كما تخيلت ابني ٥

من قصة كما تخيلت ابني – حسن المصوف

(٥)

– حسناً أبي لقد وأضحت وجهة نظرك لكن ماذا عني!!

وكعادته يقوم برفع جريدته للأعلى وينظر لي من أسفلها ومن أعلى النظارة فتكون عيناه الصغيرتان بينهما متخذاً وضعية السلطعون ثم سرعان مايهرب وراء جريدته 

ومع أنه كان يشتري الجرائد بشكل يومي إلا أنه أسر لي يوماً أنه لايحب قراءة الجرائد ولم يقرأها يوماً فقط يقوم بقراءة العناوين والسرحان في الصور 

وحين سألته عن السبب الحقيقي اعترف أنه كان يهرب من أسئلة أمي المفاجئة حين تسأله “فيما تفكر” إلى أن اكتشف هذه الحيلة بأن يضع الجريدة كجدار بينها وبين عقله كما يقول لكنه اكتشف أيضاً أن هذه الحيلة تنفع مع كثير من الناس وليس فقط أمي وأيضاً اكتشف أنه ليس الوحيد الذي يقوم بهذه الحيلة فسألته:

– وكيف عرفت أنك لست الوحيد الذي لايقرأ الجريدة بل يحدق فيها لساعات

أجاب:

– بني ..لو كان الشعب يقرأ لكنا أكثر ثقافة لكن ومع أننا شعب لايقرأ مازالت الجرائد تباع حتى يومنا هذا لذا عليك أن تستنتج أن الرجال لاتشتري الجرائد فقط لتنظيف النوافذ وتحت الموائد فهذا ماتفعله النساء بأموال أزواجهن التي يهدرونها هرباً منهن محاولةً في أن يثبتوا لأزواجهن أنهن على الأقل استفدن من هذه الأوراق في شيء ما…

مع أنني لا اتفق مع أبي دائماً إلا أنني أقر أن له وجهة نظر احترمها من جهة وأصاب بالحنق منها من جهة أخرى لكن أظن أن أبي ليس من هذا الزمن ولا ينتمي لأي زمن هو خارج عن الزمن يتفرج علينا بسخرية مع مرور السنين لذا أظن أنه شيء خالد شيء لن يكرره الزمن ومايجعلني أقول هذا هو أنه حتى حين يعبر عن وجهة نظره في أمر ما يعترف في النهاية أنها مجرد وجهة نظره وأنها لاتعجبه نوعاً ما لكنها وجهة نظره على أية حال 

قال لي مرة حين استشرته في أمر ما:

– هل تريد نصيحتي أم وجهة نظري!!

قلت:

– ومالفرق بينهما!!

أجاب:

نصيحتي هي ما يتوجب عليك فعله أما وجهة نظري فهي ما أظن أنه يتوجب عليك فعله…

لقد تعلمت من أبي دون قصد منه بالطبع أو لعله قد قصد ذلك أن أعجب بالشيء الذي لايعجبني

حسن المصوف 

 

كما تخيلت ابني ٤

من قصة كما تخيلت ابني – حسن المصوف

(٤)

دائماً حين أرى أحد الباعة الأجانب المتجوليين على شاطئ البحر أتذكر أبي ذات مرة حين كنا جالسين على الشاطئ واقترب مني أحد الباعة يلوح لي بسيف مضيء بلاستيكي فما كان مني إلا أن هرعت إلى والدي كما فعل الأطفال الآخرون ولأن أبي لم يكن كالآباء الآخرون كما كنت متأكداً إلا أنني مضطر لمجارات بقية الأطفال على أية حال ومحاولة إن لم تنفع لن تضر 

فاجأني والدي حين وقف منتصباً واتجه للبائع بسرعة وأخرج عشرة ريالات من جيبه وقام بالتلويح بها في وجه البائع ثم عاد وجلس مكانه متناولاً جريدته وكأن شيئاً لم يحدث

حسن المصوف 

 

كما تخيلت ابني ٣ 

من قصة كما تخيلت ابني – حسن المصوف

(٣)

– متى كانت آخر مرة رأيتني آكل الآيسكريم؟

سألني أبي حين توقف بالقرب من محل لبيع المثلجات

أجبت وكأنني أحاول أن أتذكر شيئاً غير موجود في الذاكرة:

أظن أنها ستكون المرة الأولى!! لكن أظن أنك اشتريت لي المثلجات مرةً حين كنت صغيراً واسترقت لعقة واحدة

قبل أن يتوقف بسيارته أمام محل المثلجات كاد أن يدهس إمرأةً تعبر الشارع إذ عبرت الشارع فجأةً

كثيراً مايحدث أن تخرج إمرأة في منتصف الطريق لتعبر دون إكتراث بالسيارات التي تكون مسرعة غالباً مما يضطر السائقين للتوقف المفاجئ وأحياناً حتى لو لم تعبر وكانت متوقفةً تنتظر

 يتبرع أحد ما بالتوقف المفاجئ شهامةً منه حتى تعبر تلك الغمامة المظلمة بسلام لكن لم يكن أبي من ذلك النوع فهاهو يقود السيارة وكأنه لم يرها بل على العكس زاد من سرعته الأمر الذي جعلني التصق بالكرسي لأنني أعرف والدي أكثر من هذه المرأة المسكينة إذ لم تزل مصممةً على العبور وكأنهما يتحديان بعضهما البعض كسيارتان تتجهان نحو بعضهما في فلم أجنبي 

الوحيد الذي كان مقدراً خطورة هذا التحدي هو أنا 

والوحيد الذي كان يعلم ماسيحدث أن لم تكن هذه المرأة قادرةً على الطيران هو أيضاً أنا بحسب الظاهر لكنني التزمت الصمت فقد عجز لساني عند إخراج صرخة مناسبة أو لعله لثقتي أن الكلام لن يجدي نفعاً 

دخلنا في أجزاء الثانية الأخيرة وحمداً لله استسلمت تلك المرأة أخيراً وأخذت تركض عائدةً للرصيف الذي جاءت منه وعبائتها ترفرف مسابقةً الريح وسيارة أبي

 لكن أن أبي لحق بها بالسيارة مصراً على موقفه لكنها نجت بأعجوبة 

مع أن تصرف أبي لم يعجبني لكن كان منظر المرأة مضحكاً وهي تنظر لنا من رصيفها بتعجب والسيارة تبتعد

وبعد كل ماحدث يكتفي أن يتوقف أمام محل لبيع المثلجات ويسألني عن المرة الأخيرة التي شاهدته يأكل الآيسكريم!!

حين وصلنا للباب كان المحل يستعد للإغلاق إذ دخل وقت الصلاة فقال أبي: 

– أرأيت لو كنا توقفنا لتلك المرأة ماكنا سنأكل الآيسكريم

أجبته بحنق:

– فعلاً أبي الآيسكريم أهم من حياة تلك المرأة 

نظر لي أبي نظرة متفحصة ثم قال: 

أتعلم.. حين كنت طفلاً كنت أشاهد معك ذلك التنين الذي أراد أن يصبح رجل إطفاء وقد لاحظت أنه سيؤثر على شخصيتك عندما تكبر لكنني جعلتك تشاهده على أية حال 

سألنا البائع بسرعة كم عدد المثلجات التي سنطلبها قبل أن يغلق فقال أبي: 

– واحدة .. فقط واحدة لي فابني يهتم بالحياة الفطرية أكثر من الانتعاش في طقس كهذا هه 

خرجنا من محل المثلجات فأخذ لعقة واحدة ودفع لي بالباقي

حسن المصوف

  

كما تخيلت ابني ٢ 

من قصة كما تخيلت ابني – حسن المصوف

(٢)

 

“السبب الوحيد الذي دعاني للحضور هو أنك ستظن إن لم أحظر أنني لست كآباء أصدقائك الأغبياء…

ملاحظة: المقصودون بالأغبياء هم الآباء طبعاً .. مع أنني أظن أن أصدقائك أغبياء أيضاً”

 

قال هذه الجملة وأصدقائي مع آبائهم حولنا ينظرون بتعجب فأردف بسرعة:

– ماذا!!.. ثلة من الحمقى تعرضوا لحادث بسيط في رحلة حمقاء أهل يتوجب أن يأتي جميع آبائهم لإنقاذهم مع أن ذلك يعد مستحيلاً فالإنقاذ في الوضع الطبيعي يكون قبل وقوع الحادث وليس بعده!!

