إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة الثالثة

إمرأة أم خمسة رجال E3

الحلقة الثالثة

في الحلقة الماضية
بعد أن تركت القرية ذاهباً للمدينة بالقطار لجلب دواء مضاد للحمى التي تفشت في قريتنا
وصلت أخيراً للمدينة التي كان سوقها يمتد من محطة القطار إلى ميناء الشاطئ نظراً لكثرة المسافرين الذين يعبرون هذه المدينة ويوجد في هذا السوق كل شيء أصناف عديدة من الأشياء والمخلوقات يبيعون كل شيء ويشترون كل شيء
كان الجو صاخباً جداً
أخذت أتجول بين البضائع ومررت بقسم الخضار أبحث عن أحد يرشدني لعنوان الصيدلية التي علي الذهاب إليها لكني لم أوفق ذلك
فأكملت مسيري إلى أن أخذتني قدامي لقسم سوق السمك

مشيت إلى وصلت وسط الضجيج
كان هنالك عراك بين بائع سمكٍ وامرأة بدت في الخامسة والعشرين كان قد باعها سمكاً فاسداً بالأمس
علا صراخها في أرجاء المكان وسط امتلاء الحشود وعدم المبالاة
اقتربت اتفرج المشكلة

اشتد النزاع بين الطرفين وفجأة نهض البائع بوحشية
كان قصير القامة نحيل الجسم ذو ثيابٍ رثة
ودفع المرأة من كتفها بضربةٍ أسقطتها أرضاً
غلى الدم في عروقي من هول المنظر ومازادني غضباً أنه لم يتدخل أحد من المارة أو الباعة حتى الآن فكل شيء بدا طبيعياً بالنسبة لهم ومازالوا يشترون ويبيعون وكأن لا أحد ينظر لهذا المشهد

نهضت المرأة بغضب وتحدي وامسكت بالوعاء الذي كان مليئاً بالأسماك وقلبته على البائع فتساقطت الأسماك أرضاً ممتزجتةً بالوحل

نهض الرجل مرة أخرى وهذه المرة قفز على المرأة ممسكاً بها من شعرها يجرها جر الشاة وهي تصرخ مستنجدةً بالمارة لكن لاحياة لمن تنادي

اقتربت منهم بغضب علي استطيع فك هذا النزاع لكني فجعت حين رفع بائع السمك يده عالياً ولطم الفتاة لطمةً أسقطتها أرضاً وهو يقول: ستدفعين الثمن غالياً أيتها الوقحة
أخذت المرأة تزحف باكية إلى أن وصلت تحت قدماي والبائع الخبيث يتبعها وكأنه لم يكتفي

ياحين: ي.. يكفي ياهذا..

لكنه لم يكترث بي ولم يدر لي بالاً وامسك بها من كتفها هذه المرة من طرف ثوبها حتى أحسست أنها قد بدأ يتمزق..
في هذه اللحظة أظلمت الدنيا في عيناي
من وقاحة هذا الرجال ولا إرادياً فوجئت حين رأيت يدي ترتفع موجهة لكمةً قوية للبائع طرحته أرضاً وسط وحل أسماكه الفاسدة
توقف كل شيء للحظات
هدأ الضجيج
توقف المارة
سكن الهواء
تلى ذلك السكون مشهد عجيب
جميع الباعة في سوق السمك نهضوا نهضة رجلٍ واحد بإتجاهي وعلامات العداء بدت واضحةً على وجوههم بوحشية
نهضت المرأة بسرعة واختبأت خلفي مستجيرةً بي
أحسست أن علي حماية هذه المرأة حتى لو كلفني الأمر حياتي فمهما اختلفت العادات والتقاليد بين القرية والمدينة هذا أمر لا أستطيع تقبله وإشاحة وجهي عنه فطرياً
كان جسدي كله ينتفض لكن عيناني كانتا ثابتتان بحزم وأنا أفكر بسرعة ماذا سأفعل
نهض البائع مرة أخرى مسرعاً تجاهي هو الآخر
انهال السماكون علي كموجة عاتية يضربونني ضرباً مبرحاً وكأن الفتاة لم تعد تعنيهم بعد الآن
حاولت المقاومة في البداية لكن بعد فترةٍ لم أعلم كم مدتها كنت قد قطعت الأمل في المقاومة
لا أذكر متى سقطت أرضاً لكن آخر شيء كنت أفكر فيه قبل أن أفقد الوعي هو قائل تلك المقولة التي تقول ” الكثرة تغلب الشجاعة” لابد أنه مر بموقف مشابه لاشك حتى استطاع أن يخرج بمثل قويٍ مثل هذا

أفقت بعد فترة ليست طويلة لأجد نفسي ملقىً بعيداً عن السوق قليلاً
بالقرب من صنبور ماء وتلك الفتاة التي أنقذتها جالسةٌ القرصفاء بعيداً قليلاً عني تنظر لي بقلق وحذر وقليل من الدم المتخثر تحت فمها يبدو أنه من اللطمة التي حصلت عليها من بائع السمك

الفتاة بإبتسامة يملؤها القلق والحزن والإحراج وقليل من الامتنان: حمداً لله لقد أفقت أخيراً هل أنت على مايرام.

نظرت لها وأنا مازلت ممداً على الوحل ثم أخذت برهةً اتفحص فيها جسمي الذي بدا مليئاً بالكدمات لكن الأعضاء مازلت سليمةً تخلو من الكسور

هززت رأسي بالايجاب ثم سألتها: ماذا حدث؟؟

الفتاة: بعد أن فقدت الوعي انهال عليك السماكون ضرباً وركلاً ولم يوقفهم سوى ناقوس السمك معلناً وصول شحنة جديدة من الأسماك للسوق فتفرقوا عنك بسرعة ليتنافسوا على الشراء وهذا من حظك فلو لم يدق الناقوس في هذه اللحظة لكنت في عداد الأموات إنك محظوظ أيها الغريب

نظرت لجسمي المليء بالاصابات ثم نظرت للفتاة مرة أخرى: محظوظ!! .. لأظن ذلك كم تمنيت لو دق ذلك الناقوس باكراً قليلاً..لكن كيف جئت إلى هذا المكان!

الفتاة: لقد قمت بسحبك من السوق إلى هنا لأبعدك عن السوق والباعة ولتشرب قليلاً من الماء

ياحين: أشكرك أيتها المرأة أنك شجاعة وقوية

نظرت لي الفتاة بأسى ثم أردفت تقول:هذا هو حال الأم عند غياب زوجها.. أنا آسفة جداً وأشكرك من أعماق قلبي لتصرفك النبيل والشهم

ياحين: لاداعي لذلك لقد فعلت مايرضي ضميري وعلي أن اتحمل النتائج أياً تكن أرجوك لاتحسي بتأنيب الضمير أو الشفقة فقط إن كنت تريدين مساعدتي عليك أن ترشديني لهذا العنوان

الفتاة: بالطبع سآخذك لأي مكان

أدخلت يدي في جيبي وأخرجت عنوان الصيدلية وأنا أفكر بالثمن الذي دفعته حتى تفضل علي أحدهم أخيراً لإرشادي

الفتاة: آه .. أنها صيدلية السوق قريبة جداً من هنا على بعد شارعين

ياحين: سأكون ممتناً لكِ أن أرشدتني إليها

الفتاة: إنه لمن دواعي سرور ناهيك أنه يجب عليك الذهاب للصيدلية على أية حال لتبتاع لك ضمادات للخدوش التي تملأ وجهك وجسمك كي لا تراك هُبينه بهذه الحال عند عودتك

ياحين: ماذا .. وكيف علمت بهذا الإسم!!

الفتاة: هه.. لقد كنت تهذي بإسمها حتى ظننتني هي وأخذت تعتذر لي وتعدني بالزواج

ياحين: ياإلهي كم لبثت وأنا فاقد للوعي

الفتاة: قرابة ساعة هه .. من هي هُبينه؟

يايحين: ها .. إنها .. إنها..

الفتاة: هههه لاداعي هيا بنا نذهب للصيدلية قبل أن تتحول الكدمات لهالات سوداء

ياحين: هه.. أشكرك على اهتمامك .. بالمناسبة اسمي ياحين

الفتاة : وأنا أدعى جُمان

ياحين: جُمان .. ياله من اسم جميل

جُمان: شكراً.. هي بنا

نهضت اخيراً بمساعدة جُمان انفض الغبار والوحل من ثيابي وامشي متكئاً على أمنياتي بالرجوع للقرية في أسرع وقت ممكن .. ” آه لو أمسك بيد هُبينه الآن كي أنسى آلامي”

ياحين: سؤالٌ واحد فقط ياجُمان يحيرني

جُمان: فقط سؤال واحد هه .. تفضل ماهو

ياحين بغضب: مابال هؤلاء القوم حين اعتدى رجلٌ على امرأة وكأن شيئاً لايعنيهم لكن حين وجهتُ له ضربةً واحدة انهال السوق كله علي ضرباً وركلاً!!

جُمان: أنت لاتعلم بأمر السوق والمدينة يبدو أنك مازالت صغيراً

نظرت لها بقليل من الغضب والثقة بالنفس حين استصغرتني لاسيما أنها لم تكن كبيرةً أيضاً فهي تكبرني بخمس أو ست سنوات على أكبر تقدير لكنها استرسلت قائلة: أقصد أنك تفتقد للتجارب والخبرات
هذا السوق تسيطر عليه عائلة واحدة وكذلك سوق الخضار وبقية الأسواق .. لكل سوق عائلة تملكه وتدير شؤونه

ياحين: لهذا إذن انهالوا علي بالضرب لأنني اعتديت على قريبهم

جُمان: بالضبط..

ياحين: يالهم من أوغاد أين العدل والانصاف

جُمان: لقد وصلنا هذه هي الصيدلية

ماإن رأيت الصيدلية حتى وضعت يدي على بطني متذكراً حقيبة النقود

ياحين: يا إلهي ..حقيبة النقود!!

جُمان: ماذا بك!!

ياحين: أين الحقيبة .. أين النقود.. لقد سُرقت نقودي .. ماذا سأفعل الآن .. لا أستطيع العودة للقرية دون دواء .. سأخذلهم ولن تتغير نظرتهم لي أبداً.. لا خيار أمامي يجيب أن استعيد المال إنها مسألة حساسة جداً بالنسبة لي.. إن لم استطع العودة بالدواء لن أعود للقرية أبداً ولا أستطيع العيش خارج قريتي فبها أمي و …

جُمان:هدئ من روعك حتى نستطيع التفكير بروية.. كم هو المبلغ ربما أستطيع المساعدة

ياحين: يا إلهي .. إنه مبلغٌ كبير جداً لشراء دواءٍ يكفي أهالي القرية

جُمان: للأسف يستحيل أن امتلك مثل هذا المبلغ فأنا بالكاد لدي مايكفي عيالي لحين عودة زوجي .. لكن أين كانت آخر مرة تفقدت فيها تلك الحقيبة

ياحين: لقد كانت مربوطةً في بطني وأحس بها طوال الوقت لكني.. نعم لكني حين أفقت لم أجدها

جُمان بحماس: حقيبة جلد بنية وصغيرة؟؟

ياحين: ماذا !! .. نعم إنها هي أين رأيتها .. هل وجدتها..

جُمان بغضب: لقد رأيت بائع السمك يحملها مبتعداً عنك

ياحين: أهو ذاته الذي تعاركنا معه

جُمان: نعم .. لقد رأيته وهو يحملها متمتماً ببعض الكلمات البذيئة لكنني ظننتها له لم أكن أعلم أنه قام بسلبها منك .. ياله من لص حقير

ياحين: علي أن أعود للسوق

امسكت جمان بيداي قائلة: هل جننت .. إن ذهبت للسوق مرة أخرى لن تخرج منه حياً

ياحين: ليس هناك حل آخر

جمان بثقة: سنسترد مالك لاتخف لكن علينا أن نجد خطةً ما فذهابك للسوق قد يودي بحياتك

لم أكن متعوداً على ملامسة يد امرأة غير أمي فجفلت أنظر ليدها وهي ممسكة بيدي لكنني تمالكت نفسي إلى أن فاجئتني بسحبي من يدي بقوة قائلة: أختبأ بسرعة .. هيا هيا

لم أكن أعلم مما علي أن اختبأ لكنني لحقت بها على أية حال إذ كانت ممسكةً بمعصمي بقوة
إلى أن وصلنا لزقاق قريب
همست جُمان: ألم أقل لك أنك محظوظ

ياحين بتعجب ونفاذ صبر: ماذا هناك؟؟

جُمان: انظر إنه بائع السمك…

نهضتُ بسرعة أريد أن أهجم عليه لكن جُمان أمسكت بي مرةً أخرى قائلة بهمس: انتظر قد يكون أحدٌ ما برفقته علينا مراقبته

كاد صبري أن ينفذ إذ أنني أرى اللص الذي سرق مال يمشي أمامي والنقود بحوزته لا شك
لكن لم أعارض جُمان فهي يبدو عليها الذكاء والنضوج أيضاً

جُمان: انظر أنه يدخل الصيدلية وهو لوحده.. ههه.. يبدو أنه أصيب بكدمات جراء العراك

ياحين بحماس: نعم فلقد وجهت له لكمةً بكل ما أوتيت من قوة أطاحته أرضاً

جُمان: سننتظره حتى يخرج عليك أن تختبأ في الزقاق خلف هذا البرميل وسأستدرجه لك حتى ننتقم منه ونستعيد مالك

ياحين: إنها خطة جيدة اتمنى أن تنجح

ماهي إلا لحظات حتى خرج اللص من الصيدلية يمشي بهدوء
انتظرته جمان إلى أن تعدى الزقاق ثم أمسكت بحجر كبير بحجم كفها تقريباً وخرجت من الزقاق خلفه وألقت الحجر تجاهه بكل قوتها
في هذه اللحظات أحسست أن جُمان ترد لي الجميل بمساعدتها لي
يالها من فتاة طيبة وجميلة

أصاب الحجر ظهر البائع فانتفض يصرخ بشكل مفزع ومضحك في نفس الوقت ونظر خلفه ليبصر جُمان
صرخ البائع وهو يركض تجاه جمان: أيتها الحمقاء سأقتلك هذه المرة

هربت جُمان بسرعة داخل الزقاق إلى أن وصلت لجدار إذ كان الزقاق ذو نهايةٍ مسدودة

وقفت جُمان ملتصقةً بالجدار مركزة عيناها على البائع بتحدي ومكر

البائع وهو يستكشف المكان: سألقنكِ درساً لن تنسيه طوال حياتك لكنني لن أضربك هذه المرة هه سيكون انتقاماً من نوع آخر

لكن البائع انصعق حين جاء صوتي من خلفه: بل أنت من سيتلقن درساً لن ينساه طوال حياته أيها اللص الحقير

انتفض البائع ينظر وراءه بخوفٍ قائلاً: من … أنت … اسمع ياهذا .. أبتعد عني أنا أحذرك

ياحين: أعد إلي مالي قبل أن أدق عنقك

كان البائع ينتفض إذ كان الشرر يتطاير من عينيّ ناهيك عن الفارق البدني بيني و بين البائع

أخرج البائع الحقيبة من تحت كمه صاغراً وهو يرتجف وناولها لياحين قائلاً: خذ نقودك لم المس منها قرشاً واحداً

كان يمد الحقيبة أمام وجهي ويداه ترتجف حتى سقطت الحقيبة من يده تحت قدامي وأنا مسمرٌ عيناي في وجهه بغضب وكأن الحقيبة لم تعد تهمني بقدر اهتمامي به هو
كم هو جميل أن يتسنى لك الانتقام من شخص تفوقه قوةً بأضعاف ويكون قد أسرف في الإساءة إليك حين كان محاطاً بقومه ولم يترك مجالاً للصفح

البائع وهو يرجع للوراء بخوف: انظر ياهذا أن ضربتني لن تخرج من هذه المدينة حياً

ياحين: لهذا سيكون انتقامي لما سلف وماسيأتي .. لا أتخيل أنني سأتعب من ضربك ياضارب النساء ههه

جُمان: هه

أمسكتُ به من قفاه ورطمته بالجدار
فانتفض مترنحاً وسقط على الأرض
فحملت البرميل وضربته به بقوة
واخذت اركله بقدماي في بطنه

ياحين: أين ذهبت شجاعتك وغرورك

البائع وهو يبكي: أرجوك ارحمني ياهذا لقد أعدت إليك مالك دعني وشأني لدي أطفال

ياحين: الآن تطلب الرحمة .. لماذا لم ترحم ضعف هذه السيدة إنك عارٌ على الرجال

جُمان: يكفي

ياحين: لا .. دعيني ألقنه درساً

جُمان: لدي فكرةٌ أفضل سيتعلم منها درساً لن ينساه

أمسكت جمان بعلبة طلاء قديمة كانت مرميةً في الزقاق قرب صندوق القمامة واتجهت للبرميل وأخذت تكتب عبارةً ما

كان سوق السمك مازال في أوجه والازدحام جداً شديد
قطع الازدحام صوت برميل يتدحرج أرضاً في وسط السوق يدفعه ثلاثةٌ من الصبية
وهم يتضاحكون وماشد انتباه المارة والباعة أكثر أنه كان بالبرميل رجلٌ مخرجٌ رأسه وهو يصرخ بالصبية بأن يتوقفوا

أوقف أحد باعة السمك وكان ضخم الجثة الصبية بعد أن تعرف على الرجل الذي بداخل البرميل وسألهم لماذا فعلوا ذلك

قال أحد الصبية: رجلٌ ما أعطى لكل واحدٍ منا خمسة قروش وقال لنا أن ندحرج هذا الرجل المجنون بالبرميل إلى سوق السمك وقال إن الرجل المجنون يحب ذلك

البائع الضخم: ألم تسمعوه يصرخ ويدعوكم للتوقف

الصبي: لقد قال لنا الرجل بأنه يحب التدحرج بالبرميل لكنه يخاف قليلاً لذا عليكم بتشجيعه

البائع الضخم: وأين ملابسه

الصبي: لا أعلم لقد أعطاه لنا الرجل الآخر هكذا

البائع الضخم: وأين الرجل الآخر

الصبي: قال لنا أنه سيطير خلف الشمس

البائع الضخم بغضب: حسناً حسناً اغربوا عن وجهي

تدافع الصبية واحداً تلو الآخر هاربين وهم يتضاحكون

أوقف البائع الضخم البرميل وكانت المفاجأة حين شاهد الجميع ماهو مكتوبٌ على البرميل بالطلاء

” أنا لص.. أبيع السمك الفاسد لاتشتروا مني”

والبائع الذي بالصندوق يصرخ بزملائه وأقرابئه أن يحضروا له مايستر عورته كي يتسنى له الخروج من الصندوق والباعة مجتمعون حوله لايدرون مالعمل

خرج ياحين وجُمان من الصيدلية والدواء بحوزته أخيراً

ياحين: ماذا سنفعل الآن

جُمان: سآخذك للمحطة فوراً عليك الاختباء هناك حتى يحين موعد تحرك القطار فباعة السمك سيبحثون عنك في جميع أرجاء المدينة

ياحين بقلق: وأنتِ ماذا ستفعلين؟؟

جُمان وهي متوجهةٌ بياحين لمحطة القطار من خلف السوق بسرعة: لاتخف سأقوم بتغطية رأسي والتوجه لبيتي فوراً ولن أخرج حتى يعود زوجي فهو سيعود بعد يومين هههه

ياحين: ههه يالك من فتاةٍ شجاعةٍ جداً إن زوجك رجلٌ محظوظ لاشك

احمر وجه جُمان خجلاً وقالت: هه أشكرك

ياحين: انتبهي لنفسك

جُمان بثقةٍ وثبات: لاتخف

وصل الاثنان بالقرب من محطة القطار خلف بنايةٍ صغيرة

جُمان: انتظر هنا سأستكشف المكان

ياحين: حسناً كوني حذرة

أومأت جُمان برأسها واتجهت تستكشف المحطة لكنها سرعان ماعادت وعلامات الفزع تملأ وجهها وبالكاد تلتقط أنفاسها

ياحين: ماذا هناك

جُمان: انظر لكن بحذر

أخرج ياحين رأسه من خلف جدار البناية التي كان يقف ورائها فتفاجأ بالمشهد المروع
كانت محطة القطار تضج بباعة السمك وكل واحدٍ منهم يحملُ سكيناً أو ساطوراً

ياحين بخيبة: كان علينا توقع ذلك بأية حال.. مالعمل الآن؟

جُمان بحزم: خيارٌ واحد ليس هناك غيره

ياحين بانتباه شديد: ماهو؟؟

جُمان: تعود لقريتك عبر البحر.. يجب أن نسرع فالسفينة التي أتت بشحنة الأسماك منذ قليل سترحل قريباً محملةً بالبضائع والمسافرين

ياحين بيأس: لا استطيع

جُمان: لماذا.. أتهاب البحر؟؟

ياحين: لا لكن الرحلة ستستغرق يومان على الأقل فسرعة القطار تفوق سرعة السفينة بعشرة أضعاف على أقل تقدير

نظرت إلي جُمان بخبث وقالت مبتسمة: هل تعلم أنك لوجمعت جميع سكك الحديد في العالم بخطٍ واحد سيفوق طولها المسافة بين الأرض والقمر بثلاثة أضعاف هذا مايقوله زوجي حين أرجوه بالسفر بالقطار بدل السفينة

ياحين: ماذا تقصدين

جُمان: أنت تعلم ما أقصد أنت مشتاق وتريد الرجوع على أحر من الجمر للقاء شخصٍ ما هههه

ياحين بإعتراض: لا ليس هذا مايقلقني لاتنسي أن بحوزتي دواء ومرضى ينتظرون هذا الدواء بأسرع وقتٍ ممكن

جُمان: عقار انفلونزا!! أهي خطيرةٌ لهذا الحد.. هههه
ألا ترى إنه عدل القدر ياياحين
زوجي مسافرٌ بالسفينة وأنا انتظره وعليك السفر أيضاً بالسفينة فهناك من ينتظرك

ياحين: إنك شريرة

جُمان: هاهاها هيا بنا قبل أن يجدك أحد السماكون

ذهبت برفقة جُمان إلى ميناء المدينة إذ لم يكن هنالك حلٌ آخر ولحسن الحظ كانت السفينة تتأهب للرحيل

صعدت للسفينة أخيراً وأحسست بالإطمئنان وقليلٍ من الحزن إذ أنني سأفتقد جُمان هذه الفتاة الشجاعة الجميلة
بدت جميلةً وفاتنةً جداً حين حان موعد الرحيل
وقفت تلوح بيدها تودعني بإبتسامة عريضة
أما أنا فسرحت في عينيها الجميلتين
نسيت أن أسألها عن اسم زوجها وماهي حرفته هل هو بحار أم تاجر
ياله من رجلٌ محظوظ زوجةٌ جميلةٌ جداً وعفيفة لأبعد الحدود
ولاتخاف أبداً هي المرأة التي يتمناها كل رجلٍ حين يغيب عنها
ماذا لوكان زوجها معي على متن السفينة
هل سيكون وداعها له كوداعها لي أم ستختلط الابتسامة بقليلٍ من الدموع
سرحت في خيالي أمام هذا المشهد حتى اشتبه عقلي وسرحت أتخيل أن زوجها معي فعلاً فهمست لقلبي:

