من الذي خلص الخبز العربي

من الذي خلص الخبز العربي

“عاد قوم جيب لينا خبز”

من أصعب مايطلب في شهر رمضان
هذا الطلب المباغت الذي يصيبك بالفجيعة

تذهب صاغراً لذلك التنور وتفاجئ بما كنت تتوقعه

زحمة مميتة لامنتهية
الشحوب يعم وجوه الجميع
ابتداءً بالخباز وكبار السن وانتهاءً بالأطفال ذوي الدراجات الهوائية المسجاة على قارعة الطريق

سائقوا سيارات من جنسية أجنبية قد تم تكليفهم بجلب الخبز يتسامرون فيما بينهم والعرق يتساقط زخات زخات

رجل عجوز بثوب نومٍ بني ذو خطوط صفراء يقف في منتصف الطريق ينظم عملية سير كرات العجين لقلب التنور
وهو رافع ثوب لأعلى ركبته

حتى برامج التواصل الاجتماعي يصيبها العطب عند الخباز
وكأنها تتأثر بالحرارة لدرجة أن جميع أعضاء قروبات الوتس اب أصابهم الصمت إجلالاً للتضحية التي أقوم بها في الوقت الحالي أنهم لايعلمون أنني في الخباز فلم أكتب “خباز تايم” حتى لايستغل ضعاف النفوس وجودي هناك ويكلفونني بشراء خبز لهم لكن يبدو أنهم أحسوا بوجودي هناك فنفحات الحرارة المتراقصة لابد وأنها وصلت إليهم مما دعاهم للهروب والاختباء بين المخدات المتهفهفة برياح “المكيف” ذلك الاختراع الذي وددت لو أبدلت مسمى جائزة نوبل لجائزة كارير

في حرارة الانتظار يكون العقل مشغولاً بالتفكير بأشياء عديدة جميعها ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالحرارة والانتظار

لم أدري مالذي جعلني أتذكر هذه الأبيات في هذا الوقت بالذات

قالت أتذكرُ لقاءنا في تنورِ حينا
ووقفتنا بين الخبازِ والعجانِ
في بردِ الشتاءِ كان الدفءُ مهيمناً
لم أدري دفئك أم كان دفئاً ثاني

تكتشف أحياناً حين تفكر في هاتان النظريتان المتعلقان بالحرارة الأولى أن المعادن تتمدد بالحرارة وتتقلص بالبرودة وبما أن جسم الانسان يتكون من عناصر ومعادن فهو يتمدد بالحرارة أيضاً إذن فأنا الآن في حالة تمدد..

أما النظرية الثانية فهي تأثر الضغط بالحرارة فكلما زادت الحرارة زاد الضغط لذلك ترى الوجوه مهترئة غاضبة مقطبة بوجوم الأعين شبه مغلقة والأذن حمراء نظراً لارتفاع نسبة الضغط في أجسامهم

وعند دمج النظريتين جميعاً نحصل على نتيجة غريبة بعض الشيء إن كانت الأجسام المتعرضة للحرارة تصاب بالتمدد كيف يزداد الضغط فيها؟؟
إذ أن الجسم حين يتمدد من المفترض أن يقل الضغط في أرجاءه إلا أن يكون هذا التمدد الذي يسبق الانفجار عندها قد لاتتناقض النظريتان

قطع علي التفكير في الحرارة وأنا في حالة الانتظار اتصال هاتفي من زوجتي (السبب الرئيسي في وجودي هنا)
– بعدك في الخباز!!

بيأس وهدوء قد يسبق عاصفة ما
– إيه بعدني

– أي خباز رحت؟؟

وكأن الجواب سيحدث فرقاً كبيراً لكن الإجابة على سؤال مثل هذا يجب أن تكون مصحوبةً بالحذر فلو كان الجواب خبازاً قريباً أو غير مزدحماً فسيكون طعم الخبز ليس جيداً بنظرها لذا علي توخي الحذر حتى لايكتشف أمري

– أنا في “مخبز العافية”

– الله يعطيك العافية

– والله يعطيش مخبز..