 

أجاب أحد الآباء بغضب:

– ثلاثة فقدوا وعيهم وواحد انخلع كتفه والآخر يعاني من ضربة في رأسه والوحيد الذي لم يصب بأي أذى هو السائق الذي كان ابنك وبما أنه لم يصبه شيء لماذا أنت هنا!!

 

رد والدي مدافعاً:

– ابني لم يصبه شيء لأنني ربيته على ربط حزام الأمان بالمناسبة حمداً لله على سلامتك ياولد، أما عن سبب تواجدي الحقيقي هنا هو أن السيارة مسجلة بإسمي

 

 

كثيراً ماكان أصدقائي يذكرونني بهذه الحادثة عندما يستدعي أي أمر الاتصال بآبائنا لكن حدث يوم ما أن قام أحد آباء أصدقائي بعمل عشاء ودعوة أصدقائي مع آبائهم الذين كان كل واحد منهم يسأل عما إذا كان أبي سيحضر حتى يجد له عذراً ما تفاديا للقاء والدي ومع أن صاحب الدعوة هو الآخر لم يكن يحبذ وجود والدي إلا أنه ظن أنه من غير اللائق أن يحضر الجميع مع آبائهم وأكون وحيداً لذلك نجح في إقناع بقية الآباء بتحمل أبي من أجل الغرض الذي كان هذا العشاء سيقام من أجله

 

دخلت على والدي المطبخ يشرب كوبا من الشاي وهو ينظر للحديقة دون تركيز في الصباح كعادته وأنا أحمل هاتفي

 

قلت:

– أبي يريد أب صديقي محادثتك

 

أجاب:

– آخر مرة تحدثت فيها لأب من آباء أصدقائك كان يقترح أن نتشارك في دفع مبلغ مالي لاستئجار استرحة ما، من أين تأتي بآباء أصدقائك!!

 

همست بعد أن كاد قلبي يتوقف:

– أبي أرجوك .. الرجل ينتظر على الهاتف

 

أمسك بالهاتف ونظر إلي قبل أن يتكلم مع المتصل:

– لن أدفع شيئاً ها..

 

ثم وضع الهاتف على أذنه وأخذ يتحدث:

– أهلاً .. نعم.. نعم.. حسناً.. لاشك.. بالطبع.. اممم.. اممم .. لكن هل سيحضر الرجل السمين ذو اللحية الحمقاء!!..لا أرتاح لهذا الرجل ودوماً أحذر ابني منه أعتقد أنه من النوع الذي قد يتحرش جنســ… ها .. أها .. أوه!! أنت الرجل السمين ذو اللحية هه هه إنها حمقاء ينبغي لك أن تقوم بتغـ… آه لامشكلة.. حسناً حسناً سأحضر لاتقلق إلى اللقاء .. إلى اللقاء

 

أغلق والدي السماعة وأنا أحملق فيه وكل علامات التعجب في الدنيا وآثار الصدمات النفسية بادية في تعابير وجهي

 

لكنه أضحكني حين قال:

-إتصل بابنه وتأكد إن كنا مانزال ضمن قائمة المدعويين  

 

 حسن المصوف 

 

كما تخيلت ابني – البداية

كما تخيلت ابني – البداية

 

 

 

 

“أنتِ شيءٌ فريدٌ من نوعه خارجٌ عن سيطرةِ الحدود فلا تُقارني نفسكِ بالنساء ولا بالأشياء”

 

 

 

 

 

هذا ماكانت والدتي تقول أنه قد خرج البارحة من فم أبي ماكان يقوله بالليل ينسيها قسوته بالنهار لكنني أجزم أنها كانت تحلم أنه قال ذلك

بالنسبة لي لم أرى سوى القسوة ليلاً ونهاراً لكن على ما أظن تكمن متعة الذكرى في عدم تكرارها 

 

“لاتقتنع بأي شيء مئة بالمئة حتى لو كان مقنعا دائما احمل معك كيسا مليئا بعلامات الاستفهام والقي بها وانت تمشي حتى لو صادف وتهت تستطيع الاستدلال بها على طريق العودة لليقين هذا إن عرفت اليقين يوماً هه”   أبي 

 

“ثق بنفسك حتى وإن كنت على خطأ فمجرد اعترافك بخطأك لنفسك دليل على أنك قد تصل للطريق الصحيح يوما ما، في النهاية ستكون أنت مع نفسك فقط

هل يأتي اليقين من الإنسان الذي كان يشكك في كل شيء إنه لشيء يدعو إلى الشك!!.. هه هه”   أيضاً أبي

 

“أخطأت في كل ماكنت أظنه خطأ”  طريقته في إبداء خيبة أمله بي أو إعجابه لا أدري..

 

“لا أعتقد أنك ذكي لكن قد يفاجئك من تظنه غبياً حين محاولته بأن يكون ذكياً ويدهشك أيضاً لذلك دائما أدهش من هم حولي.. وأدهشني .. أنا أؤمن بأن الذكاء ليس شيئاً فطرياً بالضرورة بل يمكن الحصول عليه بالإرادة والمثابرة لكنه يظل محدوداً ومتفاوتاً من شخص لآخر كالقوة والجمال تماماً” لا أدري مالرسالة التي حاول إيصالها هنا!! يريد أن يخفي الحقيقة بإسلوب يبدو ديموقراطياً ظاهرياً ودكتاتورياً باطنياً

 

“أشد شيء كرهته فيك أنك دائماً على صواب يالك من محظوظ أحمق وبغيض”ما كان يسره في أذن عمي حين كان يحتضنه قبل أن يخرج من منزل جدتي التي كانت تفضل عمي على أبي بحسب ماكان يقول ولو أن جدتي قد نفت ذلك كثيراً

 

“وصلت إلى يقين في أنني لن استطيع إنزال وزني.. ولكن في نفس الوقت لن أكف عن المحاولة” هكذا كان يصور الإصرار وهو يربت على كرشته وهو يحملق بي بامتعاض

 

“إذا قابلتك مشكلة مستحيلة الحل من كلا الطرفين فأعلم أن احدهما يخفي شيئاً يؤدي إلى الحل الذي ليس من صالحه فلا توجد مشكلة دون حل ما” حين يكون قد اكتشف سلفاً مالذي أخفيه لكنه يريد أن يبين أنه اكتشف ماكتشفه بطريقة ذكية وليس بوشاية من أمي 

 

أتذكر أنني سألت والدي مرة:

–         لماذا سميت البرتقالة بهذا الإسم؟

أجاب وهو منشغل بجريدته كالعادة:

–         لأن لونها برتقالي يابني لأن لونها برتقالي

–         ولماذا سمي اللون البرتقالي باللون البرتقالي!!

عبس وجه أبي لم أكن ادري أكان من الخبر الذي يقرأه في الجريدة أم من سؤالي إذ لا سبيل للتحقق من ذلك بالنظر في عيناه لأنه كان من النوع الذي تختفي عيناه حين يعبس أو يبتسم أو يتكلم أو يأكل وحتى حين ينام 

دائماً كان وجهه كمن يمشي وفوقه الشمس وجه عابس وعينان مختفيتان ويخلو من أية تعابيير سوى الاستياء 

أمسك برأسي وقربني منه وهو واضع يده الأخرى فوق ذقنه التي بدأت الشعيرات تظهر بها من جديد 

–         بني الأطفال عادة يمرون بهذه المرحلة التي تكثر بها الأسئلة عن كل شيء وكل ما يجاب له على سؤال معين أخرج لك سؤال من جوابك ، ولكن سرعان مايتجاوزون هذه المرحلة العمرية بعد فترة معينة فلماذا لم تتجاوزها أنت حتى الآن عليك أن تفهم أنه لايوجد لدي جواب لكل سؤال أنا أدعي أن لدي جواب لكل سؤال أمام والدتك فقط أما بالنسبة لك إن أردت الحصول على الأجوبة لكل شيء عليك أن تقرأ كل شيء وتخرج لهذا العالم وتخوض تجاربه فقط بهذين الطريقين سوف تحصل على أية إجابة تريدها لكن بشرط أن تكون رجلاً 

 

كانت الرجولة هي شرط أساسي لدى والدي للحصول على كل شيء لذلك كان حصولي على لقب رجل من والدي مستحيلاً ومجرد مكوثي معه في غرفة واحدة دون أمي كان يربكني ويصيبني بالتوتر مع أنه كان لايتكلم معي لوحدنا أبداً إلا أن صمته المصحوب بنظرة خيبة الأمل كان يربكني ويقتلني أيضاً  

 

أتذكر مرة أنه قال لي أن لساني سيشقيني لكنني لم أحمل كلامه على محمل الجد خصوصا أنني قد كنت قليل الكلام لكنني أدركت بعد وقت طويل أن ذلك ماكان يقصده…