ورحلت عنكِ…
كما لو كنت صاحباً زوجكِ فوق السفينة
لا أنتِ تدري ولايدري
عشق قلبي والأنينا
لوحت يداي ورجلاي ارتجفت
وضحك قلبي باكياً مرسى السفينه
مودعاً عيناكِ وأرجاء المدينة
احملقُ عليّ اخلدُ صورةً
لكن تأبى الدموع أن تستكينا
مدٌ في عيناي وجزرٌ بخاصرتي
حال دون أن أروي العيونا
إبكي فراق زوجكِ واسمعينا
وسأبكيكِ بصمتٍ لاتسمعينه
ماهان حبي ولاهُنتي علينا
لكن عل الدموع تلتقي
وتفهم السر الدفينا
انتظرتُ الوقت همساً
اتخيل العشق الرجيما
فلا أنتِ ترضينهُ لو علمتي
ولا أنا رضيتُ بما تعلمينه
إلى إن مشت السفينة
فوقها جسدي
وروحي ممسكةٌ بشطِ المدينة
كساريٍ أخرج من بحرٍ سجينا
واختفينا..
في عرض البحر اختفينا
واضحى زوجك وحيداً .. حزينا
مذ ذلك اليوم صحبته..
عشقته..
صرت ظله..
عل دعائي يستجاب
وتغرقَ السفينة
وتبحثي عنه..
وتجدينه..
فوقه جثتي ممسكةً بقوة
علكِ تلمسي جسدي مباعدةً إياهُ
قبل ان ترتمي فوق زوجك وتحضنينه

صعدت السفينة عائدا للقرية بعد ان استطعت الحصول على الدواء بقليلٍ من العثرات والمغامرة
مع ابتعاد السفينة عن الشاطئ
مإن تلاشى وجه جُمان من عيني حتى لاح وجه هُبينة في مخيلتي حزيناً ومعنفاً فأحسست بتأنيب الضمير فجُمان امرأةٌ متزوجة نظرت لي نظرةً أخويةً بحته وساعدتني في الهرب من المدينة ولولاها ماستطعت إستعادت مالي من جهةٍ أخرى .. لدي عشيقة جميلة تنتظرني في قريتي
آه لابد أنها ستشتاق لي كثيراً وستقلق إذ أنني لن أعود في الوقت المحدد كما وعدتها
ياترى هل سأحكي لها قصة جُمان…

كان الجو جداً صاخب على عكس الرحلة الاولى إذ كان البحارة يقيمون احتفالاً كبيراً لقبطانهم الذي وصل للثالثة والخمسين من عمره وتزوج حديثا ببنت في السابعة والعشرين من عمرها.
كان بعض البحارة يطلقون نكتاً تشجيعية لقبطانهم أما البعض الآخر كانت نبرة الحسد واضحة في كلامه فيما اكتفا آخرون بالمباركة أما القبطان فكان ينظر لهم بإبتسامة سارحة واشعل سيجاره نافثاً دخانه بنفس عميق
إلى ان اختفت المدينة تماماً كان الجو صحوا جداً إلا أن الرياح كانت قوية

يتبع

حسن المصوف

إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة الثانية

امرأة أم خمسة رجال E2

الحلقة الثانية

في الحلقة الماضية
اتجهت من قريتي للمدينة بواسطة القطار لجلب عقار مضاد لحمى انتشرت في قريتنا
مهمةٌ أوكلها لي طبيب القرية بعد أن شكت له والدتي أني بلا عمل
كان كل شيءٍ على مايرام ولا يضايقني سوى فقدي واشتياقي لعينا هُبينه
وعجوز التقيته في القطار

جلس العجوز وهو مسرور بعد خروجه من الحمام بنشوة إنتصار ونظر إلي قائلاً: هل هذه أول مرة تسافر بالقطار

ياحين بنفاذ صبر: في الواقع لا أتذكر متى كانت آخر مرة سافرت فيها في القطار لكن تقريباً منذ سنتين

العجوز: أنتم سكان القرى منطوون على أنفسكم بطبعكم لاتحبون السفر والاختلاط بالعالم الخارجي

رددت مدافعاً: ماحاجتي للخروج من قريتي إن كان لدي كل شيء فيها

العجوز: ههه كل شيء ها.. مازلت صغيراً ولم ترى شيئاً في هذا العالم الواسع

يبدو أن الرحلة ستكون طويلة مع هذا العجوز ألا يكفيه أنه سرق مقعدي
أخذ العجوز يثرثر وأنا سرح أنظر من النافذة أرقب المسافرين فجأة وإذا بوجه بدا مألوفاً جدا يتلفت حوله في كل جانب بسرعة وخوف “يا إلهي إنها هُبينه”

وقفت منتصبا وأخرجت رأسي من النافذة وكاد قلبي أن يقفز منها وصرخت: هُبيّنه

حين التفتت هُبيّنه تجاه صوتي تبدل قلقها بإبتسامة تدريجيةٍ لكن بشكل سريع كإشراقة شمسٍ في يومٍ جميل لم انتبه أكانت الشمس أشرقت فعلاً حين ابتسمت هُبيّنه أم كانت مشرقةً قبل ذلك
أخذت هُبيّنه تركض نحوي بمعطفها البني وقبعتها الوردية التي تتناسب مع قفازاتها وبيدها كيس من الخبز
وصلت إلي وقلبي يبكي فرحاً

هُبيّنه وهي تلتقط أنفاسها: لقد خفت أن يفوتني القطار قبل أن أراك لقد انتظرت أمي إلى أن أفاقت وأدعوت أنني جائعة جداً فطلبت مني أن أذهب لشراء الخبز وذهبت مسرعةً للخباز و….

ياحين: على رسلك ياحبيبتي على رسلك.. فقط التقطي أنفاسك

هُبيّنه بقلق: متى ستعود

ياحين: عند غروب الشمس لاتقلقي لن أتأخر على موعدنا

نظرت لي هُبيّنه بوجهها الأبيض المختلط بحمرةِ الخجل ثم أشاحت بوجهها وقالت: سأفتقدك كثيراً انتبه لنفسك

ياحين بوجهٍ تملؤه السعادة:هل هذا صحيح.. كم انت جميلة جداً في الصباح

نظرت لي هُبيّنه بإبتسامة وقالت: فقط في الصباح؟؟

ياحين: في الليل القمر يستقر في وجهك الجميل والنجوم تنزل من السماء وتلتف حول عنقك تحتضن جماله الآخاذ أما في النهار فيختبئ القمر في صدرك والنجوم تتلألأ في عينيك

احمر وجه هبينه خجلاً وقالت: أرجوك لاتقل كلاماً مثل هذا قلبي لايتحمل

العجوز: ورجلي لاتتحمل أيضاً لقد حصرتني بين الكرسي والنافذة ياولد القطار سيغادر بعد نصف ساعة لماذا تتكلم مع عشيقتك هنا أنزل من القطار كي يتسنى لك أن تتغزل بحرية وأرتاح انا أيضاً

لم يكن بإستطاعة هُبيّنه رؤية العجوز إذ كان جالساً فاحمر وجهها كقطعةِ جمر لما سمعته يقول ذلك لكنني بادرتها: انتظريني عند باب القطار أنا قادم

ركضت هُبيّنه تجاه باب القطار وهرعت بسرعة للقائها علي استطيع لمس يديها أو الجلوس بجانبها في أحد كراسي المحطة إذ كانت فرصةً لم أحظى بها من قبل فلقائي بهُبيّنه كان دائماً تحت النافذة أو في أماكن عامة تكون دائماً برفقة أمها أو أخوتها لكن كانت المفاجأة حين وصلنا للباب معاً ووجدناه قد أغلق وصاح بوق القطار معلناً المغادرة

لا ….
ليس الآن لقد خدعني ذلك العجوز مرة أخرى لكن هذه الخدعة لاتغتفر أبداً
حاولت فتح الباب لكن دون جدوى فأومأت لهُبيّنه بأن تعود للنافذة وهزت رأسها بالايجاب

ركضت عائداً للنافذة ورمقت العجوز بنظرة مقتٍ أما هو فكان مطأطأً رأسه يضحك بصمت وبدأ القطار بالتحرك ببطء

خرجت من النافذة فمدت هُبيّنه يدها لي وبدا أنها كانت حركةً غير إرادية إذ تناست هُبيّنه نفسها حين أحست أنني سأرحل
كاد قلبي أن يسبق يدي ويمسك بيدها الناعمة وهي تشد الخطا مع تحرك القطار
وأحسست أنها أصيبت بقشعريرة حين أمسكت بيدها لكنها كانت سعيدةً لاشك تحاول أن تخفي لوعة الشوق و الحرمان بالخجل
نظرت لها والقلب يبكي وقلت: ياإلهي لماذا يمر الوقت الجميل بسرعة كم تمنيت لو كان بإستطاعتي إيقاف الزمن الآن وللأبد

رد العجوز وهو يضحك: توقيتك سيءٌ جداً يابني إن أوقفت الزمن الآن سينبغي لهذه الفتاة المسكينة أن تمشي مع القطار للأبد أيضاً هاهاهاها..

كدت أرد عليه لإسكاته لكن بادرني القطار بزيادة سرعته ترادف مع زيادة خفقان قلبي
بسرعة أخرجت هُبيّنه رغيفاً ساخناً من الكيس وأعطتني إياه

ياحين: هل هذا دفئ الرغيف أم دفئ يديك

خرجت يد العجوز من النافذة قائلاً: وأنا ليس لي مايسد جوعي ويدفأني

يبدو أن هُبيّنه لم تعد تكترث بهذا العجوز الخرف إذ ركزت عيناها الساحرتان اللذان احمرتا تنبأن بسيل الدموع في عينيّ وقالت: انتبه لنفسك ياحبيبي وعد لي سالماً أرجوك

ياحين: حين أعود سأعمل في أي عمل فقط لتكوني زوجتي أحبك..

توقفت هُبيّنه إذ غدا القطار سريعاً على أنامل قدميها ولم يعد بإستطاعتها مجاراته وأخذت تلوح لي بيدها الناعمة وهي واقفة على أصابع رجلها ودمعة سالت فوق خدها

أخذ القطار يبتعد وهُبيّنه تصغر في عيني
ويكبر شعورٌ غريب بالألم في صدري آه لو كان لدي منظار كنت تأملت هذا الوجه الجميل
عليّ أخزن صورتها في خيالي أو انحتها نحتاً في جدار قلبي لكن هيهات كانت وجهها الجميل يتلاشى من أمامي تلاشيّ الشمس وقت الغروب
أحسست بالندم لقيامي بهذه الرحلة ولو كانت قصيرة
لتوي انتبه أنني جعلت أجمل شيءٍ في الدنيا يبكي
ألهذه الدرجة تحبني!
جلست على الكرسي أخيراً مسنداً رأسي أفكر في هُبيّنه
لكن فجأةً بادرني العجوز قائلاً: هل هذا الرغيف من دقيق البر أو القمح؟

أغمضت عيناي افكر ماذا سأرد عليه هل انفجر في وجهه أم ماذا أريد أن أرد عليه رداً رادعاً يليق به لكن فجأة أتى صوت دافئ من مقعدٍ قريب: هل صحيح أنك تنوي الزواج من هذه الفتاة يابني

فتحت عيناي لأنظر فوجدت امرأة بدت في الخمسين من عمرها يبدو في وجهها الحزن وعيناها تنبأن بالدمع لكن بدا أنه وجهها الطبيعي.. هكذا ..أنها ليست تعيسة أو حزينة فقط تعابير وجهها وتضاريسه حزن و شؤم

رددتُ عليها بإستغراب: نعم ..إن شاء الله..هذا ما أتمناه

ردت المرأة العجوز بسرعة: لاتكسر قلبها أرجوك يبدو أنها فتاةٌ مسكينة تفتقرُ للخبرة في هذه الحياة

وددت أن اطمئنها دفاعاً عن نفسي لكن قاطعني الرجل العجوز: لماذا تتدخلين في حياة الناس الشخصية دعيهم وشأنهم

المرأة العجوز: لا أريد أن يكون مصير هذه الفتاة كمصيري أن تنتهي بالزواج برجل مثلك

الرجل العجوز: ليس كل ماتعتقدينه لابد أن يكون صحيحاً فلو لم أتزوجك لضللتي عزباء طول عمرك

ياحين بإستغراب: هل أنتما زوجان

الرجل العجوز وهو مكتف يداه ببعضهما وينظر مشيحاً بوجهه للنافذة وكانه يعترض على القدر: لسوء الحظ

المرأة العجوز: لكن غدونا كالأخوة منذ مايقارب خمسة عشر سنة

الرجل العجوز مدافعاً: عمري ثلاثة وسبعون عاماً ومازلت أتمتع بصحة جيدة لكن المشكلة ليست فيّ لاشك
انظر يابني لوجهها ألاتشعر في الرغبة بالبكاء

كدت اضحك لكنني امسكت نفسي وأنا اتخيل هذه الرحلة التي بدت الآن أطول مما كنت أظن لكنني بادرت الرجل العجوز: إن كانت هي زوجتك وهي جالسةٌ في ذلك المقعد فهذا دليل على أن المقعد الذي بالقرب من النافذة هو ملكٌ لي وأنك خدعتني إذ كيف ستأخذ تذكرتان متباعدتان

الرجل العجوز: بل هو دليل على عكس ذلك

ياحين: وكيف ذلك!!

الرجل العجوز: كنت آمل أن يحصل كل واحد منا على مقصورة…
واحدة بأول القطار والثانية بآخره لكن قدر الله وماشاء فعل اللهم لا اعتراض

نظرت في وجه المرأة العجوز قائلاً: أهو دائماً هكذا ياخالة

المرأة العجوز: أرأيت حتى هذا الشاب المسكين لم يتسنى له معرفتك وقد ضاق ذرعاً بك

الرجل العجوز: مادمتي قد ضقتي ذرعاً بي لماذا تتبعيني من مكان لآخر اتركيني وشأني

المرأة العجوز: لا أستطيع

الرجل العجوز: أنه سهل جداً فقط تدلي من النافذة وسأودعك وداعاً حاراً

ياحين: ياللهول أنت تذكرني بزوج أمي
أيتها المرأة المسكينة إن أردت الإلقاء به من نافذة القطار سأكون سعيداً في مد يد العون والمساعدة

المرأة العجوز: لا أستطيع يابني .. لا أستطيع .. بت أحبه بقدر كرهي له

ياحين: وكيف ذلك!!

المرأة العجوز: ستفهم ذلك يوماً ما لاشك .. هيا أيها العجوز قد حان موعد دوائك

الرجل العجوز: لا أريد هذا الدواء يصيبني بالنعاس

المرأة العجوز: لاتكن طفلاً يجب عليك أخذ دوائك إن أغمي عليك مرة أخرى سأرحل عنك فعلاً فلاطاقة لي بحملك

الرجل العجوز: انتظري حتى نصل أخاف إن أخذت الدواء الآن أن أنام ويأخذ مكاني هذا الشاب

يايحين بخبث: بل تخاف أن ألقي بك من النافذة

المرأة العجوز: دع عنك اللهو وتناول دوائك .. آه .. لقد أصبتني بصداع

الرجل العجوز: حسناً .. حسناً .. هاأنتم معشر النساء أفنيت شبابي أعمل لأدللك ولم أشتكي يوماً والآن بعد أن شخت أصبحتي تتذمرين من كل شيء

المرأة العجوز: لاتتكلم هكذا من يسمعك قد لا يصدق أنك كنت تعمل نادلاً

الرجل العجوز: ليس مقدر لكل إنسان أن يعيش غنياً عليك أن تفهمي أن المال ليس كل شيء في هذه الحياة

المرأة العجوز: أنا أفهم أن المال ليس كل شيء لكنك لاتفهم أن كل شيءٍ بالمال وهذه هي المشكلة

الرجل العجوز بغضب: أعطني .. أعطني دوائي دعيني أنام بدلاً من مجادلتك العقيمة

لم أصدق السرعة التي نام بها الرجل العجوز حين تناول دوائه حتى حسبته يخدعنا لكن شخيره بدد جميع شكوكي فيما انشغلت زوجته بخياطةِ شيءٍ ما
كم هي تقليديةٌ هذه العجوز .. هي وزوجها .. ياترى هل سنكون هكذا أنا وهُبيّنه نرحل في قطار وتتعارك معي لآخذ دوائي .. كيف سيكون شكل هُبيّنه حين تصبح عجوزاً .. أتخيلها بوجهها الوردي وتحت جفونها قليل من تأرجحات الزمن والشيب مختلط في احمرار شعرها آه ما أجمل الحياة أتمنى أن أشيخ معك ياهُبيّنه:
أسندت رأسي أخيراً
أسرحُ في هُبيّنه
لاعجوزٌ يزعجني
فقط خيطُ ماتخيطينه
أيقظي زوجكِ ياعجوز
وتجادلي معه
دعيني أتخيلكما أنا..
وهُبيّنه..
في قطارِ العجائز
عجوزانِ مثلكما
اهمس في أذنها بإرتجاف
ويخفقُ قلبانا بإتلاف
أبحثُ في حضنها عن أنين
وانسى عذابَ كلِ السنين
ياهُبيّنه…
لكم يعجبني حين تستحين وتسمحين
كوردةٍ أغمضت خجلاً
ففاح عطرُ الياسمين
نعم عيناكِ رحيقي ومائي
وحناني وهوائي
وعلتي ودوائي
عيناكِ دفئي..
ومرفأي ومينائي
عيناكِ بردٌ..
لحرارتي وبكائي
فلتغمضي عيناك بآهٍ
وسأغمض عيناي بآه
دعينا نشيخ في ظلام
لاموت فيه ولاحياه
وصل القطار لمحطة المدينة في الوقت الذي أوشكت فيه أن أنام
وقف جميع المسافرون قبل أن يتوقف القطار أملاً منهم أن يخرجوا سريعاً دون انتظار
فتحت الأبواب
واخذ الناس يتدافعون وأنا معهم أيضا
إلى أن خرجنا
وقفت على باب القطار فيما كان كل الناس يتحركون سواي
أخذت انظر لأشعة الشمس الجميلة واستمتع بحرارتها إذ كانت الشمس قد أشرقت بعد أن رأيت هُبيّنه
أخذت عيناي تجول وسط الزحام
ياله من مكان شاسع يضج بالغرباء
كلٌ على عجلٍ من أمره لايتحايون ولا يتكلمون مع بعضهم البعض
صامتون لكن هنالك ضجيج
هو ضجيج صدى الأصوات بلا أصوات
والزحام وصراخ الأطفال الممتزج بصهيل الخيول وأبواق العربات.
مشيت لا أدري أين تأخذني قدماي فقط أريد أن استكشف هذا العالم الغريب
كان سوق المدينة يمتد من محطة القطار إلى ميناء الشاطئ نظراً لكثرة المسافرين الذين يعبرون هذه المدينة براً وبحراً ويوجد في هذا السوق كل شيء أصناف عديدة من الأشياء والمخلوقات يبيعون كل شيء ويشترون كل شيء إنه سوقٌ حر
كان الجو صاخباً جداً إذ يشتد الضجيج مع ازدياد حرارة الشمس
أخذت اتنقل بين البضائع والباعة مستمتعاً بهذا المنظر ولو كنت لا أنوي شراء أي شيء إلا إذا وجدت هديةً فريدة من نوعها لهُبيّنه .. وأمي طبعاً
مررت بسوق الخضار وكان مليئاً بجميع أنواع الخضار والفاكهة أنواع أراها لأول مرة في حياتي لكن ما أعجبني أكثر هو كثرة هذه الفواكه والخضار بترتيبها الهرمي
تكاد لاتجد بائعاً دون زبائن
أخيراً استوقفت أحد المارة أسأله عن عنوان الصيدلية المكتوب لدي عله يرشدني لكنه أشاح بوجهه عني وهو يرمقني بنظرة استغراب
يا إلهي ماهؤلاء القوم
قد يكون مسافراً مثلي ولايعرف هذه المدينة لذلك استغرب سؤالي إياه
سأسأل أحد الباعة من المؤكد أنهم من أهل المدينة وسيرشدونني بسرعة

ياحين: لو سمحت ياعماه

بائع الخضار: أهلاً أهلاً تفضل يابني ماذا تريد؟

ياحين: هل تعرف كيف يمكنني الوصول لعنوان هذه الصيدلية

زبون آخر: هل استطيع الحصول على برتقالٍ جيد لديك؟؟

التفت البائع للزبون الآخر وكأنه لم يعد يراني: أهلاً أهلاً بالطبع يابني فلدي أحسن برتقالٍ في السوق كله ..

وأنا واقفٌ أمام بضاعته انتظر إجابته على سؤالي لكن بعد خمس دقائق أحسست بأني اضيع الوقت مع هذا البائع الفظ
واصلت المشي إلى أن وصلت لجهة بيع الأسماك
“ياللهول.. وكأنك في بطن المحيط أسماكٌ بكل الأحجام والألوان.. أتمنى أن أوفق بشخص طيب هذه المرة”

في البداية كانت رائحة المكان نتنة جداً لكنني تأقلمت عليها تدريجياً هكذا هو الانسان مفطورً على التكيف فقط عليه تقبل ذلك

مشيت إلى وصلت وسط الضجيج
كان هنالك عراك بين بائع سمك وامرأة بدت في الخامسة والعشرين علا صراخها في أرجاء المكان وسط امتلاء الحشود وعدم المبالاة
اقتربت اتفرج المشكلة

صرخت المرأة: أيها المحتال إنك تبيع سمكاً فاسدً أعد إلي مالي

البائع: اخرسي أيتها الحمقاء مادمت قد شريتي بالأمس كان يجدر بك تفحص السمك جيداً وعلاوةً على ذلك أسماكي طازجةٌ دائماً إن كنت لاتنوين الشراء اغربي من هنا ولاتشوهي سمعتي فأنا رجل ذو شرف

المرأة: لن أرحل حتى يعلم الناس أنك نصاب ومحتال

البائع: اغربي من هنا قبل أن ألقنك درساً لن تنسيه

كان الوضع غريباً بعض الشيء فهذه المرأة تصرخ بالبائع وهو يسكتها بفظاظة وتهديد والناس تتفرج وكأن شيئاً لايعنيها يبدو أن أناس المدينة لهم طباعٌ غريبة عن سكان القرى فلو كان هذا البائع في قريتنا لأنهال عليه الأهالي ضرباً وقاطعوه للأبد لتطاوله على هذه المرأة

اشتد النزاع بين الطرفين وفجأة نهض البائع بوحشية كان قصير القامة نحيل الجسم ذو ثيابٍ رثة
ودفع المرأة من كتفها بضربة أسقطتها أرضاً
غلى الدم في عروقي من هول المنظر ومازادني غضباً أنه لم يتدخل أحد من المارة أو الباعة حتى الآن فكل شيء بدا طبيعياً بالنسبة لهم ومازالوا يشترون ويبيعون وكأن لا أحد ينظر لهذا المشهد سواي

نهضت المرأة بغضب وتحدي وامسكت بالوعاء الذي كان مليئاً بالأسماك الفاسدة وقلبته على البائع فتساقطت الأسماك أرضاً ممتزجتةً بالوحل

نهض الرجل مرة أخرى وهذه المرة قفز على المرأة ممسكاً بها من شعرها يجرها جر الشاة وهي تصرخ مستنجدةً بالمارة لكن لاحياة لمن تنادي

اقتربت منهم بغضب علي استطيع فك هذا النزاع لكني فجعت حين رفع بائع السمك يده عالياً ولطم الفتاة لطمةً أسقطتها أرضاً وهو يقول: ستدفعين الثمن غالياً أيتها الوقحة
أخذت المرأة تزحف باكية إلى أن وصلت تحت قدماي والبائع الخبيث يتبعها وكأنه لم يكتفي

ياحين: ي.. يكفي ياهذا..

