ملحة لدخول الحمام

البدين: انتظر أيها العجوز لقد انتهيت سأخرج وألقنك درساً لن تنساه سأعصرك بين يداي

وقف العجوز ينتظر وهو مسرور لا أدري لماذا لكنني كنت متحمساً لخروج البدين من الحمام
ماهي إلا لحظات كان الجميع ينتظر ماذا سيحدث وإذا بصوت ارتطام شديد سبقته أصوات سريعة وغريبة داخل الحمام يبدو أن البدين قد إنزلق أرضاً وقد كان يحاول موازنة نفسه لاكن باءت محاولته بالفشل

صرخ البدين: آااااااااااااااااااااه …. ساعدوني لقد انزلقت

العجوز: ماذا حدث

البدين: أظن أن الحوض قد انكسر

العجوز: ماذا .. انكسر الحوض.. أي حوض .. أهو حوضك أم حوض الحمام

البدين: أيها الوغد سأخنقك بيدي أعدك بذلك

العجوز: يجب علي أن أعرف هل استدعي الطبيب أم السمكري

البدين: آااااااه .. أنت في عداد الأموات سأدفنك حياً أقسم بذلك

بسرعة دخل المقصورة طاقم من موظفين القطار
وسأل أحدهم: ماذا يجري

العجوز: انكسر الحوض

الموظف: أي حوض؟؟

تعالت ضحكات كل من كان بالمقصورة

البدين: انقذوني لا استطيع التحرك

أجاب أحد المسافرين: لقد انزلق بداخل الحمام ويبدو أنه قد أصيب

أخيراً استوعب الموظفين ماذا حدث وقاموا بكسر باب الحمام واخرجوا الرجل البدين الذي كان يصرخ بهم : أين الرجل العجوز أريد اقتلع رقبته

لكنهم سرعان ما أخرجوه من القطار وهو يتلوى من الألم ويتوعد العجوز بالثأر منه إلى أن أرسلوه لطبيب القرية

خرج الرجل العجوز من الحمام أخيراً

جلس وهو مسرور وقد كنت جالساً في المقعد المجاور له فبادرني قائلاً ببرود وكأنه لم يحدث أي شيءٍ منذ لحظات: هل هذه أول مرة تسافر بالقطار

ياحين بنفاذ صبر: في الواقع لا أتذكر متى كانت آخر مرة سافرت فيها في القطار لكن تقريباً منذ سنتين

العجوز: أنتم سكان القرى منطوون على أنفسكم بطبعكم لاتحبون السفر والاختلاط بالعالم الخارجي

رددت مدافعاً: ماحاجتي للخروج من قريتي إن كان لدي كل شيءٍ فيها

العجوز: ههه كل شيء ها.. مازلت صغيراً ولم ترى شيئاً في هذا العالم الواسع

يبدو أن الرحلة ستكون طويلة مع هذا العجوز ألا يكفيه أنه سرق مقعدي
أخذ العجوز يثرثر وأنا سرح أنظر من النافذة أرقب المسافرين
فجأةً وإذا بوجهٍ بدا مألوفاً جداً يتلفت حوله في كل جانب بسرعة وخوف “يا إلهي إنها هُبينه”

يتبع

حسن المصوف