 

أغمضت أمي عيناها مقلدةً أبي بشكل مضحك وهي تقول:

–         كن رجلاً يابني…

ثم ابتسمت ومازالت مغمضة تلك الآلئ فما كان مني إلا  أن أغمضت عيني مجيباً  بصوت خفيف:

–         الحياة خير مدرسة يا أمي.. الحياة خير مدرسة

 

وقفت أمي منتصبة وصرخت:

–         يا إلهي لأول مرة اكتشف أنك تشبه أباك تماماً 

 

في طريق ذهابي حين خرجت من المنزل مودعاً أمي وكلانا مغمض عينيه 

 

–         إلى اللقاء يارجل 

–         إلى اللقاء يا رجلة 

 

مع انني لم أكن مرتاحاً مماقالته أمي بأنني أشبه أبي حين عبست وأغمضت عيناي فقلد اكتشفنا أنني أشبه أكثر شيء أخافه في هذه الدنيا واستوحش بالقرب منه إلا أنني بعد قليل من المشي أحسست بثقة وقوة لم أحس بهما من قبل وكأنني لم أعد ذلك الطفل الذي يتلفت بعد اليوم فحتى الذين لايحبون آبائهم يتشهبون بهم دائماً ولو رفضوا الاعتراف بذلك أعتقد أن ذلك شغف فطري   

 

حين توفت أمي لم أكن حزيناً بمقدار يوازي نظرة الشفقة التي كنت أتلقاها أينما أذهب مما جعل البعض يظن أن هنالك خطب ما والبعض الآخر حاول جاهداً مواساتي والتقرب لي في بداية الأيام التي فقدت فيها والدتي حين نزل علي الخبر لم أكن مصدقاً ماحدث أو لم أرد تصديقه وكنت اتساءل لماذا لم أبكي حتى الآن إلا أنني رجحت ذلك لسبب واحد وهو أنه علي أن أبدو قوياً خصوصا أمام والدي فالبكاء أو إبداء أي مظهر من مظاهر الحزن ممنوع في عالم الرجال إلا أنني أكاد أجزم أنني قد رأيت لمعاناً ذات ليلة أسفل عينيه بعد وفاة والدتي بأيام لكن سرعان ماختفى وسط الظلام هرباً مني على ما أظن ومما أكد لي أن مارأيته أسفل عينا والدي كان دمعاً هو انعكاس ذلك الدمع أسفل عيناي ثم سرعان ما أجهشت بالبكاء حتى أغمي علي وأيقظني والدي بدلو من الماء صباحاً متذمراً من نومي على الأرض بدلاً من الذهاب لغرفتي وكأن شيئاً لم يحدث البارحة

 

كانت أمي بالنسبة لي ولأبي كل شيء فبعدها غدا كلانا وحيداً في بيت واحد

كانت هي حلقة الوصل بيننا 

 

إلى أن جاء ذلك اليوم في سكن الكلية حين جلست مع بعض الزملاء وقد كان أحدهم يعاني من مشكلة مع والده فاقترح عليه أحدهم أن يتصل بوالده ويسأل عن أخباره فقط وحتى لايشعر بالحرج قرر الجميع الاتصال بآبائهم لتشجيعه الوضع الذي كان خطيراً جداً بالنسبة لي فما يقتروحنه ليس متاحاً للجميع لكن ليتهم كانوا يعلمون 

 

حاولت الهرب لكنهم حصروني في زاوية ضيقة فققرت الانتحار.. أقصد الاتصال

 

اتصلت لكنه لم يرد ثم فجأة رن هاتفي إذ أنه قد عاود الاتصال

قلت: ألو…

 

ساد الصمت لبرهة ثم أجاب أبي:

أتعرف أن كلمة “آلو” هي ليست كلمة عربية علاوة على أنك لاتنطقها النطق الصحيح…

 

للتو انتبهت أنها المرة الأولى التي أكلم والدي هاتفياً وإلا لكان قالها قبل ذلك فهو من النوع الذي لايحب تكرار مايقوله فقلت متلعثماً وأصدقائي يحدقون بي والبعض منهم قد وضع مخدة على فمه كي لاينفجر ضاحكاً:

 

 كيف الحال!!

 

أجاب: مالأمر.. هل هنالك أي مشكلة!

 

مع أن أصدقائي الذين كانوا قد اتصلوا بآبائهم قبلي كانوا قد حصلوا على نفس الاستفسار إلا أن نبرة والدي كانت مختلفة نوعاً ما فآبائهم كانوا يعنون ماقالوا حين سألوا هل هنالك أي مشكلة في حين ماقصده أبي هو هل هنالك أي مشكلة تعتقد أن علي أن أتدخل في حلها مع أنه لايتوجب علي ذلك لأنك رجل بحسب الظاهر وأنك ستتندم لو أنا فعلت فعليك أن تكون حذراً وتختار جملتك التالية بعناية فائقة إنه الإنذار الأخير

 

مع أن التواصل معه بدا أسهل عن بعد إلا أنني كنت أتخيل تعابير وجهه في كل كلمة كان يقولها فأجبت: لا .. كل شيء على مايرام فقط أردت أن اطمئن عليك وأسأل عن أخبارك

 

لكنه صعقني حين قال: سأذهب لتناول وجبة خفيفة هل تريد مرافقتي؟

 

كان أصدقائي يومؤون لي بالنفي إذ كنت سأصطحبهم لتناول العشاء بسيارتي لكن والدي وجه إلي عرضاً فريداً من نوعه لأول مرة وقد لايتكرر مرة أخرى فأجبت: بالطبع لم لا 

 

وحين أغلقت الهاتف هاج الجميع بالاعتراض لكنني قلت لهم أنني لم أرد أن أهاتفه على أية حال لكنهم هم من أصر على ذلك وقد اكتشفت للتو أنني فرح لسبب لم أعرفه لكن أعتقد أن والدي قد دعاني للعشاء لأول مرة

 

كان العشاء الذي سميته فيما بعد بـ”العشاء الأخير” إذ كنت اجزم أنه لن يتكرر ومع أنه تكرر كثيراً بعدها إلا أنني مازلت اسميه بذلك الاسم

 

تلخص في أنه أقلني من الكلية ذهبنا لتناول العشاء وأعادني للكلية مرة اخرى 

ملاحظة: لم يتفوه بأي كلمة…

 

حاولت أن أنزل بصمت من السيارة لكنني لم أتمالك نفسي فانفجرت قائلاً: لماذا دعوتني للعشاء إن كنت ستكون صامتاً طوال الوقت!!

 

أجاب جواباً هزني: لكي اطمئن عليك أيها الغبي لقد فاجأني اتصالك وقد كنت أسأل نفسي لماذا لذت أنت بالصمت طوال هذا الوقت هل كل شيء على مايرام!!

 

قلت مدافعاً: لقد ظننت اننا سنتجاذب أطراف الحديث كأي أب وابن طبيعيان

 

قال لامبالياً: أنت لاتحب الكلام كثيرا وأنا كذلك لكن حين التقي بك أو نجتمع أحس براحة واطمئنان أنا أعلم أنني أصيبك بالقلق أحياناًَ لكنني واثق أنك حين تجتمع بي تكون مرتاحاً نوعا ما حتى وإن لم تكن تدري، أنت تظن أنك متوتر بالقرب مني لكنه ليس كذلك صدقني، لقد انتهى الزمان الذي يلوذ فيه المعطوبون بالصمت خصوصا في جيلكم هذا، إعلم أنه إن ساد الصمت فكل شيء على مايرام، فقط الصامت الوحيد الذي لديه مشكلة ما تراه جالساً في زاوية ينتظر أحد ما ليحدثه بها أما بقية الصامتون الذين لايرجون كلاماً من صمتهم جميعهم على مايرام .. جميعهم على مايرام

 

حين يكرر أبي جملة ما كـ” جميعهم على ما يرام” يعني أنه انتهى من خطبته فهو يقول الجملة وهو ينظر إليك ثم يغير الزاوية التي ينظر إليها ويعيد الجملة وهو يهز رأسه بالايجاب وكانه أعجب بماقال أما إذا هز رأسه بالنفي فهو متعجب مما قال  

 

أردف قبل أن يرحل: العجيب أنك تتعجب مني دائما وأنت مثلي هه هه 

 

فقلت: لاتسيء فهمي لكن لايعجبني ذلك

 