لكنه لم يدر لي بالاً وكأنه سمعني لكن لم يكترث بي وامسك بها من كتفها هذه المرة من طرف ثوبها حتى أحسست أنه قد بدأ يتمزق..
في هذه اللحظة.. أظلمت الدنيا في عيناي

يتبع

“حسن المصوف”

Nightmare of lights

Nightmare of lights

Slept again in sadness
And woke up the dream
Where I couldn’t find you
A couple of girls around
Screaming with noisy sound
Flying around the bed
Threatening to hit my head
With a tool
Used for pools
They gather it both
Without clothes
They swing it hard
While throwing cards
In the sky
The heart is yours
And diamond was shy
My eyes were watching
And my heart attempt to fly
Till the clouds
The sound still loud
Thunder was awake
Angry its lashes break
And light was every where
I was hit & couldn’t see any thing
Except your heart
I hold it between my arms
And fall apart

Hassan Al Musawif

إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة الأولى

امرأة أم خمسة رجال E1

الحلقة الأولى

عشقكِ ملاذي وأوطاني
ونحركِ مرفأُ الأحضاني
حين يعلو ويهبطُ رمشكِ
يدورُ عقربُ الساعةِ دور ثواني
فلتعذري قلبي إن غلا في حبكِ
فالماءُ يغلي من كثرةِ الهيجانِِ
والصبحُ مشرقٌ وإن طال ليلهُ
والوقتُ يمضي دونما استئذانِ
كقبلةِ عذراءٍ هوت من سفحِ نافذةٍ
حسراتها ذابت من لوعةِ الحرمانِ
حاولتُ التقاطها بأناملي فتبخرت
كهروبِ طفلٍ عاري القدمانِ

كان هذا هو ياحين واقف تحت شرفة المنزل في الحديقة بعد منتصف الليل
يتغزل بعشيقته هُبينه وهي تنظر له بسعادة وحبور من نافذة غرفتها المضيئة ضوءً خافتاً ودافئ إذ تعودت كل ليلة أن لاتنام قبل أن يتغزل بها عشيقها الفتي وأحيناً يمتد بهم الهيام إلى شروق الشمس

ياحين من حديقة المنزل: هل أعجبتك القصيدة ياحبيبتي

هُبينه من النافذة تحت ضوء القمر: آااااه جميلة جداً لكن متى ستكملها!!

ياحين: سأكملها ..سأكملها لاتقلقي سأدون ديواناً لعشقك فقط يانور عيني

هُبينه: إنك تعدني بأشياء كثيرة لكن متى ستفي بهذه الوعود

ياحين: اصبري ياحبيبتي أرجوك اصبري

هُبينه بحزن: أنا أصبر لكن لا أظن أهلي سيصبرون

ياحين: هل تكلمت مع أمك؟

هُبينه بخيبة: نعم وقالت لي أن أبي لن يوافق مادمت لاتعمل عليك بإيجاد عملٍ ما في أقرب وقتٍ ممكن

ياحين وهو يحك رأسه: الأعمال كثيرة استطيع العمل في أي شيء فأنا حِرفّيٌ ممتاز

هُبينه: مارأيك أن تعمل مع أبي في المنجرة فهو يحتاج لأحد يساعده ويحمل عن كاهله أعباء العمل .. هذا ماقالته لي أمي

ياحين بحزم: لا .. لا أريد أن يظن أبوك أنني عالة عليه علاوة على ذلك أنني أبحث عن عمل يدر علي مالاً كثيراً حتى أدللك ياحبيبتي

ابتسمت هُبينه وهي تدور شعرها الأحمر المجعد بسبابتها البيضاء النحيلة: أريد كوخاً جميلاً وسط مزرعة صغيرة

ياحين: سأشتري لك مزرعةً أعدك بذلك لكن عليك أن تتعلمي كيف تربين الدواجن والأبقار

هُبينه: هل هو أمر صعب!!

ياحين: لا أظن ذلك فأنت ذكية جداً ياحبيبتي

ابتسمت هُبينه وهي تنظر لياحين بشوق لقاء
ياله من حلم وردي جميل عشيقان يخططان لقفصهما الذهبي في منتصف الليل بالهمس لكيلا يحس عليهم أحد

لكن فجأة وإذا بصوت أقدامٍ تقترب

هُبينه: أحدهم قادم اختبأ بسرعة

اختبأ ياحين خلف شجرة البلوط بسرعة وأسدلت هبينه ستارة نافذتها بنفاذ صبر كي يعبر المجهول ويعاود العشيقان مناجاتهما كان هذا هو التصرف المعتاد حين يمر أحدٌ ما
لكن هذا المجهول توقف عند الحديقة وماهي إلا لحظات حتى أخذ ينادي بصوتٍ واثق: ياحين أعلم أنك مختبأ أخرج لدي عمل لك وهو طارئ

كان هذا هو صوت طبيب القرية جاء من اللامكان قاصداً ياحين لكن ياحين ظل مختبأً مكانه لايتحرك

الطبيب: هيا يا ياحين أعلم أنك مختبأ هنا .. أساساً كل القرية تعلم أنك تأتي هنا كل ليلة تلقي أشعاراً على ابنة النجار

اغلقت هُبينه نافذتها بسرعة واطفأت قنديل الغرفة

خرج ياحين مستغرباً وقال: ماذا!! .. هل هذا صحيح!!

الطبيب: هه لا .. لقد كنت أمازحك فقط لقد كانت أمك من أخبرني أنك تغازل بنت النجار طوال الليل وتنام طوال النهار أما آن لك أن تجد لك عملاً يابني

ياحين:أمي تعلم بالأمر!! آه يا إلهي كيف علمت بذلك..
سأعمل لاتقلق.. قريباً ..لكن كيف عرفت أمي أنني هنا ياللعجب لاشك أنها ستوبخني عند عودتي للبيت

الطبيب: لاشيء يخفى على النسوة يابني لكن دعك من ذلك كله احتاجك في عمل مستعجل وسيدر عليك بمبلغ جيد من المال تستطيع به إرضاء أمك

ياحين: آه.. لما لا ..كلي آذان صاغية

الطبيب: لاشك أنك على علم بالحمى التي انتشرت في قريتنا هذه الأيام والعقار المضاد لهذه الحمى قد أوشك على النفاذ لذا أريدك أن تذهب للمدينة في أسرع وقتٍ ممكن وتجلب لنا المزيد من العقار المضاد ، لقد كان من المفروض أن أذهب بنفسي كالعادة لكن تعذر علي ذلك لوجود بعض الحالات التي تحتاج ملاحظةً مستمرة وقد شكت لي أمك أنك بلا عمل عند مراجعتها لي الأسبوع الماضي فارتأيت أن أكلفك بهذه المهمة وستحصل على أتعابٍ جيدة جراء مجهودك لاتقلق
ومن يدري فقد تكون رحلةٌ قصيرة كفيلة بإلهامك الاجتهاد والمثابرة في العمل

ياحين بتعجب: ياللصدفة

الطبيب: ماذا هناك

ياحين: البارحة فقط حلمت أنه قد حل وباءٌ في القرية وأنني اكتشفت عقاراً طبياً لعلاج أهالي القرية وعالجت الجميع وغدوت بطلاً في أعينهم

ضحك الطبيب قائلاً: إنها حمى خفيفة عابرة سرعان ماستزول إلا أنها أخذت تنتشر في القرية بسرعة ولابد من السيطرة عليها لكن على الأقل ستحقق نصف حلمك بأن تجلب العلاج للقرية لكن فيما يتعلق بعلاج الأهالي فاتركه لي

ياحين: ماتقوله لي أنه علي أن أذهب في رحلة للمدينة مدفوعة التكاليف وأجلب عقاراً أتقاضى عليه مبلغ باهظاً أهذا كل شيء؟

الطبيب: نعم بالضبط هذا كل شيء

ياحين: ياله من مال سهل لكنني سأحتاج حصاناً

الطبيب باستغراب: لماذا تحتاج حصاناً والقطار موجود لانريدك أن تصبح بطلاً لهذه الدرجة فقط استرخي في القطار خذ الدواء وعد في أسرع وقت ممكن

ياحين: آه صحيح .. متى سيرحل القطار؟

الطبيب: مع طلوع الشمس لهذا أتيت لك في هذا الوقت إذ لم يخطر ببالي أن أكلفك بهذه المهمة إلا منذ قليل فلم أجد أحداً متفرغاً في القرية وفي نفس الوقت يمكنني الاعتماد عليه سواك ..أرجو أن تعذرني إن قطعن عليك الأمسية هههه… على أية حال يجدر بك أن تسرع وتستعد فلم يبقى إلا وقتٌ قصير
خذ هذه الحقيبة فيها تكلفة الدواء والعنوان والوصفة وخذ هذه أتعابك وأيضاً نقودٌ لتذاكر القطار والطعام وانتبه يابني أن لاتضيع منك النقود أو تُسرق فقد قام أهل القرية بجمع المال لشراء الدواء من صندوق الأزمات الجماعي

أخيراً رحل الطبيب بعد أن أعطاني الوصفة التي علي جلبها من المدينة ومبلغ المال الذي سأحتاجه متضمناً تكاليف الرحلة وأتعابي أيضاً
كان مبلغاً ممتازاً جداً سأشتري هدية لأمي وهديةً لهُبينه أيضاً واستمتع بالباقي

أمسكت بحجرٍ صغير وألقيته على نافذة هُبينه لكن لم يأتني أي جواب يبدو أن هُبينه أصيبت بخجلٍ بعد أن علمت أن القرية كلها تعلم بأمرنا يجدر بي أن اتركها تنام الليلة وأذهب للمنزل بسرعة حتى أتأهب للرحيل وددت لو استطعت وداعها قبل أن أرحل

وصلت لكوخنا وفتحت الباب بهدوء كي لاتنتبه لي أمي لكن جاء صوت زوج أمي مزعزعاً الكوخ كله: صهاب .. ياصهاب

وجاء صوت أمي من داخل المطبخ: ماذا هناك؟

زوج أمي: لقد جاء فارس الليل وحامي الحما

خرجت أمي من المطبخ وفي يدها كوب حليب ساخن:دعه وشأنه ياجهار أين كنت ياياحين لقد قلقت عليك كل ليلة تخرج ولاتعود إلا عند الفجر

“لقد قال لي الطبيب أن أمي هي من قال له أنني عند بنت النجار وهاهي تسألني أين كنت! يبدو أنها لاتريد إحراجي”

ياحين:كنت مع بعض الأصدقاء.. لقد ألتقيت الطبيب وكلفني بمهمةٍ مستعجلة علي أن أذهب للمدينة لجلب دواءٍ للقرية

جهار: ياللهووووول…. ألم يجد الطبيب غيرك لهذه المهمة!!!
هاهاها لقد ضاع المبلغ الذي جمعه اهالي القرية لاشتراء الدواء

ياحين: لماذا؟؟

جهار: ههه ستلهو به في المدينة لاشك وستعود خالِ اليدين وكعادتك دائماً هنالك سبب منطقي وحجة ما

أمي بغضب: لماذا لاتعطي الولد فرصة كي يثبت نفسه تظلمه دائما

ياحين بخبث: صحيح أنت دائماً تنظر لي بخيبة أمل

أمي: يتوجب عليك توجيهه ونصحه فأنت في مقام أبيه

جهار مدافعاً: حاولت مراراً لكنك اتلفتيه بدلالك حتى غدا كتلة لحمٍ تسعى

تنهدت أمي وقالت: متى ستذهب يابني؟

ياحين بحماس: بعد قليل علي أن أرجع في أقرب وقت ممكن

جهار بسخرية: عد إلينا بسرعة يابني فمصيرُ القريةِ متعلقٌ عليك.. أنقذ حياتنا أرجوك.. أتوسل إليك.. إرحم ضعفنا وقلة حيلتنا….

ياحين بإمتعاض: طوال الخمس سنوات الفائتة كل ليلة قبل أن أنام أفكر في السبب الذي دعا أمي للزواج بك

ضحك جهار وقال: وأنا أيضا أسأل نفسي نفس السؤال هاهاهاها

أمي وهي تضع يدها على خدها متنهدة: قد كنت أجمل بنات زماني لكن حظي العاثر هو ما أوقعني في هذا الكوخ

جهار: لاشك في ذلك فمن يرى ابنك يعرف أنك لست محظوظة هاهاهاها

أمسكت أمي برأسي وقبلته قائلةً بحنان: انتبه لنفسك ياولدي وعند عودتك عليك بإيجاد عمل دائم لافتخر فيك وتثبت لهذا العجوز أنك رجل يعتمد عليك

جهار: اتمنى أن أعيش لهذا اليوم لكن إن مت قبل ذلك أرجوكِ لاتورثيه دكاني أخافُ على سمعة أجدادي ههههه

ياحين: لاتقلق حين تموت سأعمل في دكانك وأبيع كل شيءٍ بنصف السعر كي لايذكرك أحدٌ بخيرٍ أبداً

انصعق جهار واعتدل في جلسته بسرعة وقال: هل سمعتي ماذا يقول ..وصيتي لك ياصهاب أن لايدخل دكاني أبداً

أمي: هذا إن لم أمت قبلكما غيضاً منكما أنتما الاثنان ألا تستطيعان تمضية نصف ساعة دون شجار

جهار: على العكس فأنا أحب ياحين مثل ولدي

ياحين: وأنا كذلك ياعماه

صاحت أمي: إذن فأنتما تتشاجران لإغاظتي فقط

اقترب مني جهار مربتاً على كتفي وقال: أرأيت ياولدي لاسبيل لإرضاء النساء أبداً

أمي: لاعليك منه ياياحين أكمل إفطارك والحق بالقطار وانتبه لنفسك ياولدي أرجوك

خرجت من الكوخ مودعاً أمي الحنون وزوجها جهار .. مع أنه دائماً ينظر لي بخيبة أمل إلا أنه يحبني على ما اعتقد وهو دائماً يكون سعيداً و ظريفاً مهما كانت الظروف لهذا أعجبت به والدتي وقبلت به زوجاً إذ كان الشخص الوحيد من رجال القرية الذي استطاع أن يرسم ابتسامةً على وجه أمي بعد وفاة والدي

كانت كلمات جهار لي قبل أن أرحل ” حين تعود سأكون أنا وجميع رجال القرية بانتظارك في محطة القطار، إن لم يكن بحوزتك الدواء سنوسعك ضرباً بنفس المدة التي قضيتها خارج القرية ولن نستمع لأي حجةٍ أوعذر”

وصلت لمحطة القطار مع أن الشمس لم تشرق بعد إلا أن محطة القطار كانت مزدحمة جداً بالمسافرين وكأنها سوق لكنه كان ازدحاماً هادئاً جداً

أخذت عيناي تجول في أرجاء المكان إلى أن وقعت على شباك التذاكر الذي كان يقف أمامه طابور طويل هرعت لأحجز مكاني في ذلك الصف
كان انتظار دوري في ذلك الطابور مميتاً جداً فالطابور طويل جداً وكل واحدٍ يستغرق وقتاً طويلاً لا أدري لماذا لكن حين جاء دوري لم استغرق سوى بضع ثوان

دخلت للقطار وبحثت عن المقصورة التي كتبت على تذكرتي وكان مقعدي قرب النافذة لحسن الحظ
جلست انظر للمسافرين كلٌ يتحرك على عجل متناغمٍ بسكون
قطع علي ذلك السكون صوت رجل عجوز قائلاً: هل استطيع تفحص تذكرتك لوسمحت
ظننت أنه عامل التذاكر فأعطيته تذكرتي فبادرني بسرعة: إنك تجلس في مقعدي يابني انظر هذه تذكرتك وهذه تذكرتي

وكان ممسكاً بالتذكرتان في يدٍ واحدة مع أنني كنت متأكداً أن مقعدي بقرب النافذة ويبدو أنه قام بتبديل التذاكر لكني لم أرد أن أجادله احتراماً لكبر سنه فقلت: أوه آسف .. تفضل

جلس الرجل العجوز قرب النافذة ونام فوراً أم أنه كان يتصنع النوم لم أكن أدري ولم أدر له بالاً أصلاً لكن ماهي إلا لحظات حتى نهض الرجل العجوز فجأةً ووضع حقيبة صغيرةً له مكان الكرسي وكأنه يحفظ الكرسي بهذه الحقيبة واتجه لحمامٍ قريب
وحين اقترب من الحمام وأراد أن يدخل سقطت قبعته من فوق رأسه فانحنى ليلتقطها لكنه حين وقف مرةً أخرى تفاجأ برجل بدين جداً تقدم ودخل للحمام قبله

الرجل العجوز بغضب: هاي ياهذا لقد أتيت قبلك للحمام

الرجل البدين من داخل الحمام: أغرب عني أيها العجوز فأنا أعاني من إسهال شديد

وأغلق الباب بشدة

العجوز: ألا تحترم كبار السن أيها البدين
ألا تعلم أن كبار السن لايستطيعون الصبر عن دخول الحمام

البدين: إذهب من هنا بسرعة أرجوك

استند الرجل العجوز بالباب وأخذ يتحدث مع الرجل البدين الذي بداخل الحمام: أتدري ماهي مشكلتكم أيها البدناء؟

البدين بصوتٍ عالٍ: لا أدري و لا أريد أن أدري أأنت مجنون تتحدث معي وأنا في الحمام

العجوز: لقد دخلت قبلي وأنا متعب جداً أريد الدخول لذا علي أن أتكلم معك إلى أن تخرج حتى انسى واصبر على نفسي

صرخ البدين: ياله من يوم مشؤوم اغرب من هنا أين عمال القطار ليأتي أحدٌ ويبعد هذا العجوز الخرف قبل أن أخرج وأقتله

العجوز: كن صبوراً يابني عندي سؤال واحدٌ فقط إن أجبتني عليه سأرحل عنك بسلام

البدين: ياللهول… ألا تفهم ياهذا أن داخل الحمام أقضي حاجتي ولست في مسابقة

العجوز: فقط أجبني وسأدعك فلن استطيع النوم إن لم أحصل على الإجابة

كان البدين يصرخ بصوت عال يسمعه كل من كان في المقصورة: إسأل .. إسأل عليّ أجيبك واتخلص منك للأبد

العجوز: كيف استطعت الدخول للحمام بهذه السرعة؟ إنني مستغربٌ جداً فحجمي يعادل ربع حجمك تقريباً ولابد لي من الدخول من جانبي نظراً لصغر حجم الباب أما أنت فقد دخلت دفعةً واحدة وبسرعةٍ كبيرة كيف استطعت أن تفعلها؟؟

صرخ البدين بإمتعاضٍ وغضبٍ شديدين: ولماذا هذا السؤال السخيف

العجوز: أخاف أن لاتستطيع الخروج وتموت في حمام القطار

البدين: وهل يهمك أمري لهذا الحد

العجوز: لا .. ولكني بحاجة ملحة لدخول الحمام

البدين: انتظر أيها العجوز لقد انتهيت سأخرج وألقنك درساً لن تنساه سأعصرك بين يداي

وقف العجوز ينتظر وهو مسرور لا أدري لماذا لكنني كنت متحمساً لخروج البدين من الحمام
ماهي إلا لحظات كان الجميع ينتظر ماذا سيحدث وإذا بصوت ارتطام شديد سبقته أصوات سريعة وغريبة داخل الحمام يبدو أن البدين قد إنزلق أرضاً وقد كان يحاول موازنة نفسه لاكن باءت محاولته بالفشل

صرخ البدين: آااااااااااااااااااااه …. ساعدوني لقد انزلقت

العجوز: ماذا حدث

البدين: أظن أن الحوض قد انكسر

العجوز: ماذا .. انكسر الحوض.. أي حوض .. أهو حوضك أم حوض الحمام

البدين: أيها الوغد سأخنقك بيدي أعدك بذلك

العجوز: يجب علي أن أعرف هل استدعي الطبيب أم السمكري

البدين: آااااااه .. أنت في عداد الأموات سأدفنك حياً أقسم بذلك

بسرعة دخل المقصورة طاقم من موظفين القطار
وسأل أحدهم: ماذا يجري

العجوز: انكسر الحوض

الموظف: أي حوض؟؟

تعالت ضحكات كل من كان بالمقصورة

البدين: انقذوني لا استطيع التحرك

أجاب أحد المسافرين: لقد انزلق بداخل الحمام ويبدو أنه قد أصيب

أخيراً استوعب الموظفين ماذا حدث وقاموا بكسر باب الحمام واخرجوا الرجل البدين الذي كان يصرخ بهم : أين الرجل العجوز أريد اقتلع رقبته

لكنهم سرعان ما أخرجوه من القطار وهو يتلوى من الألم ويتوعد العجوز بالثأر منه إلى أن أرسلوه لطبيب القرية

خرج الرجل العجوز من الحمام أخيراً

جلس وهو مسرور وقد كنت جالساً في المقعد المجاور له فبادرني قائلاً ببرود وكأنه لم يحدث أي شيءٍ منذ لحظات: هل هذه أول مرة تسافر بالقطار

ياحين بنفاذ صبر: في الواقع لا أتذكر متى كانت آخر مرة سافرت فيها في القطار لكن تقريباً منذ سنتين

العجوز: أنتم سكان القرى منطوون على أنفسكم بطبعكم لاتحبون السفر والاختلاط بالعالم الخارجي

رددت مدافعاً: ماحاجتي للخروج من قريتي إن كان لدي كل شيءٍ فيها

العجوز: ههه كل شيء ها.. مازلت صغيراً ولم ترى شيئاً في هذا العالم الواسع

يبدو أن الرحلة ستكون طويلة مع هذا العجوز ألا يكفيه أنه سرق مقعدي
أخذ العجوز يثرثر وأنا سرح أنظر من النافذة أرقب المسافرين
فجأةً وإذا بوجهٍ بدا مألوفاً جداً يتلفت حوله في كل جانب بسرعة وخوف “يا إلهي إنها هُبينه”