قطع علي محادثتي قدوم امرأة تحمل طفلاً واقترابها من الخباز حيث وقفت بعيداً تنتظر

توقف كل شيء الخباز والمنتظرون والتنور أيضاً

هتفت بالخباز ومازالت على اتصال بزوجتي

– حبيب روح شوف حرمة

رد علي الخباز بغرور ولامبالاة
– روه شوف انته

– دقيقه شوي واكلمش

– وش صاير!

– حرمة جاية الخباز باروح اشوف وش تبغا، والله كاشخين النسوان تجي في نص المعمعة وتاخذ طلبها على طول، وش رايك بكرا انتين اللي تجيبي الخبز ههههه

وصلت للمرأة وسألتها
– آمري أختي وش بغيتي؟

– فطيرة جبن

– بس!!

– ايه

عدت للخباز وكان وجهي منتفخاً وقلت له طلب المرأة مما أدى لانتفاخ وجهه هو الآخر إذ أن عملية صنع فطيرة الجبن ستستغرق من وقته الكثير

زوجتي
– ها شفت المره وش تبغا؟

أجبت بعصبية
– تبغا فطيرة جبن

– ايه صحيح جيب لاولادك كل واحد على فطيرة

– إيه لا والله خوش

وصل زبونٌ جديد من ذلك النوع الذي يترجل من سيارته وينظر في وجوه القوم بتعجب مصحوب بابتسامة خفيفة ويقول
– نايبة كلكم جايين بتاكلوا خبز

أجابه طفل كان العرق يملأ وجهه
– احنا خبز وهذه تبغا فطيرة جبن

حتى الطفل استنكر ذلك الطلب

انتهت معاناتي أخيراً في الخباز حين حان دوري
سبحان الله حين يأتي دورك في الخباز ومع أنك واقف بالقرب من التنور تقوم بعد أقراص الخبز إلا أنك تحس ببرودة
وتحس أيضاً بنظرات الشك تنهشك من كل جانب بأنه ليس دورك الآن

خرجت من الخباز وعلمات السرور بادية على وجهي دون أن التفت لأي أحد متمتماً

لم أعد التفتُ يميناً أو شمال
بات الالتفاتُ صعبُ الاحتمال
مازلت جارياً والبحث جاري
وفاحت ريحةُ الخبزِ ببابِ جاري

رحلت سعيداً بهذا الإنجاز العظيم
مررت ببيت والدي إذ كان بين بيتي والخباز وإذا بوالدي خارج من المنزل يأرجح سبحته يميناً وشمال

توقفت
– قواك الله أبويي أوصلك

كانت علامات النشاط بادية على وجه والدي لكنه ما إن شم رائحة الخبز الفواحة حتى تبدلت حالته للتعب والارهاق وقال بصوت حزين

– لا مايحتاج توصلني الخباز قريب رايح أشتري خبز شكلك توك جاي من الخباز زحمة لو؟؟

– ها.. إي والله زحمة

– الله المعين

رددت وكانت الدمعة متعلقة بجفن عيني
– خد ابوي الخبز وانا باروح اجيب غيره

– مو تعبة عليك يولدي له

– لا شدعوه تعبك راحة يالغالي

مددت الخبز لوالدي وكانت يداي ترتجفان من هول الموقف لكنه بادرني كسيل ماء بارد
– أمزح وياك هههه أنا جايب خبز من الساعة ١٢ تفكر زيك يوم جت الساعة ٤ توك قاعد من النوم بس حبيت اختبرك

اشرقت الدنيا في وجهي ياله من اختبار جميل
بعد أن رحلت عن والدي لم ألتفت بعدها أبداً كانت المهمة واضحةً جداً