ضحك ثم قال: أنا لا أعجبني أيضاً هه لكن أريدك أن تعلم أنني أحبك ليس بالضرورة أن تعجب بما تحب قد يتسرب الحب للداخل دون إعجاب هو الحب الذي تتفاجأ به في النهاية.. الذي تتفاجأ به في النهاية

 

قال مودعاً: اذهب وذاكر ياولد سلام…

 

قالها ورحل 

 

وقفت محتاراً أفكر فيما قال بتعجب وإقرار أنه صدق فيما قال فهو لايعجبني لكني أحبه أكثر من أي شيء أعجبني 

 

أمسكت بهاتفي وأرسلت له رسالة نصية فقط كلمة واحدة “أحبك”

 

رن هاتفي برسالة نصية كانت جواباً سريعاً منه وكم أكره حين يكون جوابه سريعاً

 

“لا تكن ******”

 

ثم جاءت رسالة نصية أخرى

 

“ما رأيك أن تشتري لي وردة حمراء هه هه”

 

أرسلت له 

 

“سأغلق هاتفي”

 

حين أفقت في الصباح كانت قد جائتني رسالة منه يقول فيها 

“وأنا أيضاً”

 

 image

حسن المصوف

 

 

 

فاتمان – الحلقة الخامسة

فاتمان – الحلقة الخامسة

عنوان الحلقة

“يلاعبها من وراء حجاب”

أخيراً تمكن ليث ومضاك من القضاء على الأسد ذو رأس التنين أول وحش يجابهه مع أن ليث لم يكن له أي دور فعلياً في تلك المعركة
ليث:
– جئت في الوقت المناسب ياصديقي كعادتك وكأنني كنت أعلم أنك ستأتي لكن لم أتوقع أنك ستأتيني طائراً كيف فعلت ذلك!
مضّاك:
– لاعليك ياصديقي آتيك ولو كنت وراء الشمس
– نحن وراء الشمس بالفعل ياصديقي .. لقد كدت أموت في بيت يشتعل ناراً وهجم علينا الوحوش وفقدت زوجتي
– لقد سافرت للمستقبل ولا أعلم أي شيء عن أسرتي!
– يا إلهي وأنا لتوي كنت مستغرباً من طيرانك
– لاتقلق ياصديقي سننقذ زوجتك
– وسنجد أسرتك
قال العجوز:
– يبدو أن الجميع مقتنع أن الجميع مازال على قيد الحياة يالكما من صديقان دعكما من هذه اللحظة الحميمة الأجدر بنا دفن هذا الغريب رحمه الله والابتعاد عن هذه المنطقة بأسرع وقت ممكن فرائحة الدماء ستجذب وحوش آخرين لاشك

قام الثلاثة ليث ومضاك والعجوز بدفن الأجنبي بعد أن فارق الحياة ولأنه لم يتسنى لهم معرفة اسمه كتب الرجل العجوز على قبره “هنا يرقد غريب بطل” بعد أن وضع رأس التنين على ذلك القبر

نظر العجوز لقبر الغريب بسرحان لبرهة ثم قطع الصمت قائلاً:
اسمي الروّاح… رحمك الله أيها الغريب هل تظنون أن موت الانسان غريباً يشكل فارقاً! ترى هل كان سيحس بارتياح اكثر لو مات في بلده بين أهله على سرير مرض او وهو نائم!!
ثم جثى على ركبتيه وقال:
– كم هو مهيب وغامض الموت ! هل تعتقد ياليث ان الإنسان في نهاية مطاف حياته سيتذكر الأشياء الجميلة التي حدثت أم الأشياء التي لم يحصل عليها؟

أراد ليث أن يتكلم لكنه آثر الصمت لما رأى الأسى الذي بدا على الروّاح

الروّاح:
– يمضي الإنسان حياته في جمع الذكرى ظناً منه أنه سيتفرغ لها يوماً ويستمتع بها حتى يباغته الموت .. يقضي عمره في السعي على مالم يحصل عليه وحين يحين موته يتذكر الأشياء التي كانت لديه ..

ماستمتع بما لديه وماحصل على ماليس له

هكذا ألخص حياة الإنسان لذلك يقال أن شريط حياة الإنسان يمر أمام عينيه قبل موته وأن الإنسان يظهر على حقيقته قبل موته لكن برأيي أنه لايوجد مقطع مرئي من الصور يمر أمام عينيك قبل أن تموت أو قبل أن تتعرض للموت نحن لسنا بأجهزة

هز مضّاك رأسه ثم قال:
– لا أدري أيها الروّاح لكن الذين يتعرضون لحوادث خطيرة قد تودي بحياتهم غالباً يقولون أن شريط حياتهم قد مر أمام أعينهم
الروّاح:
– أعتقد أن المقصود من شريط الحياة الذي يراه البعض عند الموت هو تلخص حياتك امامك في لحظاتك الأخيرة وتجلي حقيقتك على سبيل المثال منذ قليل حين هاجمنا التنين وكدنا نموت أظن أن حياتنا قد تلخصت جميعاً واتضحت حقيقة كل واحد منا

ليث باستغراب:
– كيف!!

الروّاح:
– حين هجم علينا الأسد التنين اختبئت أنا بين الحشائش والغريب تسلق شجرة منتظراً الفرصة التي سيغتنمها لينقض على الوحش أما أنت فوقفت حائراً

ليث:
– مازلت لم أفهم على ماذا يدل هذا؟

الروّاح:
– حين تعرضنا لخطر الموت تجلت لكل واحد منا حقيقته وتلخصت حياته فأنت مثلاً وقفت محتاراً لاتعرف أين تذهب ويبدو عليك أنك قضيت حياتك في حيرة من أمرك لذلك تسعى خلف سراب إنقاذ زوجتك التي حتى أنت بداخلك قد بدأ الأمل بالانقشاع أما الغريب فقد قضى عمره يتحين الفرص إلى أن أودت بحياته تلك الفرص فكما ترك بلده وقدم إلى هنا بحثاً عن فرصة الغنى انتهت حياته حين حاول انتهاز فرصة مفجعة وأنا تلخصت حياتي في الاختباء إذ أنني قضيت عمري كله مختبئاً من مواجهة أي مخاطر دائماً كنت كمن يمشي بجانب الجدار اسلك الطريق الأسهل ولو كان اطول حتى فقدت عائلتي وانا مختبئ بدل أن أدافع عنهم للرمق الأخير لذلك لم أرد أن أعيد مشهد موت الأطفال والنساء أمامي وآثرت القدوم معك

نزلت دمعة من الروّاح ودن ان ينظر إلى أي من مضّاك أو ليث واصل حديثه:
– في الوقت الذي كنت اشتري فيه أقنعة تقي عائلتي من الغبار تصاب المدينة بصخور نارية وتهجم علينا وحوش من السماء تقضي على عائلتي بأكملها باستثنائي لاختبائي في السيارة بدل الدخول للمنزل وتفقدهم كم تمنيت لو أنني مت أول واحد فيهم بدل من حسرة فقدانهم إن أصعب شيء يواجهه الإنسان هي حقيقته حين يكتشف أنه أجبن من أن يستطيع محاولة الدفاع عن عائلته ونسائه وأطفاله
تقدم ليث واضعاً يده على كتف الروّاح ثم قال:
– هون على نفسك يارجل هم وحوش أقوى منك بلا شك ولا أحد يلومك على ماحدث حتى عائلتك

الروّاح:
– ياليتهم يعودون ويلومونني ليلاً ونهاراً فقط أريد رؤيتهم ..أتدري أنني لم أبكي حين فقدتهم جميعاً وكأنني لم أستوعب ماحدث إلا حين مات الغريب وكدت أن أموت فأحسست بالأشياء التي كانت في حياتي وفرطت فيها، أحسست بالأشياء التي فقدتها حين اقتربت من الموت فقط الآن أصبحت أؤمن أنه ينبغي على المرء أن يستلقي على فراش الموت بين الفينة والأخرى حتى يحس بطعم الحياة وقيمة الأشياء فقط عند الموت تتجلى لك جمالية كل شيء وإن لم تتمكن من تذكر الأشياء أعلم أن الأحاسيس لاتنسى أبداً كذلك الطفل الذي أخبره أبوه أن أمه ذهبت للمستشفى أخيراً لإخراج أخته الصغيرة من بطنها بعد طول انتظار وشوق لملاقاة تلك الأخت الذي كان يلاعبها من وراء حجاب ومع انه كان لديه أخوة هو أوسطهم إلا أنه كان سيشهد ولادة الأنثى لأول مرة في حياته سيصبح أخ مسؤلاً عن الدفاع عن أول امرأة في الكون كان يعد الثواني واحدة بعد الأخرى لينتنهي يومه الدراسي وبعد ذلك خرج من مدرسته عدواً إذ كان ذلك اليوم هو اليوم الذي تعود فيه أمه بتلك الملاك الصغيرة التي كان الكل يوصيه عليها ويشجعه لأن يعتني بها ويفاجأ حين يكبر أنها هي من يعتني به ومع أنه نسي شكلها الصغير بعد مرور كل تلك السنين لكنه لم ينسى إحساس اللقاء ودفء بداية الأخوة إن جمالية الأشياء تكمن في أحاسيسها

حفظك الله يا أختاه ورعاك…

قطع الحديث مضّاك قائلاً:
– يارجال اعتقد أن علينا التحرك فالوضع ليس آمن لكننا ياليث لن نستطيع التحرك بحرية في هذه الغابة بالمناسبة من أين جائت هذه الغابة!