يتبع

حسن المصوف

الحلقة الخامسة عشرة والأخيرة- الإنسية والجن

قصة الإنسية التي تزوجت جني

الحلقة الخامسة عشرة والأخيرة

الحلقة الأخيرة

كان يحف قلعة جلجامش خليط من الحزن والكآبة مع تجمهر الجن من قبيلة جلجامش في ساحة القلعة حزينون مستسلمون للألم والعذاب الذي حل بهم إذ بدأ جنود عيقم بالسلب والنهب قبل أن يتوج ملكهم مما ينبأ بحالهم المستقبلي

كان عيقم يقف على المنصة بجانبه سامد وأزمل (وزير جلجامش الخائن) ومن تبقى من حاشية جلجامش ممن وافقوا ونزلوا على حكم عيقم أما بقية أعوان جلجامش المخلصين فقد جمعوا في صف واحد مكبلين بالسلاسل والاغلال وراء كل واحد جني بفأس استعداداً لقتله وجيش عيقم يحف بالقلعة بأكملها مدججين بأسلحتهم في حالة استنفار تأهباً لأي شيء قد يحول بين تتويج عيقم

تقدم عيقم قائلا: يا قوم عليكم بمبايعتي والولاء لي فقد انتهى كل شيء من يعترض سينضم لهؤلاء الخونة ومن يعتقد أن بمقدوره مجابهتي عليه أن يتحداني الآن كما جرت العادة أن استطاع أحد التغلب علي يكون ملككم

عم سكون وصمت مخيب للآمال في أرجاء القلعة
انتهى زمن الفروسية
فارسهم محبوس في قعر سلحفاة وزوجته الإنسية
يالهم من قوم بؤساء
عاصروا الحرب وتكبدوا خسائر في الأرواح والأموال وفي النهاية يخضعون للذل والهوان
حين يقف الخونة مع العدو يأمرونهم بالاستسلام والخضوع و الاذعان
كم من واحد بدا رخيصاً اليوم لدرجة أنه يستحي النظر في وجه القوم
ومنهم من كان ينظر بكل ماستطاع جمعه من وقاحة
لم يبقى أحد باستطاعته قول كلمة أتحداك.
الخونة على منصة العرش والأوفياء تحت المقصلة
والعرش يبكي مستجدياً منديل وفاء يكفكف به دمعه بين كل الوجوه المتسخة بعار الخيانة تربت على كتفيه بخبث تريد نهشه من كل جانب
يالهؤلاء الرخيصين ينعقون مع كل ناعق ويطأطئون رؤسهم بفخر إنه الذل بثقة

قال عيقم مبتسما بزهو حين رأى الهزيمة واضحة جلية على مرأى القوم: حسنا إذاً لتبدأ مراسيم التنصيب اضربوا أعناق الخونة

وبدأ جنوده يقتلون أعوان جلجامش المخلصين واحداً تلو الآخر

تعالت صيحات القوم
فتقدم الأزمل خاطباً في الجمع: ياقوم قد طالت بنا الحرب سنيناً طوال تكبدتنا خسائر فادحة في الأرواح والأملاك وانتهت الحرب بخسارة جيشنا وانتصار جيش الملك عيقم وقد جاء اليوم ليبايع ملكاً على أرضنا فبايعوه تسلموا. عهد جلجامش وأسرته انتهى لانريد ملكا تبع هواه و تزوج إنسية متخليا عن مسؤلياته تجاهنا انتهى جلجامش للأبد انتهى انتهى

صاح بوق قادم من المنارة الرئيسية للقلعة وتعالى الهمس بين الجنود المتعلقون فوق السور

” جلجامش”
” إنه جلجامش”
“جلجامش..جلجامش”

جاء جني من أعلى المنارة بسرعة لسامد وقال: سيدي جلجامش فوق الجسر مسرع قادم باتجاه القلعة

أثار وقع الخبر فرحةً صامتة في أعين قوم جلجامش

عيقم بغضب: لقد شككت أنه هرب منذ البداية يالك من أحمق ياسامد

صرخ سامد: ارموه بالسهام ألا يصل جلجامش إلى هنا هل فهمتم

كان جلجامش يمشي على الجسر بثقة تليق به
لم يبقى سواه هو فقط من بمقدوره قلب الموازين اليوم
مصير القوم على عاتقه
عليه قتال من يتقاسمون عرشه و إرثه

اجتمعت ثلاث كتائب فوق سور القلعة بسرعة
تصف ثلاثة صفوف وبترتيب متناغم
رمت جلجامش بستة آالاف سهم دفعة واحدة

ستة آلاف سهم تحلق في الهواء بسرعة تشق الرياح متجهةً لجلجامش وحده وكأنها ضربة قاضية

استل جلجامش سيفه عين الذئب ووجهه عاليا تجاه الأسهم فانجذبت نحوه بسرعة رهيبة
ثم أرجع سيفه للخلف والأسهم تتبع السيف أينما دار ودفع به للأمام مرة أخرى بقوة جبارة فانطلقت الأسهم جميعها عائدة نحو السور بسرعة واخذت تصطاد من تصطاد وتقتل من تقتل وتنغرس في سور القلعة وكأنها مطر الموت.. مطر أسود أظلمت السماء منبأةً بقدومه

أثار هروب الكتائب الثلاث فوق السور فوضى عارمة في ساحة القلعة مع أمل جديد لأهل القلعة برجوع أميرهم بمثل هذه القوة الجبارة وأنه مازال هنالك أمل
اقترب جلجامش من القعلة أخيرا واصطفت كتيبة كاملة مجدداً فوق السور وأخذت ترمي جلجامش بالرماح

وضع جلجامش السيف وراء ظهره مظهرا عين الذئب
كانت الرماح حين تقترب من جلجامش تنفر منه وتسقط على جانبي الجسر بفضل قطب المغناطيس
والجنود متعجبون ممايحدث أمامهم

أخيراً خرجت كتيبة من ألفي جندي بسيوفهم ودروعهم وأسلحتهم منهم من يركض ومنهم من يطير ومنهم من يزحف مسرعين لمجابهة جلجامش والقضاء عليه

استل جلجامش سيفه مرة أخرى وفصل النابان عن بعضهما وأخذ يلوح بهما في الجو بسرعة رهيبة ثم بقوة وجههما تجاه الجنود فانطلق من وسط السيفين زوبعة قوية (تحمل سيوف الكتيبة التي قام الأجهش بقتلها حين كان يلحق بجلجامش وتحمل هذه السيوف تيارات هوائية متشكلة بشكل جنود من قوة الزوبعة)
والتحمت الزوبعة بالكتيبة حتى احتوت الكتيبة كلها وصوت قرع السيوف كان قوياً جداً مصاحباً لصراخ الجنود الذي بدا وكأنه هلع من عذاب مظلم داخل الزوبعة يهز كيان كل من ينظر لتلك القوة الجبارة
إلى أن انجلت الزوبعة وجنود الكتيبة تتساقط ميتة من تحت الجسر ودمائها تتناثر في الهواء

انهزم جنود عيقم هاربين لداخل القلعة وراء عيقم وعيقم يتفرج مذهولا من هول هذه القوة المفزعة

عيقم: هذا هو سيف يارخ إذاً .. ياله من سلاح فتاك سيسعدني أن امتلكه وأضمه لمجموعتي

في هذه الأثناء
كانت عشتار تسقط
في سماء ليست سماء
لونها بنفسجي يميل للصفرة
أخذت عشتار تنظر وهي تسقط
كانت تعلم أنها دخلت لعالم الجن
كانت تبحث عن شيء أو وسيلة ما
كانت تؤمن أنه في هذا العالم و في أي عالم مهما زادت الصعاب والمخاطر
لابد من وسيلة ما للخروج والنجاة
فقط عليها أن تدع الخوف جانبا.. وتفكر
مدت جسمها بشكل أفقي فغدت كأنها تطفو على الريح
وتسيرها الرياح ببطء للأسفل
أخذت تنظر بتركيز فرأت شيئاً بدا وكأنه سحابة عملاقة للوهلة الأولى لكنها حين ركزت النظر غدا ذلك الشيء كأنه شبكة عنكبوت كبيرة ملتصقة بالسحب

مدت جسمها للأمام وغدت تتجه لشباك العنكبوت ببطء كانت تتوجس خيفة من الوصول لشباك العنكبوت لكنها أيقنت أنه لابد من سبب لوجود شباك العنكبوت في السماء وحيث أنه لم يوجد لها خيار آخر اتجهت للشبكة الكبيرة

سقطت عشتار أخيراً على الشبكة التي سرعان ما انشقت لتسقط على شبكة أخرى وهكذا غدت عشتار تنتقل من شبكة لأخرى
أم هو نسيج متكرر لشبكة واحدة لم تستطع عشتار أن تحدد لكنها بدت وكأنها شبكة عنكبوت متعددة الطبقات
في البداية كانت سقوط عشتار قويا وسريعا لكن مع تكرار اصطدامها بشباك العنكبوت أخذت تبطء شيئا فشيئاً إلى أن توقفت
نظرت عشتار حولها متفحصةً المكان
كانت عالقة في شباك العنكبوت وكأنها فريسة
بين السحب في وسط السماء
حاولت التحرك لكن دون جدوى كانت عالقةً تماماً

فجأة جاءها الصوت من الخلف صوت تتوقع صاحبه حين تكون عالقاً في شبكة عنكبوت كبيرة

التفتت عشتار لترى عنكبوت عملاقة جداً لها ثمانية أرجل وستة أعين لكن أعينها جميعها بدت وكأنها مطموسة سوى عين واحدة

قالت العنكبوت: أهلاً بك في سماء سراب إلى أين وجهتك هاهاهاها

نظرت عشتار لهذه العنكبوت العملاقة لابخوف بل باستغراب ثم قالت: هل تسكنين السماء لاصطياد فرائسك

العنكبوت: بل أنا حارسة المعبر السماوي لأرض الجن

عشتار: وكيف تكونين حارسة عالم الجن هل أنت جنية؟؟

العنكبوت: ليس من الضروري أن يكون كل من هو موجود في هذا العالم جني . هل أنت جنية؟

عشتار: آه .. صدقت

العنكبوت: ما اسمك؟

كادت عشتار أن تقول اسمها لكنها اكتفت بقول: أنا عابرة سبيل عبرت في سلام

اقتربت العنكبوت من عشتار ترقبها جيداً بعينها الواحدة قائلة: أنت إنسية ..عشتار.. هل أنت عشتار زوجة جلجاماش

سكتت عشتار فهي لاتعلم هل هذه العنكبوت عدو أم صديق

لكن العنكبوت بادرتها: أنت هي .. أنت تلك الإنسية… أنت زوجته فخاتمه في إصبعك

عشتار بحزم: نعم.. أنا الإنسية زوجة أمير الجن

ضحكت العنكبوت ضحكة خفيفة وقالت: أتعلمين لما العنكبوت تبني شباكاً

أحست عشتار بالقلق لكن كان عليها مسايرة هذا الوحش العملاق فقالت: حتى تكون لها كالبيوت

العنكبوت: ههههه لا.. بل الشباك نصنعها لاصطياد الفرائس .. نحن نؤمن بالقدر فالرزق محتم .. نجهد أنفسنا بصنع الشبكة وبعد ذلك نجلس براحة ننتظر ضالتنا بدل السعي وراءها
فالدنيا كالدولاب صنعت لتدور وماذهب لابد أن يعود يوماً

عشتار بخوف: لا أفهم ماتقولين

العنكبوت: لم أكن عوراء من قبل لكن كان عشيقك جلجامش يتسلل يوميا لأرض الإنس حتى يراك إلى أن جاءني يوما مرسول من أبيه بمنعه من الذهاب لأرض الإنس وحين أتى جلجامش مسرعا للذهاب لأرض الإنس لكي يراك اعترضت طريقه وخضنا عراكاً عنيفاً أسفر بفوز جلجامش طبعاً بعد أن فقأ أعيني جميعها ماعدا واحدة
لم اعترض طريقه بعدها لأنني كنت واثقة كل الثقة أنه سيأتي يوم وأجد انتقامي في شباكي

أخذت عشتار تنظر في أرجاء المكان علها تجد شيء تستطيع الاستفادة منه أو أن يوحي لها بفكرة ما إذ لم يكن بمقدورها تحريك حتى يديها الملتصقتان بشباك العنكبوت لكن لم تجد سوى فضاء شاسع

العنكبوت: هه لامفر من شباكي سأفقأ عينيك وأرسلك لجلجامش

عشتاربحزن: حسناً أيتها العنكبوت لك حق الانتقام لكن لي طلب واحد فقط .. لقد فقدت أعينك بسبب جلجامش الذي قاتلك لكي يراني حتى وإن فقدت اعينك بسببي فليس لي ذنب في ذلك لكنك على أية حال لن تتنازلي عن الأخذ بثأرك فقط أريد منك أن تذهبي بي فوق قلعته وتقتلعي عيني وتلقي بهما في القلعة

العنكبوت باستغراب : ولماذا هذا الطلب الغريب هل تحاولين خداعي؟؟

نزلت دمعة من عين عشتار وقالت:لا .. لكن علّ عيناي وهما تسقطان تنظرانه للمرة الأخيرة فيقر قلبي برؤيته

أحست عشتار أن العنكبوت بدت صغيرة أمام هذا العشق الكبير لكن العنكبوت بادرتها بغضب: لاااااا …. بل سأذهب بك فوق قلعته وسأفقأ عينيك وسألقي بك لكي يراك مقتولةً مفقوأة العينين فيعلم أنني من تسبب في ذلك ولاضير إن قتلني فقد انتصرت عليه واخذت حقي

انتزعت العنكبوت عشتار من شباكها وربطتها بخيوطها فغدت عشتار كاليرقة فقط رأسها خارجاً
انطلقت العنكبوت متجهة بسرعة نحو قلعة جلجامش تقفز من سحابة لأخرى وعشتار تبكي في حيرة من أمرها ماتستطيع فعله للتغلب على هذا الوحش الضخم الحقود

دخل جلجامش القلعة بثقة وقوة لم يشهد لها مثيل وسط هتافات قبيلته الذين هجموا على جنود عيقم وخلصوا أعوان جلجامش المخلصين منهم قبل أن يفنوهم

وتجمع أهل القلعة وراء جلجامش وحوله
وصل جلجامش للمنصة يريد مخاطبة عيقم فبادره أزمل يريد أن يقاطعه
لكن جلجامش دون أن ينظر إليه استل سيفه وضربه ضربةً قسمته نصفين قائلاً: هذا جزاء الخونة في مملكتي

نظر جلجامش لقومه وقال: ياأبناء قومي أرجو أن لاتكونوا استسلمتم لقوى الشر وبايعتم هذا الطاغية سادافع عنكم لآخر رمق في حياتي

تعالت صرخات من أعوانه وقومه ” نحن معك لآخر رمق ياجلجامش”

نظر جلجامش لعيقم بغضب وقال: لامزيد من الحرب لقد انتهى كل شيء لقد جئت اليوم لتتوج ملكا على أرضي و جرت العادة أن يقوم الملك الجديد بتحدي كل من يظن نفسه كفؤاً أن يجابهه وأنا أتحداك ياعيقم لماذا نجعل شعبينا يقتلون سنينا ونحن نتفرج عليهم جاء دورهم الآن.. من يفوز في النزال يحكم الشعبين

عم هدوء في جميع أرجاء القلعة الكل ينظر لعيقم بانتظار جوابه وعيقم كان يتصبب عرقاً

أراد سامد أن يتكلم لكن عيقم قاطعه قائلاً: لقد وصلت بك الجرأة أن تتحداني أنت وهذا السيف اللعنة لم يمر علي في حياتي جني مثلك أولاً تزوجت إنسية وقمت بإدخالها لأرضنا وسرقت قطعة من حجر المغناطيس وعرضت حياة الجميع للخطر من انفجار البركان أو هجوم الذئاب والأعظم من ذلك كله قمت بادخال عين الذئب لأرضنا إنك جني متعجرف صبياني لاتليق أن تحكم الجن

جلجامش: كل ذلك من أجل أن أزيح ملكاً ظالماً مثلك فأنت حاكم جائر لامكان لك في قلعتي قد أكون أسأت التصرف فيما مضى لكنني عادل لا أظلم أحداً مثلك ولا أدخل شعبي في حرب أسبابها مبهمة فقط لتزيد من قوتك ونفوذك

أجاب عيقم بغضب: حسنا إذاً هيا بنا نذهب للجبل القائم من ينزل منه بعد قتل الآخر يكون المنتصر كما جرت العادة

كان يوجد جبل صخري طويل في منتصف القلعة وهو مركزها

طار الاثنان عيقم وجلجامش والتقيا في قمة الجبل لايراهما أي أحد ،من يقتل الآخر ينزل ملكاً على القبيلتين

استل جلجامش سيفه واخذ ينظر لعيقم بغموض وهو يفكر محدثاً نفسه ” عيقم.. لا أتذكر متى كانت آخر مرة خاض فيها قتالا.. اعتقد قبل أن أولد ..علي أن استفيد من هذه النقطة لاسيما أنني امتلك أقوى سيف في أرض الجن الآن لكن علي أن لا أنسى أنه يملك ثلاثة من أقوى الأسلحة سيف اللهب ورمح الظلام وسيف الصاعقة”

طقطق عيقم بأصابعه فانبثق منه ثلاثة جن مشابهون له تماماً
تفاجأ جلجامش من هول مايرى “إن هذا لسحر كيف أجابه أربعة عيقم.. هل هم حقيقيون ياترى .. ومن هو عيقم الحقيقي ..أحدهم برمح الظلام وواحد بسيف اللهب وواحد بسيف الصاعقة والأخير بمطرقة كبيرة يا إلهي إنها مطرقة يارخ”

جلجامش: أيها الوغد إنها مطرقة يارخ كيف حصلت عليها

أجاب الأربعة بصوت واحد: هههه لقد قتلت ذلك الأحمق وتخلصت من أسلحته السخيفة للأبد

أصيب جلجامش بخيبة أمل ” لقد مات الشجاع يارخ ياللأسف إن عيقم شرير جداً لم يترك شيئاً طيباً في أرضنا إلا وقضى عليه”
جلجامش: ستدفع حياتك ثمناً لجرائمك أنت بؤرة شر وفساد

أحاط العياقم الأربعة بجلجامش من أمامه وخلفه وعلى جانبيه

غرز عيقم ذو سيف الصاعقة سيفه في الأرض مما أثار موجات رعدية في الأرض
قفز جلجامش تفاديا أن لاينصعق
فقفز عليه عيقم ذو المطرقة وضربه على رأسه وأسقطه أرضاً
ثم قفز عليه عيقم ذو سيف اللهب وعيقم ذو رمح الظلام يريدان طعنه بسرعة فما كان من جلجامش إلا أن رفع سيفه وجذبهما هم الاثنان فالتصق السلاحان بسيف جلجامش ثم رفع سيفه مرة أخرى فتنافر الاثنان مبتعدين وعاد الحصار مرة أخرى

أخذ جلجامش يفكر” كيف السبيل للتغلب على هؤلاء الأربعة لابد من وجود ثغرة استطيع من خلالها كسر منظومتهم، الأصل أنه عيقم واحد تفرع وغدا أربعة اعتقد أنه واحد حقيقي أما الثلاثة الآخرون مزيفون أو وهميون لكن أيهم عيقم ياترى.. اممم عيقم خبيث جداً تفرع لأربعة ليشغل تركيزي فيه بدل أن أركز على أسلحته علي بالتركيز على الأسلحة”

ركز جلجامش تركيزه على الأسلحة فانتبه أن عيقم لايستطيع أن يهجم أربعة هجمات في نفس الوقت بل هجومان اثنان كل مرة سيف الصاعقة ومطرقة يارخ تارة ورمح الظلام وسيف اللهب تارة أخرى وحتى حين يهجم عليه بسلاحين يوجه له ضربة كل مرة من سلاح واحد إذن هو عيقم واحد من يتحكم بالبقية لكن أي واحد فيهم

أحس جلجامش بقليل من الثقة حين فطن لخدعة عيقم أخذ يصد هجمات عيقم بحذر واحدة تلو الأخرى دون أن يوجه أي هجوم فقط يدافع وهو يراقب أيهم عيقم الحقيقي

أحس جلجامش أن عيقم ذو رمح الظلام لايضرب إلا إذا كان بعيداً أو موشكاً على إصابته “لابد أنه هو الحقيقي .. علي أن أجازف”

ضرب عيقم ذو المطرقة الأرض بقوة ثم قفز عيقم ذو سيف الصاعقة على جلجامش خلفه عيقم ذو سيف اللهب

بسرعة فك جلجامش نابي السيف وقذف بأحدهما تجاه عيقم ذو رمح الظلام فالتصق الناب بالرمح ثم بقوة سحبه إليه ووجه له رفسة قوية في صدره

اختفى الثلاثة المزيفون وسقط عيقم الحقيقي ذو رمح الظلام على الأرض وراءه أسلحته

جلجامش: هل تعتقد أنه بإمكانك خداعي بهذه الحيلة السخيفة

نهض عيقم غاضبا وأدخل يده في كيس كان مربوطا في خاصرته وأخرج خمسة كرات صخرية حمراء صغيرة

رمى بهذه الكرات فتحولت إلى جن حمر عمالقة حمراء بسيوف ضخمة وعظيمة

أصيب جلجامش بهلع”إنهم حراس البركان .. كيف أتى بهم إلى هنا مستحيل”

كانت الجن حمراء نفسهم حراس البركان لكن دون رؤوس فقط أجساد عملاقة وسيوف ضخمة

أحاط الجن الحمر بجلجامش وعيقم من بعيد معلق أمامه سيف اللهب ويحركه في الهواء يبدو أنه يتحكم بهم عن طريق سيف اللهب.
جن جنون جلجامش إنه التحدي الكبير قفز على جني منهم بسرعة وغرز السيف في صدره فجثا ذلك الجني على ركبتيه لا يتحرك
تقدم له جني آخر يريد أن ينقض عليه فقفز جلجامش بعيدا منتزعا سيفه من صدر ذلك الجني وكانت المفاجأة أن الجني الذي طعنه جلجامش وقف مجددا بعد أن انتزاع السيف من صدره

وجه له أحد الجن ضربة بسيفه العملاق تصدى لها جلجامش بسيفه لكنه بدأ ينزل للأسفل من ثقل سيف الجني الأحمر وقوة ضربته
هز جلجامش سيفه فانتفر السيف الضخم عنه متجهاً للوراء بفضل المغناطيس وانغرز في صدر جني آخر

فطن جلجامش مرة أخرى لحيلة عيقم ثم بسرعة قفز على جني وغرز سيفه في صدره فجثا ذلك الجني على ركبتيه ففك جلجامش نابا الذئب إحداهما ظلت مغروسة في صدر ذلك الجني ليشل حركته وانتزع الأخرى وقفز في المنتصف يلوح بسيفه بسرعة وهو يدور وسط الجن الحمر الأربعة الآخرون فانبثقت زوبعة حول جلجامش جعلت الجن يدورون حوله في الهواء ثم حرك المغناطيس فانجذبوا نحو جلجامش أربعتهم لكن من كبر حجم سيوفهم انغرز كل سيف في صدر جني آخر