الوصول للمنزل وإيداع الخبز في المطبخ
وإلى لقاء آخر في الخباز

متبارك عليكم الشهر

بقلم/ حسن المصوف

الحقيقة الضائعة – قصة قصيرة

الحقيقة الضائعة – قصة قصيرة

ومضة سرت في جسدي كصعقةٍ كهربائية تلاشى فيها الظلام ولاح فيها ضوء مشع أخذ يتلاشى هو الآخر وإذا بي أركض بسرعة تحت أشعة شمسٍ حارقة، كأنني للتو انتبه لما يجري حولي، أين كنت .. ومن أين جئت .. ومما أهرب لا أعلم
توقفت التقط أنفاسي لكن صوت وقع الأقدام التي تركض خلفي دعاني لأن أركض مرة أخرى. لماذا يركضون خلفي، يبدو أنهم أشخاص كثر
لا أستطيع التذكر..هل انا أحلم الآن..هل كنت فاقداً للذاكرة..أم الآن فقدت ذاكرتي..
كل ما أعلمه الآن أن علي الهرب من المجهول
عند الهرب من شيء مخيف يكون الانسان سريعا جداً
اعتقد أن سرعتي الفائقة دليل على أن الشيء الذي أهرب منه خطير ومخيف لذلك علي أن أواصل وانتبه من السقوط فسقطة واحدة كفيلة بوقوعي في أيديهم
كان الوضع متسارعاً بشكل مفزع إذ كان واحد منهم قد اقترب مني كثيرا وكاد يمسك بي
أغمضت عيناي وأخذت أركض وأركض مخاطباً نفسي زد من سرعتك هيا هيا سيمسكون بك هيا أسرع أسرع
حتى أحسست أنني وصلت للسرعة القصوى ومع ذلك مازال ذلك الشخص يقترب مني
يبدو انه سريع جداً
سرعته تفوقني فلكل انسان طاقة معينة
لكنني سأحاول المراوغة فهو واحد يسبق البقية
قد أستطيع إسقاطه إن ما راوغت

وصل إليّ أخيراً فانحرفت قليلاً لجهة اليسار
لكنه فاجأني حين تعداني مواصلاً ركضه للأمام

ماذا يجري إنه مازال يركض يبدو انه يهرب معي
نظرت للأمام وإذا بشخص آخر أمامه
ويبدو أنه كان أمامي

قد شغلني من يجري خلفي بمن هو أمامي

هل نحاول الامساك به؟
هل أنا معهم؟
قد نكون نتسابق..
لا .. لا أظن فالهلع مخيم على وجوه الجميع
يبدو أننا نهرب جميعا
مما ياترى!
لا أعلم لكنني لن أجازف بالتوقف والكل يجري

لاح شيءٌ أبيض بعيداً
جسم كأنه حصان ينظر إلينا

بدا أن الاثنان اللذان أمامي يتجهان نحوه ويتنافسان عليه

لابد أننا نهرب من شيء ما إذن
لذلك يتنافسان للوصول إلى الحصان فمن يصل إليه سيتكمن من الهرب بسرعة

وصل الأول إليه وبسرعة قفز عليه وهمّ بأن يهرب
لكن الثاني رماه بحجر استقر أسفل جمجمته من الخلف أرداه صريعاً على الأرض يخورُ في دمه

“يا إلهي مابالهم!!”

كان صوت ارتطام الحجر بجمجمته تقشعر له الحواس

وصلت له ولا إرادياً توقفت إذ لم استطع التحرك وأنا أراه ملقاً على الأرض تختلط دماؤه بالرمال وهو مستسلمٌ ينظر للحصان يبتعد بسرعه

توقفت انظر إليه وهو يرفع رأسه تارة ويستسلم تارة
جلست قربه ألتقط أنفاسي

تعدانا من كانوا يجرون خلفنا كموجة غبار طواها ذلك الحصان ولم تقطع رجاء الامساك به

رفعت رأسه كي لايختنق بدمه
نظر إلي وقال متحاملاً على نفسه

“الحقيقة الضائعه .. “

صرخت..

” ماذا.. ماذا قلت؟.. ماهذا المكان؟.. أين نحن ؟ ومن أنت؟؟.. كيف جئنا إلى هنا؟؟.. ومما نهرب؟؟ “

” أنا أنت وأنت أنا “

” ماذا!!”

” كلانا ذات الشخص ومن ضربني بالحجر هو نحن أيضاً .. كذلك من كانوا يتبعوننا”

أصبت بدوارٍ في رأسي وبدأت أيقن أنني أحلم لاشك لكن الهلع بدأ يتسلل لقلبي حين أحسست بوجعٍ شديد أسفل جمجمتي

ماذا يحدث!!