ليث:
– في الوقت الذي كنت أنت تسافر عبر الزمن كنت أنا في غيبوبة لكن قالوا لي أن ذلك قد حدث جراء انفجار كبير
مضاك:
– وهل فقدت زوجتك منذ ثلاثة أيام
ليث:
– أتمنى أنها مازالت على قيد الحياة
مضّاك: إن شاء الله ياصديقي إن شاء الله سنتوغل للمكان الذي تركتها فيها خلسة نستكشف المكان ونعود وأتمنى أن نعود بها فكما يبدو بعد سفري عبر الزمن اكتشفت أنني قائد جيش وهم ينتظرون عودتي!

الروّاح:
– هذا يفسر وجود الأسلحة التي بحوزتك عموماً أنا اقترح أن نسلخ جلد هذا الأسد ونقتسمه حتى تطغى رائحته علينا فهذه المخلوقات إن كانت وحوش أو جن هي محكومة بالرائحة لاشك ولا أدري قد تنجح الفكرة
مضّاك وكانه استلم زمام الأمور:
– اعتقد أنه لاضير من المحاولة
قال ليث موافقاً:
حسناً هيا بنا

أكمل الثلاثة توغلهم للمكان الذي فقدت فيه غزالة وغالباً كانوا يقفزون على الأشجار أو يتسللون بين الصخور والأحجار لكيلا يلفتون انتباه وحش أو أكثر ولايتمكنون من مجابهة شيء قد لايتمكنون من النجاة منه

((((قبل ثلاثة أيام))))

بعد الانفجار كانت سيارة ليث قد ارتفعت للأعلى مع باقي السيارات والهلع سيد الموقف
سقطت السيارة أرضاً مرةً أخرى بقوة مما أدى لارتطام رأس غزالة بزجاج السيارة الأمامي ارتطاماً قوياً

حين توقفت السيارة أخيراً رفعت غزالة رأسها تريد أن تنظر مالذي حدث
كان منظر الناس وهم يتراكضون على غير هدى هرباً من الخوف يخيف بحد ذاته

فتحت غزالة الباب بصعوبة محاولة الخروج من السيارة لكن سيارة كبيرة طائرة في الهواء اصطدمت بسيارتها واصبحت محصوره بين هذه السيارة وجدار كبير
أخذ الناس يتراكضون في هلع شديد والجرحى في كل مكان يخورون في دمائهم
لم تدري غزاله لما يهرب الجميع ،،
حاولت الإتصال بزوجها لكنها فوجئت بأن هاتفه كان داخل السياره !! أخذت تضرب على زجاجة السياره بشده علّ أحداً ينجدها ويساعدها ، لكن لاجدوى فالكل كان مشغولاً بنفسه !
فحاولت كسر زجاج السياره لاسيما انها كانت في وضع خطر جداً اذ ان الكتل الناريه مازالت تتساقط هنا وهناك كجحيمٍ مستعر لكنها لم تستطع

فجأةً وإذا بها تسمع صراخاً شديداً قادمٌ من الخلف نظرت خلفها بسرعه وكانت المفاجئه !!!
مخلوقاتٌ غريبه او وحوش لم تستطع ان تتعرف على جنسهم اذ كان مرعباً يقشعر له البدن
هجمت الوحوش على الناس وأخذت تقطعهم إرباً
كانت غزاله تكاد تموت خوفاً من هذا المنظر المرعب اذ كان الواحد منهم يهجم على الإنسان ويقتلع رأسه بقضمةٍ واحده
أحست غزاله بأنه هذا آخر يوم في حياتها
فجأةً سقط شيء ما فوق سقف السياره كان وحشاً كبيراً أخذ يمشي ببطء فوق السياره فقدت غزاله الوعي
بعد فتره من الزمن أفاقت غزاله وكانت مازالت في السياره أسفل المقعد الخلفي رفعت رأسها ببطىء شديد محاولة استكشاف المكان وقد كان شعرها الحريري أشعثاً

كان هشيم النار يملأ الأرجاء والجثث تملأ المكان بشكلٍ عشوائي ولاوجود لقلب ينبض سواها حتى الوحوش قد اختفت
أخذت غزاله تبكي من هذا المنظر البشع فكرت في ان تصرخ لكن خافت ان تثير انتباه الوحوش أخذت تفكر ماذا تفعل وهي محصورة في السياره تناولت هاتفها وحاولت الإتصال للنجده لكن لم يكن لديها شبكة أحست غزاله بكتمان في صدرها واختناق شديد نظرت الى زجاج السياره كان مهشماً بعض الشيء يبدو ان الوحش الذي سقط فوق السياره قد داس عليه حين نزوله من السياره ولحسن حضها لم ينتبه لها انها بالداخل نجحت غزاله في ثقب فتحة صغيره باستعمال هاتفها لتتنفس فيها هواءً جديداً يختلط بالدخان ورائحة الدماء ايقنت غزاله انه لا حل لها سوى الإنتظار عل النجده قادمة قريباً أو يكون زوجها مازال على قيد الحياه بفعل معجزة ما ويبحث عنها، ما ان تذكرت غزاله زوجها حتى أخذت تبكي وهي تتذكر منظر الوحوش وهي تفتك بالبشر من حولها وحاولت استجماع رباطة جأشها وأن لاتقطع الأمل وأخذت تحدث نفسها مشجعةً

ليث دائماً يفاجئني لديه قدرات كلما استهنت بها أثبت لي أنني على خطأ إن كان ليث على قيد الحياه فهو لن يتركني سيبحث عني لاشك وسيخاطر بحياته من أجلي فهو يحبني ويعشقني بجنون ،، أين أنت يامنقذي يازوجي ياحبيبي؟؟ ليس لي بعد الله سوى الأمل والرجاء بأنك ماتزال على قيد الحياه قطع عليها تفكيرها وحش كبير يمشي على أربع قفز على أكوام الحطام كان الوحش يلاحق طفلاً يريد ان يأكله والطفل يختبأ بين السيارات والأنقاض خافت غزاله على الطفل حاولت ان تناديه لكن خافت ان ينتبه لها الوحش وإختبأت أسفل السيارة من جديد تدعو الله ان لا يصيبه مكروه
أخذت غزالة تفكر في طريقة ما تثير في انتباه الطفل دون أن ينتبه لها الوحش المخيف
تناست كل شيء الآن فقط فكرها انشغل في حماية هذا الطفل المسكين
لكن دون جدوى فالطفل كان يهرب من الموت وحين يهرب المرء من الموت قد لايرى الحياة في الوقت الذي يضيع فيه الوقت

يبدو أن على غزالة أن تكون شجاعة وتخرج من السيارة فالانتظار قد لايسفر سوى عن جعلها فريسة بين فكا وحش ما
الأفضل لها الخروج وإلقاء نظرة ووجود الطفل أعطاها دافعاً وشجعها وأيضا أعطاها الأمل من وجود اناس بالقرب من هذا المكان
بقليل من الجهد والصعوبة والدموع استطاعت غزالة توسيع الفتحة لتصبح كالثغر الذي تستطيع النفاذ منه بصعوبة وحيث أنها لم يكن لديها وقت اضطرت غزالة لحشر نفسها في تلك الحفرة الزجاجية والخروج أخيراً من السيارة بعد أن أصيبت بعدة خدوش في ساعديها أخذت غزالة تركض بالاتجاه الذي ذهب منه الوحش خلف الطفل ووصلت بعد حطام مكوم من السيارات لمنحدر أخذ الوحش يمشي فيه ببطء خلف الطفل وكأنه يعلم أنه لامفر لهذا الطفل وأنه أصبح في بطنه بالفعل وحتى الآن لم يكن يدري أن غزالة خلفه الأمر الذي لم تكن له أية قيمة