حتى غدا جني في صدره ناب الذئب والاربعة الآخرون كل جني مغروز سيفه في جني آخر فغدو كالسلسلة التي لاتتحرك
قفز جلجامش منقضا على عيقم بالناب الآخر وضرب سيف اللهب بقوة فاختفى الجن الحمر الخمسة كالغبار الذي طوته الريح

سقط عيقم أرضاً لكنه نهض بسرعة كي لايباغته جلجامش

جلجامش: ألم ننتهي من ألعابك البهلوانية ياهذا

غضب عيقم وقال: حسناً إن كنت تريد الموت بسرعة لامزيد من اللعب

رمى عيقم بسيف الصاعقة وسيف اللهب في الجو وأخذ السيفان يدوران حول عيقم ثم امسك برمح الظلام وغرسه في أرض الجبل فعم ظلام دامس في المكان كله وأمسك بمطرقة يارخ متجهاً لجلجامش

انطلق جلجامش تجاه عيقم بسرعة موجهاً عين الذئب أمام عيني عيقم
كانت خطة جلجامش محكمة
يوجه عيني الذئب لعيقم
فيتسمر عيقم مكانه
ويقتلع رأسه بسرعة
لكن عيقم لم يتأثر.. مما أثار استغراب جلجامش

عيقم: هههه يالك من غبي ألم تفهم إلى الآن أنني لست بجني

صرخ جلجامش مستغربا: ماذا تقول.. كيف ذلك

عيقم: انا ساحر عظيم لقد قتلت عيقم منذ زمن بعيد وانتحلت شخصيته

جلجامش: لا أصدق.. أنت.. من بني البشر.. إنسان

عيقم: حتى أنت ياجلجامش وأنت متزوج بإنسية مازلت تستخف بالانسان بعد كل مامررت به أنت وعشتار.. لقد تعلمت جميع أنواع السحر منذ مئات السنين وركزت طاقتي كلها لأتغلب على الجن يجب أن احكمكم

جلجامش بغضب: وماذا تستفيد من ذلك أيها الحقير

عيقم: إن استطعت السيطرة على الجن سيطرة على العالم كله لم يبقى أمامي سواك ياجلجامش سنيناً طويلة وأنا اتخلص من قادة الجن واحداً تلو الآخر سقطوا أمامي جميعهم بالمكر والخادع والسحر والغدر وكلما قتلت أحدهم أخذت قوته وسلاحه هل تظن أنني قتلت طنطل عن طريق الخطأ
حين طرت برمح الظلام في المعركة الماضية كنت انت قد احتميت بسيفك الصاعقة وكانت الفرصة مواتية لقتل طنطل إذ كان الظلام مسيطراً على المكان كله كانت تلك أكبر فرصة لي لقتل طنطل فالكل يظن أنه ولدي وكان من الصعب أن اقتله خارج الحرب فلايوجد سبب وجيه لفعل ذلك فكان غرضي من المعركة بأكملها هو قتل طنطل ليبدو أنني قتلته عن طريق الخطأ
لهذا أعطيته خاتماً مزيفاً لأسلافه لكن ذلك الخاتم كان يحمل سماً يجعله يهلوس مما حفزه أن يفتدي عشتار بحياته

كان جلجامش يقف مدهوشاً من هول مايسمع: لا أصدق كيف لم يكتشف أحد أمرك حتى الآن كيف استطعت السيطرة على الجن لسنين طوال وأنت إنسي

عيقم: لأنني حين أقتل أي جني استحم بدمه واخلط معه مادةً للتحنيط فتطغى رائحته على رائحتي والجن محكومون بالرائحة ناهيك أن السحر الذي شكلت به هيئتي على هيئة عيقم بعد أن قتلته بات صعبا على أي أحد معرفة انني إنسي فسحري قوي جداً هههه فقط كان ذلك العجوز يارخ من عرف بحقيقتي لأنه كان صديقاً حميماً لعيقم
جلجامش: لماذا لم يتكلم إذن

عيقم: لأنه كان مغروراً جداً كان بإمكانه قتلي مذ عرف بحقيقتي إذ لم أكن أملك قوة كبيرة مثل الآن لكنه نظر لي باحتقار وأدار ظهره قائلاً أنه ليس بإمكان الإنس التغلب على الجن مهما كان السحر قوياً فكان كل ماجرى بمثابة تحد بيني وبينه هل رأيت كيف استطاع إنسان ضعيف إثارة الفتنة والحرب والقتل سنيناً طوال في أرض الجن هههه

جلجامش: يالك من إنسان حقير

عيقم: لامزيد من الثرثرة حان وقت موتك

جلجامش: ستموت أيها الساحر ستموت أعدك بذلك

عيقم: سنرى

أخذ جلجامش يلوح بسيفيه بسرعة كبيرة
وعيقم يلوح بالمطرقة بسرعة أكبر وسيف الصاعقة وسيف اللهب يدوران في الهواء بسرعة رهيبة وسط الظلام الحالك فقط برق ولهب

رفع عيقم المطرقة فأخذ السيفان يدوران حولها ثم بسرعة وجه المطرقة تجاه جلجامش فامتزج السيفان اللهب والصاعقة ككتلة واحدة متجهة لجلجامش بسرعة رهيبة

كتلة رعد ولهب متجهة لجلجامش كضربة قاضية

اطلق جلجامش زوبعة قوية من سيفيه ارتطمت بالكتلة النارية الرعدية لكن لم تصمد الزوبعة أمام هذه القوة الهائلة فتبددت الزوبعة بسرعة وضربة الكتلة جلجامش فدفعته للخلف بقوة جبارة

ارتطم جلجامش بصخرة كبيرة اهتز الجبل بأكمله من قوة ارتطامه

والقوم في الأسفل ينتظرون بخوف زاد من الهزة منهم من يدعي ومنهم من يبكي ومن هم من هم بالهروب

مانجلت الكتلة بنارها ورعدها إلا وكلا السيفين الصاعقة واللهب مغروسان في كتفي جلجامش وعين الذئب سقط تحت رجليه
لم يكن بإمكان جلجامش التحرك فقد خارت قواه من هذه الضربة القاضية

اتجه له عيقم بالمطرقة وهو يضحك: أهذا كل مالديك ليتني لم أقتل يارخ ليرى نهايتك وأثبت له أنه كان غبياً حين استخف بي .. الأحمق قال لي أنني سأقتل بسلاح من صنع يده ههه هذا هو السلاح ألصق عين ذئب في حجر مغناطيس ويظنه أقوى سلاح هاهاهاها إنه غبي جداً وبدائي أمام قوتي وسحري وأسلحتي الفتاكة

وصلت العنكبوت بعشتار فوق قلعة جلجامش

العنكبوت: هه وصلنا لمصرعك الآن أيتها الإنسية البائسة

أخذت عشتار تحاول تحريك جسمها علها تفك رباطها لكن دون جدوى فقط استطاعت إخراج كفها فأخذت تحرك أصابعها بسرعة فانسل الخاتم من إصبعها وسقط
كانت عشتار على علم أن جلجامش قد وصل لقلعته الآن ولابد أنه سيعلم أنها خلعت الخاتم وسيهب لنجدتها لكن مالم تعلم به عشتار أن جلجامش أحوج بالمساعدة منها وأنه قد أوشك أن يقتل على يد عيقم

أخذ الخاتم يسقط ويسقط
كان جلجامش قد نكس رأسه مستسلماً بعد أن خارت قواه وأضحى محصوراً لاطاقة له أن يتحرك والسيفان الصاعقة واللهب منغرسان في كتفيه وهو ملتصق بصخرة الجبل
أحس جلجامش أن عشتار قد خلعت الخاتم فبكى قلبه وعيقم يقترب منه
فجأةً أحس جلجامش أن الخاتم قريب منه جداً رفع رأسه عالياً فرأى فصاً أحمر يلمع وكأنه نجم يهوي من السماء
بسرعة ركز جلجامش نظره على الخاتم فاتجه له الخاتم بسرعة رهيبة
وارتطم بالأرض تحت قدم عيقم فانفجر الخاتم ملقياً بعيقم بعيداً
أحس جلجامش بقليل من الأمل فمد رجله ليسحب سيفه
نهض عيقم بغضب وهو ينظر للأعلى فرأى العنكبوت نظراً لكبر حجمها فاستل رمح الظلام وألقى به على العنكبوت بكل ما أوتي من قوة لظنه أنها كانت تساعد جلجامش

كانت العنكبوت ممسكة بعشتار ويدها متجهة لعيني عشتار بسرعة لتفقأها وعشتار مغمضة عينيها مستسلمة
لكن كانت المفاجأة حين انغرس رمح الظلام في صدرالعنكبوت قاذفاً بها بعيداً عالياً في السماء أما عشتار فغدت تسقط مرة اخرى وهي لاتدري بما يحدث أسفلها

كان عيقم يتجه لجلجامش من جديد وهو يحمل المطرقة حين أبصر شيئاً آخر يسقط من السماء
ركز النظر وإذا به يقول بغضب: إنها تلك ألإنسية مجدداً كان علي أن أتوقع قدومها

مد عيقم يده تجاه عشتار فاتجهت إليه بسرعة وغدت معلقة في الجو أمامه

وصلت عشتار وأخذت عشتار نظر مدهوشة وهي معلقة في الهواء لاتقوى على فعل أي شيء

صرخت عشتار: جلجامش حبيبي ماذا حل بك

صرخ جلجامش بيأس: عشتار ماذا جاء بك إلى هنا

عشتار: أيها الشرير اتركني

عيقم: ستموتين أنت وحبيبك لاتخافي أيتها الشقية

صرخ جلجامش: دعها تعيش فهي مخلوق ضعيف لادخل لها في كل ماحدث ولن يضرك إن بقيت على قيد الحياة

ركزت عشتار نظرها في عين عيقم إذ كان هذا هو سلاحها الاخير عينيها المسحورتان

جلجامش بيأس: عشتار إنه ليس جني إنه ساحر إنسي خبيث

أصيبت عشتار بصدمة كبيرة من هول ماسمعت وسط ضحكات عيقم
” عيقم من البشر .. عيقم إنسان .. كيف ذلك .. ياإلهي”

مد عيقم يده تجاه عشتار يسحبها إليه بسرعة فانتشر شعرها وتناثرت خيوط العنكبوت متمزقةً في الهواء بقوة
وطارت ذرة من زهرة الياسمين كانت قد بقيت في شعر عشتار
واستقرت هذه الذرة في أنف عيقم فانتفض عيقم وتسمر مكانه وكأنه تشنج أو أصيب بشلل وهو مشدود الأعصاب لايتحرك

سقطت عشتار أرضاً مستغربة ماذا يجري

قال عيقم بصوت متقطع وكأنه يحاول حبس هذا الصوت: أأأأ…أأأأأ….أمي…ييي

احتارت عشتار ماذا يجري
عيقم مرة أخرى بصوت متقطع: أمي أنا ابنتك

سقطت عشتار أرضاً مرة أخرى ” يا إلهي إنه ذات الساحر الذي كان سيقتل لواح زوجة الأجهش وقامت ابنة الأجهش بتلبسه ولم تخرج منه خوفاً أن يقتل أمها وهي تظنني أمها ياترى ماكان اسمها … نعم إنه نارين … نارين”

عشتار: نارين ابنتي

عيقم بغضب: لللللا..لا إنها ليست أمك أيتها الغبية عودي لسباتك

عشتار: نارين احتاج مساعدتك لاتدعيه يتحرك إنه شرير يريد قتلي ساعديني

عيقم: لللللا… للللا ددددعيني
وتجمد عيقم مكانه وكأنه جدعٌ يابس فقط يحرك عينيه حول عشتار وفمه مفتوح ويهتز اهتزازاً مرعباً

انطلقت عشتار تجاه المطرقة حاولت رفعها لكنها كانت ثقيلة جداً فأخذت عشتار تنظر حولها بسرعة ثم انطلقت لجلجامش

حاولت حمل سيف عين الذئب لكنه كان ثقيلاً على جسمها الضعيف أيضاً

جلجامش: حاولي ياحبيبتي حاولي

لكن دون جدوى إذ كان السيف ثقيلاً على عشتار
أخيراً مدت عشتار يديها لسيفي الصاعقة واللهب تريد تريد سحبهما من جسم جلجامش تخليصه

صرخ جلجامش: لااااااااااا

لكن عشتار كانت قد أمسكت بالسيفين فانصعقت يدها اليمنى وانتشر اللهب على يدها اليسرى وطارت للخلف عالياً

بعد الصدمة التي أصابت عشتار من لمسها للسيفين اهتز السيفان فاستطاع جلجامش تخليص نفسه وسقط السيفان أرضاً
فانتفض بسرعة للامساك بعشتار لكنه انتبه أن نارين خرجت من جسد عيقم بسرعة متجهة لعشتار هي الأخرى فتخلص عيقم منها
التقط جلجامش سيفه عين الذئب وطار بسرعة رهيبة لعيقم قائلاً: خذذذذذذ

طعن عيقم بالسيف في بطنه طعنةً خرجت من ظهره

عيقم: آآآآآآه مستحيل

حاول عيقم إمساك جلجامش بيديه لكن جلجامش ركله برجله وألقاه بعيداً
فسقط عيقم أرضاً يخور بدمه لا يتحرك أخيراً

وأتى شيءٌ يسقط من السماء
كانت تلك هي العنكبوت

امسك جلجامش سيفه بحذر لكنها سرعان ماسقطت لاتتحرك فوق عيقم وامتزج دمها البنفسجي بدم عيقم الأسود
وعينها ترف تنظر لجلجامش بحسرة
فانتزع جلجامش رمح الظلام من صدرها وفقأ عينها فماتت

التفت جلجامش لعشتار ونارين
كانت نارين طفلة صغيرة تكبر بناته قليلاً وكانت تشبه عشتار لحدٍ كبير

أفاقت عشتار بإرتعاشةٍ صغيرة بعد أن مسحت عليها نارين بيديها

عشتار: نارين

نارين: أمي هل أنتي بخير

جاء جلجامش مسرعاً واحتضن عشتار: عشتار هل أنتي بخير

عشتار: هل عيقم؟؟

جلجامش: لقد مات

تنفست عشتار الصعداء واحتضنت نارين

عشتار: نارين أمكِ قضت نحبها لكنني سأكون لك أماً لاتخافي لن أتركك وحيدةً أبداً أنتي ابنتي وروحي وأفديك بحياتي ياحبيبتي

نزلت دمعةٌ من عين نارين واحتضنت عشتار قائلة: كنت أتمنى رؤيتها فقط

عشتار: انظري في عيني

نظرت نارين في عيني عشتار فابتسمت
وجلجامش ينظر لهم بسرور

وخلفه عيقم ممددٌ على الأرض فوقه جثة العنكبوت لايتحرك
فجأة وإذا بالعنكبوت تتحرك مرة أخرى

عشتار: كانت ستفقأ عيني وتلقي بي انتقاماً منك

نظر جلجامش للعنكبوت بغضب وهم أن ينهض إليها
لكن فجأة انقلبت العنكبوت على ظهرها بسرعة وقفز عيقم حاملاً مطرقة يارخ منقضاً عليهم وهو فاتح باعه

احتضن جلجامش عشتار ونارين لحمايتهم إذ كان هجوم عيقم مباغتاً ومفاجئاً جداً
وأوشك أن يقضي عليهم بالمطرقة

لكن

سال قليلٌ من دم عيقم على عصا المطرقة فأصدرت صفيراً مرعباً وانطلقت عصى المطرقة كالرمح واخترقت صدر عيقم فسقط أرضاً

ممدداً يابساً مكانه ودمعه مختلطٌ بدمه

نهض جلجامش ووقف فوق عيقم وعيقم يلفظ أنفاسه بصعوبة وقال: لقد صدق يارخ حين قال لك أنك ستموت بسلاحٍ من صنع يده أيها الوغد

وضرب جلجامش بكفيه على رأس عيقم بقوة جبارة وانتزع رأسه من رقبته والقى به من سفح الجبل ودمه الأسود يتطاير في كل مكان

رفس جلجامش جسد عيقم واسقطه من فوق الجبل أيضاً

كان القوم لايعلمون مايجري فوق الجبل فقط يسمعون صوت مقارعة السيوف وصوت الرعد لكن حين سقط رأس عيقم وجسده وراءه
انتفض القوم جميعهم قوم عيقم وجلجامش

تقدم جلجامش من سفح الجبل ينظر لقومه بزهوة نصر

أخيراً انتهى كل شيء

تعالت صرخات قومه فرحةً بالنصر

حمل جلجامش عشتار ونارين ونزل بهم من سفح الجبل بعد أن خلعت فرو الذئب وغرز جلجامش سيفه عين الذئب في سفح الجبل معلقاً عليه الفرو كنصب تذكاري

نزل جلجامش على الأرض واتجه بهيبة للمنصة بجانبه عشتار تحمل نارين وهي تنظر للجن وهي متوجسة قليلاً لكن بدا أنها تعودت قليلاً على النظر للجن بعد كل الأهوال التي مرت بها

صعد جلجامش على المنصة ونظر للقوم قائلا: ياقوم انتهت الحرب وانتصرنا على الطغاة من اليوم بدأ عهد السلام

تعالت أصوات القوم بالتهليل والهتاف ” يحيا الأمير .. يحيا الأمير”

جلجامش: إن هذا ليس عيقم ملككم أنه ساحر إنسي قتل عيقم منذ زمن بعيد وانتحل شخصيته وكان يريد القضاء على جميع أشراف الجن ليحكم الجن ويحكم العالم بالشرور والسحر لأغراضه الشخصية

تعالت صرخات من جند عيقم فهرع سامد بسرعة لجثة عيقم يتفحصه ثم نهض والوجوم والغضب بادياً على وجهه والدموع تملأ عينيه

سامد: ياله من حقير كم تمنيت لو قتلته بيدي وهل أكد لك أنه قتل عيقم

جلجامش: هذا ماقاله

سامد: إذاً فأتفاقكم فقد شرعيته إذ أنه ليس بعيقم الحقيقي ولا يحق لك حكم شعبنا بمجرد التغلب على ملك مزيف إنسي فمازال القعقاع على قيد الحياة

جلجامش: لا تقلق ياسامد لا أريد حكم شعبكم فقط دعونا نعيش بسلام ألاتعتدوا علينا ولانعتدي عليكم إما أن توافق على هذا أو نحسم الأمر الآن

نظر سامد لجلجامش ثم قال: كما قلت لقد مات الطاغية الذي كان يدعو للحرب ولاطاقة للقبيلتين في مزيد من القتال الأفضل لنا أن نتعايش بسلام

وتعالت الهتافات من الجميع هذه المرة

خرج سامد بالجنود من القلعة وهم في حالة صدمة وكأنهم لايعلمون أين سيذهبون وماذا سيقولون لقومهم

بعد أن خرج الجنود جميعهم وأغلقت أبواب القلعة والقوم مازالوا ينظرون لعشتار وجلجامش وكأنهم يريدون تفسيراً لوجود إنسية بينهم

جلجامش: ياقوم إن هذه الإنسية زوجتي عشتار وأم ابنتاي وقد أنقذت حياتي أكثر من مرة لولاها لقتلني عيقم وصار ملكاً عليكم إنها أميرتكم

عم صمت في جميع أرجاء القلعه

تقدم جني عجوز جداً كان المستشار الخاص لأب جلجامش و بالكاد كان يمشي
صعد على المنصة ونظر لعشتار فأنزلت رأسها للأسفل كي لاتلتقي أعينهما ثم نظر لجلجامش وقال: لطالما رفض أبوك فكرة زواجك من هذه الإنسية وكان يتألم كثيراً لنفيك من أرض الجن
كان دائماً يقول أنك أفضل من يحكم أرضنا بعده من بين أولاده لكن ولعك بهذه الإنسية أخاب أمله فيك

أحس جلجامش بحزن كبير لكن الجني العجوز بادره قائلا: حين بات أبوك على فراش الموت اجتمع بوزراءه ومستشاريه وأمرهم أن يجلبوك حين يتطلب الأمر ذلك وإلا لما طلبناك من أرض الإنس لأنك منفي أصلاً لكن كانت هذه هي وصية أبيك الأخيرة
قال أنك الوحيد من أولاده من له القدرة والقوة على الحكم والتغلب على الظلم
قال إنك أعظم إنجازاته
وماحدث في الأيام الماضية أثبت صحة كلام أبيك وأنك كفؤ بأن تحكمنا أنت وزوجتك سواءً كانت جنيةً أم إنسية لايهم مادام هدفها حماية الملك ومملكته

تعالت هتافات القوم بالفرح والتهليل والهتاف باسم جلجامش وعشتار

قبض جلجامش على عشتار وطار بها عالياً في السماء بسرعة ونارين خلفهما

عشتار: إلى أين؟؟

جلجامش: أحقاً لاتعرفين؟

عشتار: أهم مكان يفترض بنا الذهاب إليه الآن هو قلعة الجنيات السبع لاسترد بناتي

وصل جلجامش لقلعة الجنيات السبع
كانت مليئة بالأشجار والأزهار والأنهار مخضرة كل شيء فيها جميل

وصاح بوقٌ جميل منذراً بقدوم جلجامش

نزل جلجامش في بحيرة تحيط بها أزهار الياسمين من كل جانب وفراشات تملأ المكان كله

عشتار: لقد رأيت هذا المكان من قبل

جلجامش: لاشك في ذلك

عشتار: لكن كيف وأنا لم آتي هنا من قبل

جلجامش: الجنيات هن أحلام أمهن
و
نزل جلجامش على صخرة في منتصف البحيرة أما نارين فانهمكت بجمع زهور الياسمين

عشتار بلهفة: أين بناتي؟؟

جلجامش: إنهم قادمون علينا أن ننتظرهم هنا

أسندت عشتار ظهرها بصدر جلجامش وهي سرحة في البحيرة وكأن بالها مشغول بشيء ما

جاء النداء من بعيد: ماما .. ماما

رف قلب عشتار حتى كاد يطير من مكانه إنه لقب لكم اشتاقت لسماعه التفتت واذا بابنتاها تطيران بسرعه تجاهها

احتضنت عشتار ابنتاها وساد البكاء على فرحة اللحظة بسكون

اقتربت نارين تنظر بصمت

فبادرتها عشتار: نارين تعالي ياحبيبتي إنهما أختاك ران ونالا

ونظرت لابنتاها قائلة: إنها أختكم الكبرى

نظرت ابنة عشتار ران لنارين وقالت: شعرك جميل جداً

ابتسمت نارين وردت: لأنني ازينه بزهور الياسمين دائماً، هل تريدين أن أصنع لك طوق زهور وأزين شعرك به

ران وهي تقفز فرحاً: نعم نعم

أمسكت نارين بيد ران ونالا وأخذوا يحلقون حول البحيرة وضحكاتهم تملأ المكان

كانت عشتار تنظر لبناتها بفرحةٍ كبيرة
وهن منشغلات في زهور الياسمين

ثم نظرت لجلجامش الذي كان مسمراً عيناها ينظر وجهها الجميل فانزلت رأسها بابتسامةٍ خجلة