كان مستوى ميلان المنحدر يشتد كلما نزل الطفل إلى ان وصل لنقطة كان سقوطه لأسفل النهر مؤكداً أن تجاوزها

وقف الطفل يرتعد والوحش يقترب ببطء
أخذت غزالة تهتف بصمت وهي تشير بيديها “اقفز اقفز”
عل الطفل ينتبه لها لكن دون جدوى
أخذت غزالة تتلفت يميناً وشمالاً تبحث عن معجزة
كان عليها التغلب على وحش بجسدها الضعيف ويداها المجروحتان لإنقاذ طفل بسرعة

فجأة ركضت غزالة عائدة لأعلى المنحدر لإحدى السيارات المتحطمة وفتحت الباب ومع أن المفتاح كان في السيارة إلا أن السيارة لم تكن تعمل فما كان من غزالة سوى أن أنزلت عصا المكابح وخرجت من السيارة تريد دفعها نحو المنحدر الامر الذي كان شبه مستحيلاً
لم تتخيل غزالة أنها في يوم ما ستكون في موقف كهذا تدفع سيارة فقط أخذت تتذكر وهي خلف السيارة تحاول الدفع بكل ما أوتيت من قوة لانفع منها
أخذت تتذكر المرة التي توقفت فيها سيارة والدها عن العمل واضطر للنزول محاولاً دفعها لكنه لم يستطع لكبر سنه في الوقت الذي خرج لهم أحد أبناء الجيران وكان بديناً جداً
لقد كان ليث خرج من العدم ليمد يد المساعدة وكأنه كان يراقب مايجري كان دائماً يراقب غزالة وبيت غزالة واهل غزالة وحتى قطتهم كان لها نصيب في المراقبة إذ أنقذها هي الأخرى مرة من براثن كلب
ركب أبوها السيارة وبكل سهولة كان ليث يدفع السيارة بسرعة وكأنه يستعرض قوته امامها في الوقت الذي كانت هي تنظر إليه وهي ممسكة بتلك الضحكة التي انفجرت وهي تحكي القصة لزميلاتها في المدرسة عن جارهم السمين الذي انطلق مسرعاً يدفع سيارتهم وغزالة تتأرجح ذات اليمين والشمال تقلده ضاحكة أمام الفتيات وهي نافخة فمها الموقف الذي كانت تتذكره دائماً بعد أن أصبح هذا السمين زوجاً لها

تذكرت الآن في البداية قام ليث بهز السيارة لأعلى وأسفل وبسرعة نهضت وأخذت تقفز خلف السيارة إلى أن بدأت السيارة فعلاً بالهتزاز الخفيف الذي بدأ في الازدياد تدريجياً ثم بسرعة بدأت تدفع وأخيراً اندفعت السيارة نحو المنحدر
ركضت غزالة قبل هروب السيارة وصعدت توجه المقود نحو الوحش الذي مازال يقترب من الطفل ببطء إذ كان الوحش يخاف على نفسه من السقوط أكثر من الطفل نظراً لثقله
كانت سرعة السيارة تزداد كلما اقتربت من حافة المنحدر بإتجاه الوحش الذي كان الطفل أمامه
وحين اقتربت السيارة المسرعة من الوحش انتبه كل من الوحش والطفل من صوت انحدار السيارة التي قفزت منها غزالة وأخذت تتدحرج

كان سهلاً على الطفل الهروب وتفادي السيارة الأمر الذي كان مستحيلاً بالنسبة الثقيل الذي هوى نحو النهر هو والسيارة أما غزالة فاستطاعت التشبث بحجر ما وعدم السقوط ورائهم لكن لم يكن بمقدورها رفع نفسها للأعلى كانت بحاجة للمساعدة التي لم تكن كافية
اقترب منها الطفل بسرعة يشجعها فرحاً بخطتها الجبارة في التغلب على الوحش

قال الطفل: شكراً لك لقد أنقذت حياتي

غزالة: لاوقت لدينا للشكر الآن هل تستطيع سحبي للأعلى؟

حاول الطفل سحبها لكنه لم يستطع فأمرته غزالة بالاتعاد حتى لايقع
لكنه نهض فجأة وقال: حبل .. حبل .. سآتي بحبل

رجته غزالة: انتبه أرجوك كن حذراً

ركض الطفل لأعلى المنحدر من جديد وغاب عن ناظرها وهي تنتظره بقلق

يتبع

حسن المصوف

فاتمان – الحلقة الرابعة

فاتمان – الحلقة الرابعة

عنوان الحلقة

“ثعلب الزمن”

بعد أن دخل ليث مع صاحبيه إلى الغابة هجم عليهم وحش جسمه جسم الأسد ورأسه رأس تنين فما كان من صاحبيه إلا أن اختبئا الأجنبي فوق شجرة والعجوز بين الحشائش وقام الأجنبي بالانقضاض على الوحش ومباغتته بأن طعنه في فخذه الأيسر فما كان من الوحش إلا وأن استطالت رقبته وكأنها جسم حية أو ثعبان كبير وقضمه من بطنه ورطمه بالأرض في الوقت الذي باغته العجوز وضربه في فخذه الأيمن وعاد مختبئاً بين الحشائش مرة أخرى
في نفس الوقت كانت القافلة التي انفصل عنها ليث قد ألتقت بجماعة مقاتلين يرأسهم مضاك صديق ليث الذي ما إن سمع ماحدث لليث حتى أعتلى منجنيقاً وقذف بنفسه بإتجاه ليث

*******

” هذه و توت و نون وميم

بها يتفكر الكلمات مثل ما تفكر
ان عليك ان تتجه للشرق ببزوغ الشمس
مختبئون بمكاننا تجدنا
ولاتنتظر ان عليك نرضا
ولاتهيم ليلاً في الأحجية
ربحت وما خسرت
جميعهم إنقاذهم بإستطاعتك ليس الا…
فقط عليك قطع الطريق”
كان قلب مضاك يكاد يخرج من مكانه وجسمه يهتز فزعاً من هذه الرسالة العجيبة والأعجب أنه استطاع فك رموزها

عاد لسيارته بسرعة وقام بالاتصال بزوجته:
– سأتأخر قليلاً
– إلى أين أنت ذاهب!!
– شرقاً
– مضاك إلى أين!!
– إلى أن تشرق الشمس لن أتوقف هنا ليس بعد الذي اكتشفته…هو طريق يجب علي أن أقطعه
كان مضاك يقود سيارته مسرعاً دون هدىً فقط يقود نحو الشرق مع تيقنه من أن شيئاً ما سيحدث حين تشرق الشمس

بأقصى سرعة تمكنت سيارته من الوصول إليها كان مضاك يقود بسرعة جنونية وكأنه قد جن فعلاً من هذه الرؤيا أو لعل الحماس قد دخل قلبه من جراء الإثارة

لاسيما أنه قد مل الحياة الروتينية التي يعيشها

كان دائماً يقول “الروتين والنظام من اختراعات النساء!!”

أخيراً بدأت الشمس بالإشراق شيئاً فشيئاً وازداد قلبه إثارةً وخفقانا لكن لم يحدث أي شيء!

أخذ يجول بعينيه في كل مكان يبحث عن شيء ما أو إشارة ما لكنه لم يجد شيئاً فقط طريق يتوسط صحراء فارغة هذا كل مالديه من معطيات

فيما كانت السيارة تقطع ذلك الطريق كان مضاك يراقب بانتباه إذ لم يكن من النوع الذي يتسرع في اتخاذ أي حكم في أي شيء حتى وإن كان ذلك الشيء وهماً فالأوهام هي من يعطينا الأمل أحياناً

لمح مضاك شيئاً أثار انتباهه وجعله يتوقف في منتصف الطريق

كانت لوحة دعائية لمشروب غازي

ذات المشروب الذي رآه في حلمه ثم نظر أمامه ليذهب لذلك الشاطئ الذي وجد فيه ذلك الشيخ

بسرعة قام مضاك بتغيير طريقه بأن خرج عن الطريق وأخذ يقود في طريق رملي بعكس اتجاه اللوحة الدعائية كما فعل في حلمه وهو في حيرة من أمره كلما شك في نفسه أتاه شيء زاده حيرة