فجأة سقط على شعرها الأسود الطويل طوق ياسمين جميل جلبه بناتها ثم عادوا يدورون حول البحيرة وهن يلعبن ويتضاحكن

جلجامش: ما أحلا تاجك .. يا أميرة الجن

ضحكت عشتار

جلجامش: مايضحكك

عشتار: أضحك على حالي أميرة معصوبة العينين في عالم الجن ومشعوذةٌ مجنونة في عالم الإنس بت لا أدري من أنا وكيف سأكون وأين سأعيش

احتضن جلجامش عشتار ورفع ذقنها لتلتقي عيناهما وقال:
لاتقلقي ياحبيبتي ألتم شمل عائلتنا أخيراً
آه كم اشتقت لعينيك يا الله ما أحلاك

ذري الدنيا ومافيها
وتعالي نخليها فيمن يخليها
لاجنها نرى..ولانسمع بإنسيها
وارمي جراحك على صدري وإنسيها
اغمضي عيناك وأّرقِصِي فاك
واجمعي يدانا ودعينا
نرقص على نهر فرات
في ليلة دافئةٍ بلحن غناك
بادليني الرقص بالحب
ودعينا نصعد في سماء سراب
نتعانق ونطير
ولا يغطينا اي جلباب
دفئيني .. ودفئي السحاب
حتى تدمع عيناه ويقول .. الله ما أحلاك
وننزل في مطر رذاذٍ كعفص سواك
نمتزج معه ونذوب
وتسيرنا الرياح في أي هبوب
حتى ننزل في شلال ماء هلاكي
لاتتركيني..
ضلي ممسكةً بيميني..
لست مغرقك ولا ضير بأن تغرقيني
إن كان عشقك عكس التيار
فأرجو أن تسحبيني
كجنية نهرٍ أردت بكل من مد يده لها
راودته عن نفسه ونفسه هامت بها
حتى انغمر فاهُ بماها
وغاب هواهُ .. في هواها
ماحاجتي لتنفس هواءٍ وقد غرقت في هواك
الله ما أحلاك.. الله ما أحلاك

نزلت دمعةٌ من عين عشتار فمسحتها وابتسمت قائلة: لاحرب بعد اليوم أتعدني بذلك

جلجامش وهو يضحك: ما أنت

نظرت له عشتار بثقة مبتسمة:

أنا الإنسية التي تزوجت جني…

تمت…

حسن المصوف

الحلقة الرابعة عشرة- الإنسية والجن

قصة الإنسية التي تزوجت جني

الحلقة الرابعة عشرة

بعد أن قام الأجهش بخطف عشتار واقتيادها لمغارته واقناعها بإيقاظ حبيبته لواح استطاع جلجامش التدخل في اللحظة الأخيرة وتخليص عشتار حتى لاتموت عند إيقاظها للواح بأن كسر تابوت لواح الزجاجي وسقطت ميتة في النهر الذي جرفها بعيدا مما أثار غضب الأجهش وجعله يلحق بجلجامش الذي كان متجهاً ليارخ بسرعة وقد كان الأجهش قد أطلق زوابع عظيمة جدا للقضاء على جلجامش لكن لحسن حظ جلجامش أنه وصل ليارخ بسرعة واستطاع يارخ صنع سيف عين الذئب في وقت قياسي جدا أتاح لجلجامش خوض معركة عظيمة ضد الأجهش أسفرت بانتصاره وموت الأجهش لكن لسوء الحظ فقدت عشتار وعيها وحين أفاقت بعد المعركة كانت فاقدة للذاكرة

جلجامش: عشتار حبيبتي أفيقي أرجوك

فتحت عشتار عينيها وأخذت تنظر لجلجامش باستغراب

جلجامش: لاعليك ياحبيبتي لقد تغلبت على الأجهش لقد مات

عشتار: ماهذا المكان وماهو الأجهش وأين ابنتاي

أصيب جلجامش بحيرة كدرت زهوة انتصاره

اخذ جلجامش ينظر حوله كان كل شيء مدمر سوى يارخ الذي مازال منهمكاً في صنع سلاحه وكأنه لم يحس بشيء

عشتار: هل نحن بعيدون عن المنزل عليك أن تخلد للنوم باكراً هذه الليلة لا أريد أن تتأخر عن عملك كالعادة

انهار جلجامش واخذ يحدث نفسه ” يا إلهي هل فقدت ذاكرتها فعلاً.. ليس الآن ياعشتار .. إنها لاتتذكر أنني جني حتى … يا إلهي مالعمل”

جلجامش: ألا تتذكرين أي جني

عشتار بهلع: ياإلهي ماذا تقول ياجلجامش لماذا تخيفني ونحن في هذا المكان المريب وكيف جئنا هنا

جلجامش بإحباط: لاعليكي ياحبيبتي هيا بنا نعود للبيت

فجأة سمع صوت دوي كبير وحوافر قادمة من بعيد

بسرعة قام جلجامش بلف خرقة على عين عشتار

عشتار بقلق واستغراب: ماذا يجري لماذا تقوم بعصب عيني

جلجامش: حبيبتي أنت لاتتذكرين لقد أصبت بضربة في رأسك وقد أمرني الطبيب أن أعصب عينيك حتى تنالان قسطا من الراحة

عشتار بتعب: حقاً ..لا أتذكر أي شيء .. لكنني أشعر بصداع رهيب و أحس بألم شديد في جميع أعضاء جسمي

جلجامش: لاعليكي سيكون كل شيء على مايرام

وضع جلجامش يده على جبهة عشتار فغابت عن الوعي ودخلت في سبات عميق واتجه ليارخ الذي مازال منشغلا في عمله ودون أن ينطق ببنت شفه اختبأ هو وعشتار تحت الدرع الذي كان يصنعه يارخ

ماهي إلا لحظات وامتلأ المكان بكتيبة استطلاعية من جيش عيقم أحاطوا بيارخ

قال قائدهم مخاطبا يارخ: يارخ ماذا حدث هنا منذ قليل لقد رأينا زوبعةً عظيمة

أجاب يارخ دون أن يلتفت: كنت أجرب سلاحاً جديداً

قائد الكتيبة: وماهذا السلاح؟

توقف يارخ عن عمله ونظر لقائد الكتيبة باستصغار مما أثار الذعر في نفس قائد تلك الكتيبة

قائد الكتيبة: عذراً يا يارخ لكن ألم ترى كتيبةً من جند عيقم يفترض أنهم وصلوا إلى هنا في هذا الوقت

يارخ بلامبالاة: لم يمر أحد من هنا

وعاد يارخ لعمله بهدوء

أحس قائد الكتيبة أن لافائدة ترجى من التحدث ليارخ فأمر جنوده بالانسحاب والعودة

بعد رحيل الجنود خرج جلجامش من تحت الدرع فبادره يارخ: لماذا تختبأ وأنت تملك أقوى سيف في أرض الجن لايفترض بك خوف أي شيء الآن فأنا اعتد عليك

جلجامش: قتالهم لن يعود علي بفائدة ناهيك أنه لو تمكن أحدهم من الفرار فسيعلم عيقم أنني حر طليق وسيأخذ احتياطه وأنا أريد مباغتته لكن شكراً على مساعدتي.. لن أخيب ظنك

يارخ بلامبالاة: لم أكذب عليهم فقد كنت اجرب سلاحاً جديداً فعلاً

ابتسم جلجامش واخرج عشتار وحملها بين ذراعيه وطار بها عاليا تاركا يارخ منهمكاً في حرفته

مضت نصف ساعة ويارخ يعمل بهدوء وتناغم وطرق مطرقته يسليه وسط نسيم الهواء الجميل.

فجأة توقف يارخ عن العمل مزمجراً و قال: دائماً يوجد نسيم هواء عليل بعد أي معركة لكن هذا يبدو أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة

أجاب عيقم الذي كان قد أتى لتوه طائراً بهدوء: لازال سمعك قوياً أيها العجوز

التفت يارخ ونظر لعيقم قائلاً: وأنفي مازال يشم جيداً رائحتك النتنة أمازال قومك لم يكتشفوا أمرك بعد

عيقم: هه لن يكتشفوه أبداً لقد اقتربت من تحقيق مبتغاي. قل لي ماهو السلاح الذي صنعته لتوك ولمن صنعته

يارخ: هه أنت تعلم أنني لن أخبرك

عيقم: أعلم ذلك لكنني أردت أن أعطيك فرصة لتعيش

يارخ:كان علي أن أقتلك منذ زمن بعيد حين سنحت لي الفرصة لكن لايهم إن قتلتك الآن أو استطعت قتلي مايهم أنك ستموت بسلاح من صنع يدي

صرخ عيقم بغضب: أيها العجوز النخر أخبرني ماذا فعلت ومن ذا الذي صنعت له سلاحا.. أتظن أنه بقي أحدٌ في عالم الجن يتجرأ علي لم يبقى سواك أيها الغبي سأقتلك وأرمي بك في وادي الذئاب

يارخ: هذا ماجنته إيدي الجن الأغبياء بتعاملهم مع الإنس فعل مثل هذه الأمور جعل واحداً إمعةً مثلك يصبح ملكاً

امسك يارخ مطرقته العملاقة برشاقة وقذف بها تجاه عيقم بسرعة لكنها توقفت معلقة في الهواء أمام أنف عيقم

أخذ يارخ ينظر بتعجب وغضب حين بادره عيقم: هههه أتظن أن قواي لم تتطور بعد كل تلك السنين.

يارخ: مشكلتك هي ظنك أنك أنت الوحيد الذي قد تطور

وسرعان ما اصدرت مطرقة يارخ صفيراً عالياً واخذ البخار يخرج منها وانفجرت أمام وجه عيقم

أراد عيقم صدها لكن لم يحالفه الوقت لكنه استطاع طقطقة أصبعه بأية حال

مانجلى الانفجار إلا ومطرقة يارخ كانت قد تحولت إلى قفص كبير يسجن عيقم والدماء تسيل من جميع أرجاء جسمه

ضحك يارخ وهو يقترب من القفص قائلا: هل تريدني أن اربط هذا القفص ببغل واجعله يركض في أرجاء قلعتك

صرخ عيقم بغضب: عشت مغرورا وستموت مغترا بحماقتك.. أكثر مايفرحني في الأمر أنني سأقتلك بسهولة

وإذا برمح انغرز في ظهر يارخ وخرج من خاصرته أدار يارخ رأسه بشموخ ليرى الذي غدر به وكانت المفاجأة أنه عيقم آخر برمح الظلام

أحتار يارخ عيقم في القفص وعيقم آخر وراءه

عيقم: هه اليوم من أسعد أيام حياتي استطعت قتل صديقي وكاتم سري

يارخ: آاسف على يومٍ عرفتك فيه أيها الصعلوك الغادر أتقتلني غدراً وأنت ملك الجن إنك جبان ووضيع لاشرف لك

غضب عيقم واستل سيف الصاعقة: فرصتك الأخيرة أخبرني مالسلاح الذي صنعته ولمن وماهي نقطة ضعف هذا السلاح كي أدعك تموت دون عذاب

نظر يارخ لعيقم وقد أوشكت أن تفيض روحه وغدا كلامه ثقيلاً

قرب يارخ رأسه من عيقم يريد أن يقول كلماته الأخيرة فاقترب عيقم منه

كانت كلمات يارخ الأخيرة أن بصق في وجه عيقم بصقةً لخص فيها كل مايمكن أن يقال فغضب عيقم غضباً شديداً واحتز رأس يارخ بسيفه

تخلص عيقم من يارخ أخيراً وأخذ ينظر لهذا الجني الشامخ الذي حتى بعد قطع رأسه بقي واقفاً
لم يسقط ذلك الجسد الشامخ ليحسس عيقم أنه صغير أمام هذه العظمة وأنه ليس كل من بقي على قيد الحياة قد انتصر

سحب عيقم رمحه بغضب وامسك بالقفص فانفك وعاد مطرقةً من جديد والتحم عيقم الذي كان داخل القفص بعيقم الذي كان خارجه ليعود عيقما واحداً

ثم طار عائداً لقصره بسرعة وكان سامد ينتظره عند شرفة القصر
سامد: هل تحدثت مع يارخ

عيقم بغضب: بل قتلت الوغد

سامد بفزع: قتلته.. ياإلهي.. لماذا فعلت ذلك يامولاي

عيقم: لقد تحملت غرور هذا الأحمق سنيناً طوال كان لابد أن ألقنه درساً لطالما كان يثير غضبي حتى في موته غلبني.. الحقير

سامد: لكن يامولاي لم يقدم أحد من قبل على قتل صانع أسلحة هم جن محايدة مثل الجن المرسول لايآخذ المرسول بجريرة راسله

عيقم: هنالك مؤامرة ما تدور حولنا وأنت لاتعلم بشيء ياسامد أتمنى ان يمر غداً بسلام فقط

سامد بقلق: في الواقع هنالك أمرٌ خطير ما يامولاي

عيقم: ماذا حدث؟؟

سامد: قبل يوم انفجر البركان وسرعان مانخمد فأرسلت كتيبة استطلاعية جائتني بخبر حراس البركان الحمر

عيقم: ماذا بهم

سامد: وجدناهم مقتولين

عيقم: ماذا!! جميعهم ..هل جننت .. ماذا تقول.. كيف حدث ذلك.. متى.. وأين حجر المغناطيس هل سرق حجر المغناطيس؟؟

سامد: حجر المغناطيس مازال مكانه أما بالنسبة للجن الحمرلانعلم أي شيء فقط وجدنا سيف ياحين مغروساً في إحدى صخور البركان

عيقم: ياحين!! قائد جيش جلجامش الذي فر بعد المعركة؟؟

سامد: نعم يامولاي
عيقم: هل يعقل أن جلجامش استطاع الهرب من السلحفاة بمساعدة ياحين

سامد: مستحيل فأنا بنفسي من اخذتهم للسلحفاة ومتأكد أنه لم يكن يتبعنا أحد وحتى أنا لاأستطيع معرفة أي سلحفاة التي يوجد جلجامش وعشتار بداخلها وكما يعلم مولاي لاتوجد أي طريقة يستطيع بها جلجامش الخروج من السلحفاة

عيقم بغضب: يستحيل أن يكون بمقدور ياحين التغلب عليهم وحده هل جننت.. هل تعلم ماذا كان علي أن أفعل لأجعل هؤلاء الجن موكلون بحراسة هذا البركان

سامد: المعذرة يامولاي لكن الجميع مشغول للاستعداد ليوم التتويج غذا

عيقم: الم أقل لك أن ليارخ يد في الموضوع لابد أن له يد في ذلك وإلا من سيجرأ على الاقتراب من الجن الحمر سواه

سامد: إذاً فقتله قراراً موفقاً يامولاي، لكن علينا أن نتأكد مما حدث ونتقصى

عيقم: اممم فعلا فعلا.. لكن الأهم الآن هو حراسة حجر المغناطيس فهو الشيء الوحيد الذي يحفظ توازن هذه الأرض إن سرق أو تحرك من مكانه.. أرسل أقوى الجن لحراسته

سامد: عذرا يامولاي لا يوجد من هو أقوى من الجن الحمر في جيشنا وقد ماتوا جميعاً من شيء نجهله حتى الآن، جنودنا يخافون من الاقتراب هناك.

عيقم: هذه الحرب اخذت أناساً أعزاء ومخلصين لم يبقى لي سواك أنت والقعقاع

سامد: ماذا يأمر مولاي بشأن البركان

عيقم: امممم لاأستطيع التخلي عنك فأنت تعلم أنك ساعدي الأيمن

سامد: لكن هذا يعني أنه يجب على القعقاع أن يذهب إلى هناك

عيقم: لاخيار سوى ذهاب القعقاع ونستطيع تنصيبه فيما بعد على قلعة جلجامش

سامد: حسناً يامولاي سأرسله على رأس كتيبة لحراسة البركان حتى تنتهي مراسم التتويج وبعد ذلك ننظر في الأمر

استأذن سامد مبتعداً عن عيقم مما جعل عيقم يتنفس الصعداء وذهب عيقم مسرعا لمخدعه اغلق الباب ثم قام بإخراج كيس مليء بالدم كان ذلك هو دم يارخ وصب الدم كله في حوض كبير خالطاً معه بعض السوائل الغريبة وخلع ملابسه وتمدد في ذلك الحوض ثم أخذ يحرك يديه في ذلك الحوض ويطقطق أصابعه حتى تشكل الدم على هيئة رجل مائع

سأله عيقم: ماذا كان يصنع يارخ

تشكل الرجل المائع بهيئة سيف

احتار عيقم لكنه سأل مجددا: هل هذا السيف قوي

هز الرجل المائع رأسه بالايجاب

عيقم: لمن صنعه

تشكل الرجل المائع بهيئة ذئب

تفاجأ عيقم وقال محدثاً نفسه ” ماذا يكون هذا الذئب”

عيقم: امممم هل جلجامش موجود في أرض الجن؟

هز الرجل المائع رأسه بالنفي

أخيراً اطمأن عيقم قليلا واسند رأسه يفكر في هذا الذئب المجهول لكن طالما لاوجود لجلجامش في أرض الجن سيسير كل شيء كما خطط له.

كان الوقت قد اقترب من منتصف الليل حين وصل جلجامش لبيت عشتار في أرض الإنس

جلجامش محدثاً نفسه ” طالما أنها فاقدة للذاكرة يجب علي أن لا أخيفها بموضوع الجن برمته فستتطلب وقتا لتستوعب وقد تجن علي أن أتركها هنا فبقائها هنا آمن جداً لاسيما أن الجميع مازال يظن أننا محبوسان في السلحفاة علاوة على ذلك إن حدث لي مكروه أو مت ستعيش هي بسلام”

وضع جلجامش عشتار في سريرها وامسك يدها يقبلها ويتأكد أنها مازالت ترتدي خاتمها أخذ جلجامش يتأمل وجهها الجميل ويتذكر الأهوال التي مرت بها لأجله لقد كان الإرهاق والتعب باديا عليها وعلى جسمها النحيل
جلجامش” لا مكان لهذه الرقة في عالم الجن لقد كان خطأً كبيراً أن تزوجتها منذ البداية لقد عرضت حياتها للخطر وأكاد لاأصدق انها ماتزال على قيد الحياة كان علي ان استمع لنصيحة والدي وأنصاع لامره حين نهاني عن تزوجها مسكينة عشتار ستعيش في عذاب الفراق.. أرجو أن لاتتذكر وتظل فاقدة للذاكرة للأبد”
ثم ذرف دمعة حرقة من عينيه وقبل جبينها قائلا: الله ما أحلاك الوداع يا أحلا شيء في هذه الدنيا

طار جلجامش عائدا لعالم الجن أما عشتار فقد كانت تغط في نوم عميق من شدة التعب والارهاق

راود عشتار حلم غريب وكأن فراشة جميلة أخذت تطير فوق رأس عشتار وعشتار تتبعها في غابة مليئة بزهور الياسمين لسبب لاتعلمه
فجأة و إذا بوطواطٍ لحق بالفراشة يريد أن يأكلها فهربت وعشتار ورائها إلى أن دخلت مغارة بدت وكأنها مألوفة
وكأن عشتار قد كانت هنا من قبل لكنها كلما حاولت أن تتذكر نسيت أكثر
كأنه مشهد يتلاشى كلما حاولت شحذ ذاكرتها لتخيله.. يالعبث الذاكرة

وصلت الفراشة إلى صندوق زجاجي مليء بزهور الياسمين واستقرت في منتصفه
أخذت عشتار تنظر لهذه الفراشة الغريبة وفجأة تحولت الفراشة لامرأة جميلة جداً نائمة اقتربت منها عشتار فجلست من نومها ونظرت لعشتار وهي تبتسم أرادت عشتار أن تتكلم لكن المرأة التي في الصندوق الزجاجي بادرتها قائلة: اسمها نارين عليك ان تهتمي بها

أجابت عشتار: من هي

لكن فجأة سمع صوت زجاج يتكسر وبدأت كل شيء يتلاشى ويختفي

نهضت عشتار من نومها ” يا إلهي أنه حلم”

أخذت تجول بنظرها في المكان أنه بيتها لكنه غريب بعض الشيء ” ترى هل جلس جلجامش من نومه باكراً علي أن اتفقد الطفلتان”

نهضت عشتار واتجهت للنافذة تريد أن تفتحها إذ كانت الشمس قد أشرقت لتوها لكنها تفاجأت حين رأت بنتا صغيرة مقابل مدخل منزلها تجر عربة بها زهور كثيرة وكانت قد أسقطت زجاجة زهور وجلست تجمع الزهور بحذر

أحتارت عشتار “ترى هل صوت سقوط الزجاج هو ما أيقظني أم هل هي من كانت في الحلم”

خرجت عشتار بسرعة بشعر غير مرتب وثوب مهترئ

ما إن رأتها الفتاة الصغيرة حتى همت بالهرب لكن عشتار بادرتها: نارين

توقفت الفتاة تنظر لعشتار ثم قالت: انا لست نارين اسمي زينة

ابتسمت عشتار في وجه البنت الصغيرة وقالت: ياله من اسم جميل كصاحبته وماذا تفعلين في الصباح الباكر يازينة

زينة: أساعد والدتي في بيع الزهور

عشتار: يالها من زهور جميلة من أين قمت بجمعها

زينة بحماس: أمي تعمل في مزرعة كبيرة تشتري من مالكها الزهور ونبيعهم في السوق بسعر أعلى

عشتار: ياله من عمل مربح

زينة: ليس كثيرا فالناس لم تعد مشغوفة بالزهور كما تقول أمي.. هل تودين شراء الزهور يبدو أنك تملكين حديقة جميلة ستزدان بهذه الزهور

ضحكت عشتار قائلة: يالك من بائعة ذكية قولي لي هل يوجد ياسمين لديك

مع أن عشتار كانت قد نسيت الحلم تقريباً لكن لسبب ما سألت عن الياسمين

أجابت زينة بحزن مشيرةً للأرض: للأسف سقطت زجاجة الياسمين لتوها وأتلف الزجاج زهور الياسمين ستوبخني أمي لكن مازالت بعض الياسمينات بحالة جيدة إن كنت تودين شرائها سأبيعها لك بسعر خاص

أخذت عشتار تنظر بتركيز لزهور الياسمين الممتزجة بالزجاج وكأن المنظر يعني لها شيئاً مهولاً

فجأة وإذا بصوت حازم جاء من خلفها: زينة ماذا تفعلين هنا

زينة: أوه ..أمي لقد أسقطت زجاجة الياسمين آسفة جداً أرجوك سامحيني

أمسكت أم زينة ابنتها بعصبية وسحبتها بسرعة مبتعدةً عن بيت عشتار

نادت عشتار: ألا تريدين ثمن زهور الياسمين سأدفعها لك أيتها السيدة

نظرت أم زينة لعشتار نظرةً لم تفهم معناها ثم أشاحت بوجهها مبتعدة مع ابنتها تجر عربتها بسرعة