فجأةً وإذا به يتوقف بسرعة

نزل مضاك من سيارته وأخذ يمشي ببطء إذ أبصر شيئاً أمامه، رجل يضع قناعاً بشكل ثعلب

يقف في منتصف الطريق بدا وكأنه يتمتم بكلمات غريبة

أخذ مضاك يقترب منه بشجاعة وحذر والرجل الثعلب منهمك في ترانيمه وبدأ يقفز على رجل واحدة بخفة حول دائرة رسمها في التراب إلى أن أصبح مضاك قريباً منه جداً جداً

فجأةً توقف وتظر لمضاك وهو يقول

– هذا المكان لم يعد لك بعد الآن لقد فشلت في الحفاظ عليه وعليك مغادرته والموت الموت للأبد

ما أثار مضاك ليس الكلام الذي سمعه، بل القناع الذي كان يرتديه الرجل لم يكن قناعاً

أخرج الثعلب من تحت ردائه رمحاً صغيراً أسود ورماه نحو مضاك الذي استطاع تفاديه بأعجوبة

ولكن دون اكتراث من الرجل الثعلب وكأنه كان يختبر مضاك

دخل الثعلب في دائرته وهو ينظر لمضاك ضاحكاً ثم قال:

– هل تعلم أنك أن استطعت التغلب علي سينهتي كل شيء هنا لكنك لن تستطيع ههههه…

ثم بدأت الرياح تهب من كل جهة حول الدائرة التي يتوسطها الثعلب حتى تكونت زوبعة عملاقة

كانت زوبعةً تكبر شيئاً فشيئا

أحس مضاك أن شيئاً مريعاً سيحدث وأن هذا المسخ صادق فيما يقول نوعاً ما بحسب كل ماجرى له لذا عليه أن يقضي عليه فما كان من مضاك سوى قبول التحدي والتقدم للأمام لمجابهة الرجل الثعلب

كل ما اقترب كانت قوة جذب الزوبعة تزداد إلى أن بدأ يحس أن أصبح خفيفاً جداً وبين لحظة وأخرى ستبلعه الزوبعة لامحالة

تشبث مضاك بحجرةٍ كبيرة بدا أنها لن تصمد كثيراً إذ كان كل شيء ينجذب للزوبعة إلى أن اشتدت الرياح وغدت قويةً جداً واختفت الشمس وغدا كل شيء رمادياً

كان منظر سيارة مضاك وهي تتدحرج في الهواء مهولاً لكن مضاك أدرك أنها قد تكون فرصته الوحيد للنجاة فقفز في الجو وتشبث بسيارته ثم بخفة أخذ يمشي فوق السيارة واستطاع الدخول من نافذتها وغدت السيارة تدور بسرعة داخل الزوبعة ومضاك بداخلها وهو يراقب ماحوله بحذر كانت سيارته تدور حول الزوبعة وهو يجول بنظره بحثاً عن الرجل الثعلب الذي كان واقفاً بخفة فوق السيارة

كان الثعلب دائماً يسبق مضاك بخطوة ما ومع أن الرجل الثعلب كان شكله مخيفاً إلا أن مضاك كان واثقاً أنه لو وقع بين يديه سيتمكن من خلع رأسه عن جسده

ضحك الرجل الثعلب وقفز راكلاً السيارة للأسفل

أحس مضاك أن السيارة ستهوي للقاع ستتحطم إن وصلت إلى الأرض لاشك فما كان منه سوى أن قفز من السيارة بسرعة وتشبث برداء الثعلب الذي كان يطير وسط الزوبعة متجها للأعلى

أحس مضاك أن الرجل الثعلب قد أصابه القلق مما حدث ومع أنه لم يكن يعلم ماسيحدث لكنه كان يرقب بحذر كل ماحوله عله يستطيع النجاة مما يحدث الآن فقط شجاعته هي ماكن يستند عليه كالأسد لاغربة عليه أينما ذهب فقوته تنجيه من أي شر

أخذ لون السماء يتغير وكأنهم انتقلوا لمكان آخر يبدو أنه هذه الزوبعة لم تكن سوى بوابة للانتقال إلى مكان أو زمن آخر من يدري كل ماكان متأكد منه مضاك أنه لن يترك هذا الثعلب يهرب من يده وأنه سيقتله

نزل الرجل الثعلب على سقف بناية تحترق خرجت من العدم وكأنهم انتقلوا فعلاً لمكان آخر أو زمن ما لكن من يدري كان مضاك يتدحرج في الوقت الذي ركض الرجل الثعلب لباب ما ودخل فيه وبسرعة استعاد توازنه مضاك ولحق بالرجل الثعلب كان عليه أن لايفلت من يده

كان الباب يؤدي لدرج ينزل للأسفل وكان الثعلب سريعاً إلا أن مضاك استطاع اللحاق به وصلو أخيراً لغرفة ما تتوسطها حفرة وقفز الرجل الثعلب في الحفرة ورجل إطفاء ملقى على الأرض وهو فاقد للوعي وآخر متعلق في الحفر

بسرعة قام مضاك برفع الرجل المتعلق و قفز وراء الرجل الثعلب

كان سقوطه خلف الثعلب أشبه بسقوط كل شيء وراء كل شيء وكأن الجاذبية لم تعد تجذب شيئاً لم يستغرب مضاك مما يجري فلو استغرب سيكون استغرابه متأخراً لاشك لكن الوضع الذي فيه الآن هو أحد الأوضاع التي يتمنى المرء أنه لو عاد للنوم بعد ذلك الحلم وكأن شيئاً لم يحدث

ترى كم من ثعلب سنسقط خلفه لو تتبعنا أحلامنا!!

أخذ كل شيء يتباطء ويظلم

دائماً يختفي النور ليظهر من جديد بحلة جديدة وفيما كان يسقط وراء الرجل الثعلب انقلبت الموازين في الوقت الذي تمكن مضاك من الامساك برداء الثعلب مرة أخرى وكأن الدنيا انقلبت رأساً على عقب وأصبح الثعلب يطير مرة أخرى بدل أن كان يسقط ومضاك متعلقاً بردائه وكأن النار في هذا المبنى كان بمثابة بوابة لجهة أخرى من المكان أو الزمان

فجأة تغيرت الدنيا وتغير لون السماء وإذا برجال تتساقط للأسفل فيما كان الثعلب ومضاك يطيران للأعلى سقط رجل بالقرب من مضاك واستطاع مضاك الامساك به من جلابيبه بيده اليمنى فيما ظل ممسكاً برداء الثعلب بيده اليسرى ثم رفع هذا الرجل وقربه إليه وهو مستغرب من هذه القوة التي أصبح يمتلكها “ترى هل هي تلك القوى الكامنة التي يقال أنها تظهر في ظروف كهذه!”

صرخ الرجل:

– انقذني أرجوك لا تتركني وسأكون مدين لك بحياتي أعدك

أراد مضاك أن يتكلم لكنه فضل السكوت في موقف كهذا فقط قام برمي الرجل على كتفه الذي بدوره تشبث بمضاك وأخيراً وصل الجميع على سفح جبل مخيف

مكان آخر أيضاً غير الذي قبله ترى ماسر هذا الثعلب وانتقاله من مكان لآخر بهذه الطريقة السحرية

قام الثعلب بركل مضاك هذه المرة فسقط هو ورفيقه أرضاً صرخ الثعلب:

– يالك من غبي كان الأجدر بي قتلك في الصحراء أتدري مافعلت لماذا تبعتني أنت لاتعرف شيئاً لاتعرف شيئاً أيها الأحمق يبدو أنني استهنت بك أنت لست إنسي عادي بك شيء مختلف لاوقت لديك لمثل هذه الألاعيب كلانا عليه القيام بأمور غير التي حدثت أنت ضيعت وقتاً ثميناً لكلينا ههه سنلتقي مجدداً

وانطلق للسماء من جديد

ألتفت مضاك للرجل الذي انقذه وسأله كأنه يريد سؤاله عن تفسير ماقاله الثعلب:

– ماذا حدث هنا!

قال الرجل:

– غزو إنه الغزو يريدون إبادتنا لكن مادمت معنا يامضاك هنالك أمل.. نعم هنالك أمل

قال مضاك مستغرباً:

– كيف عرفت اسمي

– قال لي شيخ في رؤياي أن رجلاً على ظهر ثعلب سينقذ حياتي اسمه مضاك علي مساندته و مآزرته وتسليمه قيادة الجيش اسمي باتر الوادي بالمناسبة

كان مضاك مذهولاً من هذه الرؤى التي بدأت تتجلى لتكون أخطر مما كان يظن وأنه سيكون قائد لجيش ما مما يعني أن هناك حرب ما لاشك

سأل مضاك:

– أين نحن بالبضبط!

لكن باتر الوادي لم يجبه بل صرخ برجاله وجمعهم ليعرفهم على مضاك قائدهم الجديد وما أثار استغراب مضاك أن الرجال أخذوا يسلمون عليه وكأنهم يبايعونه انصياعاً لأوامر باتر الوادي ثم أخذه باتر الوادي ليستعرض الأسحلة التي بحوزتهم كالمنجنيق الناري والصخري ومنجنيق الأسهم والحراب والمدرعات وهي عبارة عن هياكل من فولاذ تم تركيبها على السيارات التي مازالت تعمل بشكل سليم وبعض الأسلحة الغريبة بعض الشيء التي يصدق عليها مسمى الحاجة أم الاختراع كالقنبلة المسماة بالقنبلة المغناطيسية وهي عبارة عن قنبلة بها أحجار مغناطيس وفي كل حجر مغناطيس قنبلة صغيرة فحين تنفجر هذه القنبلة تتناثر أحجار المغناطيس عن بعضها البعض ومن ثم تنجذب بسرعة كبيرة لبعضها منفجرة مرةً أخرى انفجاراً أكبر من الذي قبله وسلاح آخر يدعى بالقفص الكهربائي وهو عبارة عن شباك حين يلقى بها وتسقط على جسم ما تشتعل بها شعلة كهربائية بحيث تتشكل هذه الشبكة على شكل قفص إن مكث الجسم الذي داخله به فلا ضر عليه لكن إن حاول الهرب يصعق كهربائياً وعدد من الأسلحة الأخرى

حاول مضاك إيقاف باتر الوادي وإفهامه أنه هو نفسه لايفهم مايجري هنا لكنه لاذ بالصمت أمام حماسة باتر الوادي ونظراته لمضاك المليئة بالأمل هو ورجاله وكأنهم يعرفون مضاك من قبل وكأنه الحل الوحيد بالنسبة إليهم

في نفس الوقت اكتشف مضاك أنه لم ينتقل من مكان لآخر فقط بل انتقل لزمن آخر أيضاً نفس زمنه لكن بعد ثلاثة أيام أي انه انتقل ثلاثة أيام للأمام في هذه الثلاثة أيام تم غزو الأرض من قبل وحوش مجهولة تريد القضاء على بنو البشر البعض قال أنهم فصيلة من الجن والبعض يظنهم كائنات فضائية انتقلت عبر بوابات زمنية غريبة لكن المؤكد أنها تنشر الدمار أينما حلت

في الوقت الذي بدأ مضاك يستوعب نوعاً ما الأحداث التي حوله بصمت أتى أحد الجنود مسرعاً ينبأ بقدوم قافلة مليئة بالجرحى والنسوة

وسرعان ماجتمع قائد القافلة بمضاك الذي هو قائد لهذا الجيش الصغير وأعوانه

بينما كان قائد القافلة يتحدث مع مضاك والكل كان مصغ لحديثهما شقت جموع الرجال امرأة كانت هي تلك والدة الطفل الذي أوصاها ليث بالبحث عن رجل اسمه مضّاك

سألت:

– لو سمحت يا أخي هل أجد بينكم رجل اسمه مضّاك!

أجاب مضاك باستغراب:
– وماذا تريدين من مضاك يا أختاه ليس بالعادة ان تطلبه النساء في أمر ما!!
أجابت المرأة:
– لدي رسالة من صديقه ليث يقول له لقد تخلف صديقك ليث عن المجموعة بحثاً عن زوجته غزالة وهو بحاجة لمساعدتك فألحق به فوراً.
أجاب وقد قطب حاجبيه:
– منذ متى افترق عنكم؟؟
أجابت المرأة:
– لا أدري بالضبط قد تكون ساعة
أخذ مضاك يتلفت يميناً وشمالاً كمن يبحث عن شيء أو أحد ما فقالت المرأة وقد بدا عليها القلق هل هو بينكم أريد التحدث معه شخصياً
أجاب القائد وهو يضع سيفه خلف ظهره:
– لقد تحدثتي معه بالفعل
وبسرعة استغل مضاك انشغال باتر الوادي في تفقد القافلة و جمع ماستطاع جمعه من أسلحة وذهب بالقرب من منجنيق ثم تلفت يميناً وشمالاً وأشار لأحد الجنود بالقدوم إليه

مضاك:
– هل لديك معلومات عن الفيزياء؟

أجاب الرجل:
– أنا عالم فيزياء بالفعل كيف عرفت!!

مضاك:
– لا أدري لكن يبدو من وجهك أنك انتهيت للتو من المذاكرة ولك رأس كبير ونظارة سميكة كما يبدو من منظر شعرك أنك لم تحلق منذ قرن أظن أنك ذكي في الدراسة على الأقل

الرجل:
– سأعتبر كلامك إطراءً لكن قل لي كيف أستطيع مساعدتك!

مضاك وهو يشير بالاتجاه الذي جاءت منه القافلة:
– هل تستطيع توجيه المنجنيق وإلقائي بمسافة ساعتين مشياً إلى الطريق الذي جاءت منه القافلة؟؟

الرجل:
– امممم من الناحية النظرية أعتقد أنه ممكن لكنك لم تطير ساعتين فساعتان من المشي ستعادلان امممم عشر دقائق طيران إن بقيت سرعة الرياح على ماهي عليه لكن…

مضاك:
– دعك من لكن علينا أن نجرب لن نخسر شيئاً

وقفز مضاك على المنجنيق وسرعان مانطلق جواً بعد أن قام الفيزيائي بحسابات المسافة والارتفاع

في القوت الذي كان مضاك طائراً في الجو كان يفكر فقط في لقاء صديقه ليث وليس فقط مساعدته بل أن يستطيع توضيح بعض الاستفهامات التي تدور في خلده لاسيما رؤية قريب ما في ظروف مثل هذه ستبعث على الاطمئنان وصديقه كما قالت المرأة في حاجة ماسة إليه

في الوقت الذي كان مضاك طائراً في الجو كان ليث يصارع الأسد التنين بعد أن أصاب رفيقا ليث رجلا هذا الوحش وأصيب الأجنبي بضربة أفقدته الوعي وقد يكون فارق الحياة

كان مضاك يترقب بحذر في كل الاتجاهات يبحث عن ليث وكأنه كان واثقاً أن صديقه مازال على قيد الحياة وفعلاً على مسافة مئة متر أبصر الأشجار تتحرك بعنف فاستعد للهبوط

ما إن عبر مضاك فوق الأشجار المهتزة حتى أبصر ليث وأمامه وحش ضخم فما كان منه سوى أن ألقى بقنبلة القفص الكهربائي التي تنفجر وتكون على شكل شبكة في البداية ثم تتشكل على شكل قفص كهربائي
ألقاها على ليث وأكمل طيرانه بعد أن ألقى منجلاً مربوطاً بسلسلة
الذي بدوره تعلق بشجرة ما وارتد مضاك للخلف بسرعة كبيرة بإتجاه ليث والوحش
في هذا الوقت كانت قنبلة القفص الكهربائي قد سقطت فوق ليث وأصبح ليث محبوساً داخل القفص
وحين قفز الوحش منقضاً عليه صعق كهربائياً عند ارتطامه بالقفص فعاد للخلف وأخذ ينفث النيران من منخاريه في الوقت الذي وصل مضاك متأرجحاً منقضاً كالصقر وقطع رقبته الطويلة فسقطت رقبة التنين وأخذت تدور وتسعى كالحية وانطلقت بإتجاه مضاك بعد أن سقط جسد الأسد والتفت حوله تعصره بقوة
في الوقت الذي كان ليث يعاني من حروق في ظهره جراء النيران التي نفثها التنين ومحبوس في القفص الكهربائي والأجنبي في عداد الموتى كان الأمل الوحيد هو الرجل العجوز الذي كان مختبئاً بين الحشائش الذي بدوره خرج ممسكاً بسيف مضاك ويضرب التنين في جوانب جسمه إلى أن أفلت مضاك ولحق بالرجل العجوز لكن العجوز كان سريعاً جداً الأمر الذي كان ملحوظاً بالنسبة للجميع واستطاع التسلق على شجرة قريبة وتبعه التنين
فباغته مضاك بطعنة من سيفه في ذيله ألصقته بجذع الشجرة ثم رماه بمنجل ذو سلسلة في رأسه وألقى بالسلسلة للرجل العجوز الذي أمسك بها ولفها على غصن متين وقفز ليجعل التنين ممتداً في الجو فاستل مضاك سيفه وقفز عالياً واحتز رأس التنين أخيراً

يتبع

حسن المصوف