جثت عشتار على ركبتيها تلملم زهور الياسمين وهي تسمع صوت العربة مبتعدا وضعت زهرة ياسمين جميلة وكبيرة في شعرها الأسود ثم نهضت لداخل الحديقة وجلست في بقعة خالية قرب شجرة التفاح تريد غرس هذه الوهور علها تعيش وتزهر

فجأة إذا بصوت العربة قد توقف وسمعت عشتار صوت الأم توبخ ابنتها زينة من وراء السور

أم زينة: ألم أحذرك مراراً من الاقتراب من هذا المنزل والتحدث لهذه الساحرة هل جننتي

زينة: أوه يا أمي يبدو أنها امرأة لطيفة

أم زينة بحزن: أخاف عليكي يابنتي ليس لدي غيرك تقول الشائعات ان هذه المرأة ساحرة مجنونة قامت بقتل زوجها وابنتيها ودفنهما في حديقة المنزل

جن جنون عشتار حين سمعت هذا الكلام وخرجت مسرعة من حديقتها لخارج المنزل تصرخ: اغربي عن هنا أيتها السفيهة أنا لم أقتل أطفالي إنهم نيام داخل المنزل كيف تجرأين بقول مثل هذا الكلام الفظيع

كان صراخ عشتار وهي تبكي وشعرها الأشعث مع ثوبها المهترئ قد جعل شكلها مخيفاً

سحبت الأم ابنتها وهي تهمس: هيا تعالي بسرعة ألم أقل لك أنها مجنونة

وابتعدتا عن منزل عشتار بسرعة

ركضت عشتار وهي مازالت تبكي لداخل منزلها تبحث عن ابنتيها وكأنها أحست للتو أنها لم ترهم منذ زمن

بحثت في جميع أرجاء المنزل الخاوي وهي تبكي وتصرخ مناديةً ابنتيها وزوجها

نظرت في غرفتها فرأت فراءً كبيراً أحمر لا تذكر من أين اتى وبه قليل من قطرات الدم المتخثر
نظرت على الطاولة فوجدتها مليئة بكتب الجن والشعوذة
أخذت تنظر في أنحاء جسمها فوجدته مليئا بالخدوش والجروح

صرخت وهي تبكي: يا إلهي هل انا مجنونة حقاً .. هل قتلت زوجي .. هل قتلت ابنتاي.. هل أنا ساحرة.. لا لا مستحيل

فجأة سمعت صوت نباح كلب بالخارج كأنه أشعل شيئاً في عقلها
خرجت بسرعة كان كلباً لأحد المارة بقرب المنزل
توسطت عشتار الحديقة
تنظر للكلب المبتعد
تنظر لزهور الياسمين وتجول بنظرها للحديقة التي بدت غريبة
إلى أن استقر نظرها على شجرة التفاح.. شجرة التفاح.. أبالا
بدأ الكون كله يبتعد والشجرة تقترب
أصيبت عشتار بدوار في رأسها
صداع شديد
لكنها كانت تقاوم
فهذا الصداع بدا وكأنه يزيل الغمامة من عينيها شيئاً فشيئاً
وكأن عشتار بدأت تفيق
بدأت تتذكر
أحست بالتعب
دخلت للمنزل متجهةً للحمام
أدخلت رأسها في حوض مليء بماء بارد
أغمضت عينيها مسترخية علّ الدوار الذي برأسها يخف أو يختفي
أحست بحرارة أمام وجهها
فتحت عينيها لتفاجئ بخيال شبح مخيف وجهٌ دون معالم فقط أسنانٌ مخيفة

شهقت عشتار شهقة كبيرة وقفزت عاليا وسقطت أرضاً من الفزع وأخذت ترجع للوراء إلى أن ارتطم رأسها بالجدار
أخذت تنظر للحوض مجدداً “إنه حوض صغير لايمكن أن يتسع لشيء سوى رأسي”

تمالكت عشتار نفسها ووقفت تنظر للحوض الذي بدا خاليا

تمتمت عشتار بسرعة رهيبة: الدلهاب.. يوجد في البحر فقط ..وهو فصيلة من الجن تسكن البحر.. صورته إنسان بدون ملامح.. فقط وجه اخضر بدون عينين ولا انف ..له فم كبير واسنانٌ كأسنان قرش .. جلده كصخر البحر يتعرض للمراكب ويقذف أهلها في البحر

كاد قلب عشتار يتوقف حين سمعت فمها يتفوه بهذه الكلمات
بدأت تذكر
أبالا ..الحية ..الشق..الدلهاب نعم الدلهاب ..السعلاة..الخفاش.. الاجهش..قلعة جلجامش جن جن إنهم جن فعلاً..معركة عيقم.. الاخطبوط.. وحيد القرن ..طنطل ..ياحين ..ابنتاها وقلعة الجنيات السبع..السلحفاة..فيل البحر.. يارخ صانع الاسلحة.. الذئب ذو العين الواحدة ..البركان الجن الحمر..شجرة المطاط هيفيا.. جاور..المغارة
لواح لواح زوجة الأجهش هي من أتاني في الحلم
هي من حلمت بها
هي من اعطتني الاسم

تذكرت عشتار
تذكرت كل شيء
أخذت تكلم نفسها: ماذا افعل هنا.. ابنتاي في قلعة الجنيات السبع
وجلجامش أين جلجامش لابد أنه هو من جاء بي إلى هنا لن أسامحه أبدا
اليوم هو تتويج عيقم يريد أن يواجهه بمفرده..يا إلهي لماذا فعلت ذلك ياجلجامش يجب أن ألحق به يجب أن أساعده لقد تعاهدنا إما أن نحيا جميعاً أو نموت جميعا
ربطت عشتار شعرها للأعلى ولبست فرو الذئب الأحمر وخرجت مسرعة للحديقة متجهة لشجرة التفاح لكنها توقفت أمام الشجرة محتارة ” هل علي أن اقطع كل تلك المسافة مجدداً البحر والصحراء لاوقت لدي لمقايضة الشق أو مجابهة الدلهاب لن أصل لقلعة جلجامش إلا وتكون المعركة قد انتهت علي أن أجد حلاً وبسرعة”

نظرت عشتار لشجرة التفاح وقالت بحزم: أبالا

لكن لم يأتها أي جواب كانت الشجرة صاتمةً كالشجرة

عشتار: أبالا أعلم أنك تسمعينني أجيبيني و إلا

لكن الشجرة ظلت صامتةً كالصنم

دخلت عشتار منزلها بسرعة وعادة تحمل قارورة بها قليل من سائل قابل للاشتعال كانت تستخدمه في الشواء

قامت برشه على الشجرة واشعلتها وبدأت النيران تنتشر في أنحاء الشجرة

أبالا: مهلا.. مهلاً أطفأيني أرجوك

سكبت عشتار دلو ماء كبير على الشجر فخمدت النيران

عشتار: كيف يستطيع جلجامش التنقل بين أرض الإنس والجن بسرعة أما أنا فعلي أن اقطع طريقا طويلاً

أبالا: لايفترض بي محادثتك هل تعلمين ذلك

عشتار: لاوقت لدي للعب معك إن كنت تريدين النجاة من النيران عليكي أن تدليني على طريق مختصر

أبالا: لايوجد طريق مختصر، في كل معبر بين أرض الأنس والجن يوجد ممر خاص بالإنس وممر خاص بالجن ولا أنصحك بالذهاب من ممر الجن فهو خطير على بنو البشر

عشتار: علي أن أخوض هذا الخطر فلا وقت لدي كما قلت لك

أبالا: حسناً الخيار خيارك، عليكي أن تتسلقي لأعلى غصن ثم تمشين في الهواء كأنك تمشين على امتداد الغصن إلى أن تصلي لعالم الجن

أخذت عشتار تتسلق الشجرة إلى أن وصلت لأعلى غصن فوقفت عليه ثم وضعت رجلها في الهواء على امتداد الغصن كما قالت أبالا وفعلا كان بمقدورها المشي في الهواء

أخذت تمشي وترتفع عالياً في الجو مبتعدةً عن منزلها مما أثار انتباه المارة الذين بدأو يتجمعون ويشيرون تجاه عشتار في الأعلى مع بعض التعليقات
كـ ” ألم أقل لك أنها ساحرة”
” لقد تأكدت الآن أنها قتلت عائلتها فعلاً”
” شكلها الجميل لايوحي أنها مشعوذة”

لم تكن عشتار تهتم بكل ماتسمع كانت تريد فقط الخروج من هذا العالم لتصل لعالم الجن قبل أن يحدث مكروه لزوجها وفجأة سقطت عشتار

أخذ الناس يصرخون وهم يرون عشتار تهوي من أعلى إلى أسفل وفجأة اختفت في السماء

تصارخ الناس أكثر وأكثر لكن صراخهم لم تعد تسمعه عشتار بعد الآن

يتبع

حسن المصوف

الحلقة الثالثة عشرة- الأنسية والجن

عشتار ١٣

قصة الإنسية التي تزوجت جني

الحلقة الثالثة عشرة

انطلق جلجامش محلقاً في الجو حاملاً عشتار فوق ظهره

عشتار: لماذا هذا التهور ألست أنت من كان يقول علينا المشي متخفيين حتى لانثير الانتباه

جلجامش: لاتقلقي الليل ستّار وسأكون سريعا جدا فلاوقت نضيعه لقد اقتربت من تحقيق مبتغاي ياحبيبتي إن صنعت هذا السيف سأصبح أقوى جني على الاطلاق

نظرت عشتار لزوجها بفرح وسرور فلم تره مبتهجا منذ زمن و قالت: حسنا أسرع إذن

فجأةً وإذا بزوبعة اتجهت نحوهما بسرعة إلى أن أصبحا داخلها وأخذ كل منهما يدور بسرعة

كانت الرياح قويةً وعاتية حاول جلجامش الامساك بعشتار لكنه كان قد تأخر فقذفت الزوبعة بعشتار بعيداً عن جلجامش وسقط الاثنان في غابةٍ كثيفة الأشجار وسط الظلام

أفاقت عشتار بعد العاصفة لتجد نفسها معلقةً رأساً على عقب في شجرة عالية

اخذت تنظر في ارجاء المكان المرعب وتصرخ لجلجامش كي يأتي وينقذها

فجأةً سمعت صوتاً يهمس “اخفضي صوتك”

نظرت بفزع بجانب الغصن وكانت المفاجأة

عشتار: كابوووووس هل أنت حقيقي أم من نسج خيالي آاااه لقد بت أشك في وجودك هل أنا مجنونة فعلاً أهذي وأهلوس بوطواط من عالم الأوهام

كابوس: أشكرك على ثقتك بي… لكن لاوقت لدينا فالأجهش يبحث عنكِ يريد اختطافك علينا الهرب بسرعة

عشتار: حقاً .. لكن أين جلجامش

كابوس: لابد أنه يبحث عنك هو الآخر علينا أن نختبأ الآن

خلصت عشتار ثوبها الذي كانت عالقاً في الشجرة وسقطت على الأرض وجسمها مليء بالخدوش

كابوس: اتبعيني بهدوء

همست عشتار: علينا أن نجد جلجامش بسرعة

كابوس: حسناً اختبئي خلف هذه الشجرة سأطير عالياً وأحدد موقعهما جلجامش والأجهش

اختبأت عشتار وطار كابوس عالياً يبحث عن جلجامش كان المكان يحفه هدوء مفزع لدرجة أن عشتار كان بإمكانها سماع نبضات قلبها كيف السبيل لإخفاء نبضات قلبها ومن ينبض قلبها له بعيد عنها كانت ساكنةً جداً خوفاً من عثور الأجهش عليها فهو جني خطير جداً كما سمعت عنه من جلجامش انتظرت في سكون جامد مخفيةً أنفاسها التي بدت صاخبة وغصة في حلقها تنبأ بالخروج

فجأةً سمعت صوت جلجامش يصرخ: عشتار

أرادت أن تتكلم لكن كابوس سقط فوقها مقاطعاً: هششششش إنه الأجهش يخرج صوتاً كصوت جلجامش يريد خداعك و الامساك بك اختبئي بسرعة إنه قادم تجاهك

اختبأت عشتار خلف شجرة بسرعة مخفضة رأسها وعيناها مغمضتان وكابوس واقف على كتفها
همست عشتار بهلع: ياإلهي.. هل أنت متأكد.. وأين جلجامش هل استطعت تحديد مكانه

كابوس: إنه في الطرف الآخر من الغابة لكنه متوجه لك بسرعة علينا التحرك بهدوء لملاقاته

مشت عشتار خلف الإشجار بحذر حولها كابوس مرفرفاً تنتظر إشارته من شجرةٍ لأخرى

إلى أن قال كابوس: هيا علينا التحرك بسرعة لقد ذهب الأجهش لجهةٍ أخرى اسرعي قبل أن يعود ورائك

مشت عشتار تشد الخطا ولكن بهدوء وهي تتحدث مع كابوس بصوت خافت: هل صحيح ماقيل عنه أنه سمي بالأجهش لأنه يجعل عدوه يجهش بالبكاء قبل قتله ياله من قلب ميت

كابوس: هو يفعل كذلك لكن ليس هذا سبب تسميته بهذا الاسم إنما دعي بالأجهش لأن له حبيبة أصيبت بلعنة ودخلت في سبات عميق تسمى بالجنية النائمة “لوّآح” وهو مذ ذلك اليوم يبكي عليها ليل نهار لكن الجن أثارت حول بكائه كثيراً من الشبهات والإشاعات ومنهم من سخر منه ووصفه بالخوف لذلك كان كلما تغلب على عدوٍ له يجعله يبكي قبل قتله لينتقم من سخرية الجن عليه ويبكيهم تحت رحمته

عشتار: يبدو أن هذا المدعو الأجهش مازال يسعى خلفي للحصول على الجائزة الموضوعة للقبض علي لابد أنه لم يعلم بما جرى في الأيام الماضية

كابوس: اعتقد أنه يعلم بكل شيء

عشتار: كيف ذلك

الأجــهـــش: لقد كنت أراقبك منذ البداية

صرخت عشتار وسقطت أرضاً من هذا الصوت
ونظرت أمامها لتفاجئ بالأجهش وكابوس واقفٌ على كتفه

الأجهش: نعم لقد كنت أراقبك منذ البداية

اخذت عشتار ترتجف ورجعت للوراء تهم بالهروب لكن الأجهش امسك بها

واتجه بها لمغارةٍ قريبة كان كابوس صديقها هو من أتى بها
هو من استدرجها حتى يمسك بها الأجهش
هو من ابعدها عن جلجامش
لقد أيقنت الآن أنه حقيقي
فقط الآن حين كذب عليها كابوس أيقنت أنه حقيقي
إذن لابد أن الصدق مجرد محض خيال

دخل الأجهش بعشتار للمغارة وأجلسها جانباً
وأشعل ناراً ثم جلس أمامها وكابوس مازال فوق كتفه

ركزت عشتار بصرها في عين الأجهش لكنه بادرها: لن ينجح سحرك معي لاتحاولي فأنا مبتلى به قبل أن تولدي

أصيبت عشتار بخيبة أمل حين لم يفلح سحرها على الأجهش ونظرت لكابوس بأسىً واحتقار قائلةً: كنت أظنك صديقي لكنك مجرد خائن

بادرها الأجهش: من.. كابوس هه إنه من محض خيالك ثم مسح الأجهش على كابوس فبدأ يتلاشا شيئاً فشيئاً إلى أن اختفا

احتارت عشتار ممايجري أمامها وكادت تجن كابوس هل هو حقيقة أم خيال أم هل هنالك فرق في ذلك الآن

الأجهش: لاوجود لشيءٍ اسمه كابوس لقد تلبستك منذ دخولك عالم الجن وأوحيت لك بأنك ترين هذا الخفاش كابوس حتى استدرجك هنا لهذا لم يكن بإستطاعة أحدٍ رؤيته سواك
لقد حاولت اختطافك منذ البداية لكن في كل مرة يحدث
شيء يحول بين ذلك ،فأول مرةٍ إلتقينا مع أن جلجامش كان فاقداً الوعي بهيئة نسر وكان من السهل علي خطفك إلا أن جنود عيقم كانوا متجهون إليك مما دعاني للذهاب بك إلى الجسر ليستفيق جلجامش ولاتقتلي وأخسرك
ثم أجلت خطتي إلى المعركة فقد كنت خططت أن اتلبسك واخطفك وسط انشغال الجميع في القتال لكن تدخل عيقم في المعركة أفشل خطتي وجعلني حبيساً بداخلك حتى اضطررت أن أدخل السلحفاة معكما فلو خرجت من جسمك لقام جنود عيقم بقتلي وكان تدخل السعلاة لإخراجك من حسن حظ الجميع لهذا بعد خروجنا من السلحفاة بت أراقبك من بعيد منتظراً الفرصة المواتية وكانت هي تلك اللحظة التي تصرف فيها جلجامش برعونة فرحاً بحصوله على أدوات سلاحه متناسياً نفسه وغافلاً عنك أيضاً كان همه الوصول ليارخ لصنع سلاحه

أحست عشتار بغضب شديد: يالك من خبيث لماذا صورت لي وطواط يتغذى على الأحزان وجعلتني أقص عليه قصتي وجعلتني أصادقه

الأجهش: لسببين
الأول لأدخلك في حالة اكتئاب دائم حتى لاتشكين في وجودي وتركزين على حزنك ولايشك أحدٌ أنك متلبسة من جني ويعتقدك مصابة بالهلوسة
والثاني أنه كان علي أن أعرف مايحزنك لأنني بحاجة لدموعك لأحصل على مبتغاي

عشتار: يالك من خبيث وغبي لن تحصل على شيء فكما قلت لك لن تحصل على جائزة أن سلمتني لعيقم سأقول له أنك من أخرجني من السلحفاة

الأجهش: لا أريد أية جوائز سحر عيناك هو جائزتي عليك أن تعترفي لولا مساعدتي لك وصحبتي لك لكنت في عداد الأموات الآن إنك مدينة لي وعليك الآن رد الجميل

أصيبت عشتار بخوف شديد من هذا الجني فلا سحر عينيها نافذ عليه وفي نفس الوقت هو يروم هذا السحر لسبب لم تفهمه بعد علاوة على ذلك أنها فقدت جميع أسلحتها في الزوبعة الحجر والعين والمطاط أيضاً “آه ماذا سأفعل أتمنى أن يكون جلجامش بخير وأن يجد الحجر والعين والمطاط ويجدني أيضاً ليخلصني من هذا الجني الغامض”

الأجهش: تعالي امشي أمامي

مشت عشتار بخضوع يقودها الأجهش داخل المغارة إلى أن وصلا إلى سفحٍ شاهق يطل على نهر يجري داخل المغارة فوقه تابوت زجاجي معلق في الهواء

وقفت عشتار خائفة لكن الأجهش قام بدفعها إلى أن وصلت عند حافة صخرية قريبة من التابوت الزجاجي وكانت المفاجأة

الأجهش: عليك أن تعيدي سحر عينيك إليها حتى تستفيق
نظرت عشتار داخل التابوت الزجاجي لترى جنيةً مسجاة تغط في سبات عميق حولها زهور ياسمين تحف بها من كل جانب

أخذت عشتار ترتجف وهي تنظر لهذه الجنية وعلامات الاستفهام بادية على وجهها

الأجهش بحزن: إنها الجنية التي وهبتك هذا السحر إنها حبيبتي مذ وضعت قوتها في عينيك دخلت في سبات عميق لم تستفق منه أبداً لقد أحست بالندم بعد أن أعمت أمك وكانت تتألم كثيراً إلى أن قررت البحث عن أمك فوجدتها قد قضت نحبها فزاد ألمها حتى كادت تموت وأخذت تفكر وتسرح طوال الوقت حاولت مراراً أن أنسيها وأسليها لكن لاجدوى فقد كانت تفكر بك طوال الوقت إلى أن أفقت يوما ولم أجدها
بحثت عنها في كل مكان ولم أجدها إلى أن عادت لي أخيراً مثخنة الجراح ملقاة عند باب كوخنا سألتها ماذا حل بها فأجابتني أنها وهبت قوتها لعين ابنة المرأة التي اخذت بصرها وفي طريق عودتها هاجمها الساحر الذي سحر أمك لأنها بذلك تكونت خانت عهده معها وكادت أن تموت لكنني حملتها وهربت بها إلى هذه المغارة ورجوتها أن تدلني عليكي حتى آتي بك إلى هنا لكنها رفضت ولأنها فاقدة قوتها لم تستطع أن تتعافى و دخلت في سبات عميق لم تستفق منه أبداً حاولت إيقاظها كثيراً لكن كل محاولاتي باءت بالفشل وبدأ جسمها النحيل بالذبول شيئاً فشيئاً إلى أن غدت كالشجرة اليابسة لاحياة فيها لكن فجأة استعادت حبيبتي شبابها وعافيتها وتورد وجهها ينبع بالحياة من جديد لكنها لم تفق فعلمت أن الإنسية التي أخذت قوة زوجتي لابد أنها قريبة من هنا وأنها دخلت أرض الجن فبحثت عنك ووجدتك ضائعة في الصحراء وكان ماكان

اقترب الأجهش من عشتار فتوجست منه خيفةً لكنه فاجأها حين جثا على ركبتيه تحت قدميها

الأجهش: أرجوك ياعشتار خلصي حبيبتي من سجنها أنقذيها من سباتها أرجوك لايوجد أكثر منك يعرف إحساس فقد الحبيب لحبيبه لا استطيع إجبارك يجب أن يتم إيقاظها بإرادتك وحدك

أصيبت عشتار بذهول عجيب من هول ماسمعت يالسخرية القدر العجيبة ولكن الأعجب أنه كلما أقنعت نفسها أنها تعودت على هذا العالم أتاها شيء جديد ليثبت لها عكس ذلك

لقد أحبت جني وأخافة جني وعشقها جني وخدعت جني والآن يترجاها جني ويستعطفها

نظرت عشتار في عيني الأجهش لترى الكم الهائل من الحزن ثم نظرت لتلك الجنية النائمة ” يالها من جميلة لاعجب أن يحزن عليها الأجهش كل هذا الحزن ويفعل المستحيل لتخليصها”

أشفقت عشتار على الأجهش وقالت: وماذا يتوجب علي أن أفعل

الأجهش: دمعة من عينيك تسقط على جفنها كفيلة بإيقاظها

عشتار: وماذا بعد أن تستفيق حبيبتك ماهو مصيري أنا

الأجهش: آخذك لجلجامش وترحلون بسلام

عشتار: لا عليك أن تساعدنا في التغلب على عيقم

الأجهش: أعدك بشرفي إن أفاقت لوّآح أن تكون حياتي تحت تصرفك

اطمئنت عشتار وقالت: حسنا هيا بنا لابد أنك اشتقت لابتسامة منها

نزلت دمعة من عيني الأجهش لكنه أشاح بوجهه عن عشتار ثم حرك سيفه برفق فانبثقت زوبعة خفيفة حملة عشتار وطارت بها معلقةً إياها فوق التابوت

الأجهش: هل تدركين ماتفعلين إنك تتخلين عن قوتك الخارقة فلابشر يستطيع إخافة الجن مثلك

ابتسمت عشتار بسكون وقالت: لابأس فلم أخف سوى جني واحد ومات أيضاً ناهيك أن هذه القوة اعتبرها لعنة سيسعدني التخلص منها
الأجهش: هل تعلمين أنني فقدت ابنتي أيضا سعيا في إيقاظ لوّآح

انكسر قلب عشتار: ياإلهي كل هذا بسببي لقد تسببت في حزن كبير دون علم مني

الأجهش: ابنتي الصغيرة لم تكن تصدق أن أمها نائمة فكانت كل يوم تأتي وتحدث أمها بكل مايجري لها إلى أن اتى يوم كنت أقوم بتجربة على زوجتي بأن وهبت قوتي كلها في جسمها وأصبت بوهن وتعب شديد حتى سقطت على الأرض فانتهز ذلك الساحر اللعين الفرصة وهجم علينا يريد قتل لوّآح فهجمت عليه ابنتي وتلبسته ولم تخرج منه منذ ذلك اليوم وجميعنا عالقون فلاأنا ايقظت زوجتي ولااستطعت الوصول إليه لتخليص ابنتي وابنتي لن تخرج منه خوفا على أمها

اغرورقت عينا عشتار ونزلت دمعة من عينيها فتهلل وجه الأجهش فرحاً بنجاحه في إدماع عشتار

كانت عشتار معلقة في الهواء مقابل لوّآح وجهاً بوجه وهي تنظر لهذه الجنية النائمة

سقطت دمعتها أخيراً

متجهة للوّآح

إلى أن استقرت الدمعة فوق جفن لواح

ثم نزلت شيئا فشيئا إلى أن دخلت عينها

فتحت لواح فمها قليلا وارتفع صدرها للأمام مع التواء قليل في رجليها

أحست عشتار بقشعريرة وهواء حار جدا ثم بدأت عيناها تدمعان من الحرارة فأغمضت عينيها لكنها حين أغمضتهما أصيبت بدوار وفقدت وعيها وسقطت في التابوت

أحست عشتار بنسيم هواء بارد يداعب خديها ففتحت عينها لتجد نفسها مستلقية على سرير يطل على حديقة من نافذة صغيرة في كوخ مصنوع من القش

نهضت عشتار ووقفت عند باب الكوخ فرأت ممرا طويلا تحف بجانبيه أشجار طويلة وصوت تغاريد عصافير قادم من نهاية الممر
مشت عشتار في الممر إلى أن وصلت نهايته وجدت شلال صغير يصب في بحيرة صغيرة وسطها صخرة بيضاء ولواح فوق هذه الصخرة تمشط شعرها
وحول الصخرة جنيات النهر يدرن حولها ويتضاحكن وهي تنظر لهم بسرور ويحف بالبحيرة أشجار ياسمين كثيفة وكثيرة

قالت عشتارفي نفسها: “ياله من منظر جميل ويالها من جنية فاتنة الجمال رقيقة”

تقدمت عشتار تريد لفت انتباه لواح لكنها لم تستطع التقدم وكأن شيء يمنعها
كأنه جدار شفاف من زجاج يحجب بينها وبين لواح
أخذت عشتار تطرق على هذا الحاجز
فالتفتت لها لواح
كادت عيناهما تلتقيان لكن فجأة وإذا بيد كبيرة خرجت من الماء حطمت الحاجز الزجاجي وأمسكت بعشتار وطارت بها عالياً

أخذت عشتار تبتعد عن لواح عالياً لكنها حين ركزت نظرها لاجظت أنها لم تكن تطير بل كانت لواح والبحيرة بمن فيها من حطام زجاج ينزلون للأسفل

جاء النداء من تلك اليد الممسكة بعشتار: عشتار هل أنت بخير أفيقي أرجوك

نظرت عشتار لصاحب تلك اليد وكانت المفاجأة
إنه جلجامش

نظرت له عشتار بسكون قائلة: أين ذهبت لواح لقد كانت تمشط شعرها تحت أزهار الياسمين

جلجامش: لاعليك ياحبيبتي لقد وجدتك لاتخافي

صرخ الأجهش: سأقتلك أيها الوغد لماذا فعلت ذلك

ماستوعبت عشتار مايجري حولها إلا لما أنزلها جلجامش أرضاً لتجد نفسها في نفس المغارة “لكن أين لواح والتابوت لقد اختفوا ياإلهي هل كنت أحلم”

“يبدو أن جلجامش قد كسر التابوت الزجاجي وأسقطه هو ولواح في النهر ياللهول”

صرخ الأجهش صرخة غضب مرعبة وطار متجهاًً لجلجامش وعشتار

كان الشرر يتطاير من عينيه لدرجة أن عشتار خافت على جلجامش

استل جلجامش نابي الذئب متسلحاً بهما استعداداً للقتال

والتحم الجبلان مرةً أخرى
جلجامش والأجهش

كان جلجامش يدافع عن حبيبته
لكن لم يعد للأجهش مايخسره بعد الآن

انقض الأجهش على جلجامش كالنسر
موجهاً له لكمات مرعبة بكل ما أوتي من قوة وجلجامش مطروح أرضاً

رفع جلجامش رجله وقام بركل الأجهش حتى ارتطم بجدار المغارة فشد عليه جلجامش بسيفيه

رفع الأجهش سيفه محاولاً إطلاق زوبعة تجاه جلجامش لكن جلجامش كان قد اقترب كثيرا فما كان منه إلا أن اضطر لإطلاق زوبعة صغيرة اتجهت لجاجامش بسرعة

بسرعة قام جلجامش بالدوران عكس اتجاه الزوبعة ملوحاً سيفيه في الهواء و ضرب الزوبعة بسيفيها كليهما مبدداً إياها لكنه حين نظر أمامه لم يجد الأجهش الذي كان بدوره قد انتهز الفرصة وقفز خلف جلجامش ورماه بسنارته فالتف حبالها حول جلجامش وقام الأجهش بسحب جلجامش وقذفه في النهر

سقط جلجامش واتجه الأجهش بسرعة تجاه عشتار بعين مملوءة غضبا وحقدا
شهر سيفه فوق رأسها فصرخت عشتار: جلجامش

وإذا بالسيف يعود للوراء ساحبا معه الأجهش تجاه حافة الجبل ليلقيه في النهر
كان هذا بتأثير حجر المغناطيس الذي قد وجده جلجامش في الغابة وهو يبحث عن عشتار
تجاذب المغناطيس بسيف الأجهش رفع جلجامش للأعلى وسحب الأجهش للأسفل إلى أن تعلق الاثنان بحافة الجبل كل واحد منهما ممسك الحافة بيد واليد الأخرى يقاتل بها الآخر
بسرعة ركضت عشتار لمساعدة جلجامش لكن كانت المفاجأة اثنان جلجامش يتعاركان
لقد فطن الاجهش أن عشتار ستقوم بمساعدة جلجامش فتشكل بهيئته

أخذت عشتار تجول بنظرها بين الاثنين بسرعة عليها إتخاذ قرار مصيري من هو زوجها

“ماذا أفعل .. ماذا أفعل ..”

أدركت عشتار أنه لابد من حل واحد لا هناك غيره رجعت للوراء قليلا ثم ركضت بسرعة وقفزة من حافة الجبل تريد السقوط في نهر المغارة فما كان من جلجامش الأصلي إلا أن ترك القتال وامسك بها فعرفت أنه زوجها من امسكها فالأجهش لن يضحي بحياته لإنقاذها بعد أن ماتت زوجته
امسك جلجامش بعشتار ووجه الأجهش ضربة بسيفه تجاه جلجامش لكن ارتداد عشتار كان أسرع من سيف الأجهش نظراً لأنه حين تشكل سيفه بهيئة سيف جلجامش غدا ثقيلاً بالنسبة إليه فرفسته في خاصرته مما خلخل في توازنه تبعتها ركلة من جلجامش في صدره كانت القشة التي قصمت ظهر البعير

سقط الاجهش أخيراً

سألت عشتار بقلق وهي تعلم الإجابة سلفاً: هل انتهينا منه

جلجامش: لا لكن هلمي نخرج من هذه المغارة بسرعة هيا بنا

امسك جلجامش بعشتار وطار بها لخارج المغارة والمغارة تهتز اهتزازاً عنيفاً إذ أن الأجهش كون زوبعة عظيمة في مياه النهر تسببت في رفع مستوى الماء للأعلى

خرج جلجامش وعشتار وبسرعة حمل جلجامش صخرة عظيمة وسد بها مدخل المغارة بقوة

كان قد مضى على بزوغ الفجر عدة ساعات لكن لم يهتم جلجامش لذلك فحمل عشتار وطار بها بعيداً

عشتار بقلق: أتعيد مافعلته من قبل!!

جلجامش: لا .. بل أهرب

عشتار: من ماذا

وانفجر الجبل التي كانت بداخله المغارة بسبب ضغط الماء وخرج الأجهش طائراً في الجو يصرخ بغضب

لكن لم يهتم به جلجامش بل واصل هروبه ماراً على جثث جن كثيرة ملقاة في الغابة

أصيبت عشتار بهلع قائلة: ماهذه الجثث

جلجامش: هذا ماكنت أفعله وأنت داخل المغارة

نزل الأجهش على الأرض وبسرعة لوح بسيفه تلويحاً مرعباً كون زوبعة كبيرة جداً جداً سرعان ماغدت أكبر من الجبل ودفعها خلفه ثم مرة أخرى لوح بسيفه بسرعة رهيبة مكوناً زوبعةً أخرى ودفعها على جانبه الأيمن وكون زوبعة ثالثة على جانبه الأيسر ورابعة أمامه

كانت كل زوبعة من الزوابع الاربع العظام تدور حول مركزها بسرعة تجمع كل ماتمر به من أشجار وصخور وأي شيء يقابلها ومما زاد من سوء الأمر أن قام الأجهش بالتلويح بسيفه حوله بسرعة فأخذت الزوابع الأربع تدور حوله

كان المنظر مرعباً فالزوابع غدت تدور حول الأجهش ببطء رهيب وهي تكبر حجما مدمرةً كل ماتمر عليه لتحوله إلى فراغ قاحل

عشتار: لماذا أقدمت على إلقاء زوجته في النهر لم يكن ينوي لي شرا كان سيساعدني

جلجامش: بل كان يخدعك حتى تخرج قوة أي جني مستودعة في روح إنسي تستلزم خروج روحه معها

عشتار بحنق: ولماذا لم تقل لي ذلك من قبل

جلجامش معاتباً: لم أكن أعلم أن زوجتي ستثق بجني لاتعرفه كان يريد اصطيادها منذ دخولها لأرض الجن

عشتار:لقد اكتشفت أن الأجهش هو من كان يساعدني منذ دخولي لعالمكم حتى وإن كان خدعني فأنا مدينة له لبقائي على قيد الحياة

جلجامش: ساعدك ليحصل على روحك في النهاية

عشتاربتحاذق: لاتخف فزوجي قوي جداً وسيتغلب على الأجهش لاشك .. ماذا سنفعل الآن

جلجامش: نهرب بأقصى سرعة ليارخ لا أستطيع مجابهة الأجهش هكذا دون سلاح سوى نابا ذئب لابد أن اقضي عليه للأبد

انطلق جلجامش بسرعته القصوى يتبعه الاجهش ببطء لكن نظراً لاتساع القطر الذي كانت تدور فيه الزوابع كان الأجهش يقطع مسافة كبيرةً أيضاً

كان جلجامش مسرعا جدا لدرجة أنه مر بكتيبة جن من جنود عيقم كانت تتحرك باتجاه قلعته ولم يحاول الاختباء او التخفي ومع أن الجنود رأو جنياً محلقاً فوقهم بسرعة إلا أن اهتزاز الأرض وهول حركة الزوابع العظيمة شدت كل انتباههم فشدوا على الأجهش ظناً منهم أنهم مهاجمهم

حرك الاجهش سنارته تجاه الزوبعة اليمنى بأن علق خيط السنارة في قعرها ثم سحبها تجاهه فانطلقت بسرعة عالياً واستقرت على راحت كفه وهي تدور بسرعة رهيبة والجنود يتحركون تجاهه بسرعة بأسلحتهم الفتاكة منهم من بدأ يلقي سهامه ومنهم من ألقا رماحه

رفع الأجهش يده عالياً كانت الزوبعة العظيمة كالكرة الصغيرة في يد الاجهش ثم قذف بها تجاه الجنود فاستقرت وسطهم كانت صوت ارتطامها على الأرض مرعب وله دوي مخيف واهتزاز عجيب بلعت كل الجنود بداخلها في غمضة عين وعادت تدور مرة أخرى حول الأجهش الذي واصل تقدمه سعياً خلف جلجامش وعيناه مليئة بالدموع مع احمرار وغضب شديدان

في هذه الأثناء وصل جلجامش أخيراً لكوخ يارخ
كان يارخ يحس باهتزاز الأرض من وراءه لكنه كان منشغلا بشد هيكل حوت عظمي مصنوع كدرع كان أعده لفيل برأس أسد يدعى الأسيد
نظر يارخ لجلجامش قائلاً: أهلاً أهلاً لم أظن أنني سأراك مجدداً هه ،هل نجحت في إحضار الأدوات التي طلبتها منك

جلجامش: نعم لكن هنالك مشكلة أريدك أن تصنع السيف حالاً

يارخ: ولما

جلجامش: ألا تحس بهزة قادمة من بعيد إنه الأجهش يسعى لقتالي

يارخ: الأجهش أعرفه سلاحه سنارة الزوابع صنعته لأبيه منذ مئة وسبعون سنة كان مفخرة زمانه سلاح فتاك جداً إن أجيد استخدامه وهو أفضل سلاحٍ صنعته يداي للآن

جلجامش: يبدو أن الأجهش قد أجاد استخدامه فعلاً فكل ماورائي الآن مجرد صحراء قاحلة إنه يدمر كل شيء يعترض طريقه

يارخ: أوه وماسبب هذا الغضب كله

جلجامش: أظن أنني تسببت في قتل زوجته

عشتار بحنق: تظن!!

سرح يارخ قائلاً: الأجهش .. اممم.. لن يقف شيء في طريقه سوى الموت لكن بالنسبة لي إنها فرصة لتجربة السلاح الجديد، قل لي أين الأدوات فلم يبقى سوى عدة ساعات على غروب الشمس

ناول جلجامش جميع الأدوات ليارخ نابا الذئب وعينه وحجر المغناطيس والمطاط

عشتار: لقد سقطوا مني في الغابة وخفت أني قد أضعتهم

جلجامش: لقد خضت معركة عظيمة للحصول عليهم مرة أخرى سأحكيها لك فيما بعد

عشتاربقلق: هل أصبت بأذى

جلجامش: لاعليك الآن دعينا نجتاز هذه المحنة

امسك يارخ بمطرقة كبيرة وذهب جانب الكوخ الأيمن وضرب بها الارض ضربة عنيفة فانشقت وتمخض عن انشقاقها حمم بركانية غرز فيها أحد النابين

صرخت عشتار: هل سيتحمل الناب حرارة الحمم البركانية

جلجامش: هششش دعيه يعمل بهدوء لاوقت لدينا

اتجه يارخ لجانب الكوخ الأيسر وأزال كثيب رمل ناعم كان يوجد تحت كتلة ثلجية غرز فيها الناب الآخر ثم شد المطاط على النابين

ثم أنزل مطرقته الكبيرة أرضاً وحمل عين الذئب ويداه ترتعشان

يارخ: لقد أقشعر جسدي كله وأكاد أغيب عن الوعي سنينا طويلة وأنا أتخيلني أحمل عين الذئب لكن الواقع مخيب للآمال دائماً سقطت عين الذئب من يده فاتجه لطاولة قريبة وأدخل يده في صدره وأنتزع قلبه ووضعه على الطاولة فتغير لونه للرمادي وابتعد عن الطاولة ماشياً يترنح

أمسك بعين الذئب وامسك بجلجامش فجثا جلجامش على ركبتيه وغدا نبض جلجامش يبث في جسم يارخ وكأنه يخدع عقله أن بجسمه نبض وخوف يارخ أُفرغ في جلجامش في أقوى مواجهة بين جلجامش وعين الذئب بدا أنه امتحان على كل من جلجامش ويارخ تجاوزه بنجاح

خافت عشتار على جلجامش حين وجدته يرتعش بقوة ومازاد خوفها أنها أصبحت قادرة على رؤية زوابع الأجهش من بعيد ممايدل أنه اقترب منهم كثيراً

امسك يارخ بعين الذئب وضعها أمام عين جلجامش
أخذ جلجامش يترنح وعيناها ابيضتا حتى أحست عشتار أنه سيموت

صرخت عشتار: يكفي دعه سيموت

لكن يارخ لم يدر لها بالاً ثم مسح جفنا جلجامش بعين الذئب وتركه مطروحاً أرضاً وعاد للطاولة ووضع عين الذئب عليها وأعاد قلبه لصدره فاستعاد لونه الطبيعي ثم أمسك بحجر المغناطيس ووضعه على صخرة كبيرة وتناول مطرقته الكبيرة مرة أخرى واخذ يطرق الحجر بسرعة وقوة حتى صقله فأصبح كانه مقبض سيف ورماه في الحمم البركانية حتى توهج ثم قام بصب ماء حار جداً على المطاط وأهال عليه قليلاً من الثلج أيضاً وبسرعة أمسك المطاط من المنتصف وسحبه إليه بقوة فارتد له المطاط منتزعاً نابا الذئب والتصق النابان بالمطاط حتى غدا كأنه قطعة واحدة لسيف واحد

أخيراً أخرج حجر المغناطيس وغرزه في عين الذئب و الصقه في النابان فالتحم السيف كاملاً قطعة واحدة
أمسك يارخ بالسيف ومرره على كف جلجامش فشق يده وسال قليل من دمه امتصه السيف بداخله

يارخ بزهو: السيف جاهز انتهت مهمتي صنعت لك أقوى سيف في أرض الجن في وقت قياسي لم يصنع سلاحٌ بهذه السرعة من قبل فقط أجد استخدامه وتذكر السيف هذا بمقدوره جذب المعادن ونفرها بعيدا عنه عن طريق تغطية عين الذئب أسفل المقبض المغناطيسي فحين تكون العين مكشوفة يتنافر منك الجن وأسلحتهم المعدنية وحين تغطي عين الذئب ينجذبون إليك كما بإمكانك نزع النابان ليصبح سيفين ملتصقان ببعضهما البعض بواسطة المطاط وكذلك أهم نقطة بإستطاعة هذا السيف امتصاص طاقة سلاح الخصم عند هزيمته فقط.. حظا موفقاً

كان الأجهش قد غدا قريبا جداً لجلجامش فحمل يارخ مطرقته وعاد يكمل عمله في صنع درع الفيل أسيد

جلجامش: يارخ يفضل أن تبتعد عن هنا او تختبأ

يارخ: لن يقتلني سلاحٌ صنعته بيدي

جلجامش: قلت لك لقد دمر كل شيءٍ مر به

التزم يارخ صمته وعاد منهمكاً في عمله وكأن مايدور حوله من هزة أرضية وزوابع لايعنيه أو بعيد عنه

استعاد جلجامش قواه ورباطة جأشه وثقته بنفسه بعد أن أحس أن عين الذئب لم تعد تأثر عليه وتخيفه فقام بربط عشتار لظهره قائلاً: هذه المرة لن تفلتي مني

عشتار: كن حذراً

ابتسم جلجامش لعشتار وقام بغرز سيفه في صخرةٍ كبيرة وانطلق ممسكاً به فانفك السيف ناب مغروز في الصخرة والناب الآخر في يد جلجامش مع المقبض وانطلق يركض بسرعة رهيبة إلى أن اقترب من زوابع الأجهش واخذ يقفز على الصخور المنجذبة للزوابع من صخرة لأخرى بسرعة ورشاقة والمطاط يمتد معه الى أن وصل بين زوبعتين فهم أن يقفز بينهما ليصل داخل المدار لملاقات الأجهش لكن الأجهش انتبه له وحرك سنارته بسرعه فزادت سرعة الزوبعة واصطدمت بجلجامش وسحبته داخلها

أخذ جلجامش يدور ويدور والمطاط يمتد ويمتد
أما عشتار فقد فقدت الوعي من كثرة الدوران

أدرك
الأجهش أنه قد امسك بجلجامش فقام بدفع الزوابع الثلاث للزوبعة المحصور فيها جلجامش فاصطدمت ببعضها البعض مكونةً زوبعةً عظيمةً عملاقة رآها كل من كان في أرض الجن وأحس بها بنو البشر أيضاً إذ سببت هزةً أرضية عظيمة

طار الأجهش بسرعه عالياً في الجو ودخل فوهة الزوبعة متجهاً لجلجامش بكل جوارحه وهو شاهر سيفه

وصل لجلجامش وكاد يقسمه نصفان بسيفه إلا أن جلجامش انتبه له في اللحظة الأخيرة وأخذ دوي مقارعة سيفهما يصدو في كل الأرجاء وهما ينزلان للأسفل بسرعة

أحس جلجامش أنه هالك لامحالة إن وصلوا لقعر الزوبعة والأجهش فوقه فقام بسحب طرف المطاط الآخر منتزعاً الجزء الثاني الذي غرزه في الصخرة واخذ السيف يتجه لهما بسرعة كبيرة وهو يدور حول الزوبعة ومن قوة الزوبعة أخذت تدفع السيف عالياً إلى أن وصل نهايتها وبفعل المطاط ارتد داخلها متجهاً لهم من جديد
فما كان من جلجامش إلا أن وجه عين الذئب أمام الأجهش فارتد الأجهش وسيفه عالياً بفضل عين الذئب والمغناطيس إلى أن التقا بالجزء الثاني من السيف الذي اخترق ظهره
أما جلجامش فقد وصل لقعر الزوبعة وضرب القعر بالسيف بكامل قوته فتبددت الزوبعة مختزنةً بسيفه
وسقط الأجهش أرضاً يجهش لادموعاً هذه المرة بل دماء حتى فاضت روحه

أخذ جلجامش ينظر لسيفه الذي يهتز من قوة هذه الطاقة التي اختزنها لكنه تذكر عشتار ففك وثاقها عن ظهره واحتضنها

جلجامش: عشتار حبيبتي أفيقي أرجوك

فتحت عشتار عينيها وأخذت تنظر لجلجامش باستغراب

جلجامش: لاعليك ياحبيبتي لقد تغلبت على الأجهش لقد مات

عشتار: ماهذا المكان وماهو الأجهش وأين ابنتاي

أصيب جلجامش بحيرة كدرت زهوة انتصاره

اخذ جلجامش ينظر حوله كان كل شيء مدمر سوى يارخ الذي مازال منهمكاً في صنع سلاحه وكأنه لم يحس بشيء

عشتار: هل نحن بعيدون عن المنزل عليك أن تخلد للنوم باكراً هذه الليلة لا أريد أن تتأخر عن عملك كالعادة

انهار جلجامش واخذ يحدث نفسه ” يا إلهي هل فقدت ذاكرتها.. ليس الآن ياعشتار .. إنها لاتتذكر أنني جني حتى … يا إلهي مالعمل”

يتبع

حسن المصوف