نظرت إليه مرةً أخرى وكأنني انتبه تواً أنه يشبهني جداً بشكل هرم وعجوز يملأ الشيب رأسه ولحيته المخضبة بالدماء وتجاعيد الكبر تخط أطراف عينيه بحزن

قال لي أخيراً بعد أن كدت انفجر من الحيرة

” لقد أصبت بضربةٍ أسفل جمجمتك من الخلف تسببت في دخولك لغيبوبة وأنت الآن تتصارع مع ذاتك لتخرج منها”

غدوت اترنح الآن لا أدري أمن الوجع أم من هول ما أسمع لكنه استرسل قائلاً

” أنا ذاتك وكذلك البقية، أنت الحاضر وأنا المستقبل ومن هرب بالحصان كان هو الماضي وهو أخطرنا، أما البقية فهم مراحل عمرية لك مختلفة متراوحة بين الحاضر والمستقبل”

بدأت أحاول استيعاب مايجري فقلت

” لماذا نتصارع مادمنا كياناً واحداً؟ لماذا نتصارع مادمنا أنا؟؟”

قال

” نتصارع على الوجود.. يستطيع واحدٌ منا فقط الاستيقاظ والنهوض ليغدو وجوداً.. من يتغلب على البقية هو الذي سيستيقظ أما البقي ستتلاشى في ثقوب الدماغ السوداء. لو استطعت الفوز أنا لكان استيقاظك بعد ثلاثين سنة أي لو فزت أنا ستستيقظ على هيئتي وعمري بعد ثلاثين سنة أما إن فزت أنت فتستيقظ في الوقت الحاضر.. الآن.. لهذا ندعوك بالوقت الحاضر وكذلك البقية هم أنت كل واحدٍ منهم يكبرك قليلاً يسعون للفوز حتى يستيقظون من يستيقظ منهم ستمكث في غيبوبتك إلى أن تصل لعمره وتستيقظ”

” إن هذا لشيء عجيب!!.. ماذا عن الماضي الذي هرب بالحصان؟؟”

” إنه أنت حين كنت صغيراً”

” ماهذا التخريف .. الماضي هو أنا حين كنت صغيرا.. يستحيل أن أفيق من غيبوبتي وأنا أصغر سناً”

” إن استطاع الماضي الفوز والتغلب علينا جميعاً لن تغدو صغيراً بل ستستيقظ وأنت مصاب بالجنون أو فقدان الذاكرة وقد تموت يعتمد على مدى صغر سنه”

” لا أفهم.. إن كنا جميعاً كيانا واحداً ألا يجدر بكم مساعدتي لأستيقظ في الوقت الحاضر بدل أن يستيقظ الماضي وأموت أو أجن أو أفقد ذاكرتي وبدل أن يستيقظ المستقبل وأغدو رجلاً عجوزاً”

” ليس مؤكداً أن تغدو عجوزاً حين استيقظ أنا قد يكون غير مقدر لك أن تصل لعمري وحين أستيقظ أموت فوراً”

“يا إلهي.. إذن لماذا تحاولون التغلب علي يجدر بكم مساعدتي جميعاً إن الوضع خطير جداً”

“لاتكن أناني لست أنت فقط من حقه أن يعيش ويكون وجوداً.. لماذا أنتظر الحاضر إن كان بإمكاني استعجال المستقبل”

أمسكت بأسفل جمجمتي من شدة الألم وقلت بعصبية

” استعجال المستقبل !!.. كيف ذلك و أنت ستنتظر ثلاثون عاماً لتستيقظ أي استعجال هذا علاوة على ذلك إن مت أنا سينتهي الماضي ولن يكون هنالك أي مستقبل”

أجاب

“الوقت هنا يمر أسرع مما تظن انظر هل ترى الشمس؟؟”

“بالطبع وهي حارقة”

“إنها شمسك أنت الواحيد من يراها الآن والبقية تقبع في ظلام إن غابت ستغدو أنت الماضي وسيتحول الحاضر إلى مستقبل آخر من أولئك الذين سبقوك.. أنت في وضع حرج أكثر مما تظن”

“كيف تعرف كل هذه المعلومات وأنا والبقية لانعرفها؟؟”

“أنا المستقبل أعرف أشياءً كثيرة لايعرفها الماضي والحاضر لاشك”

“ولماذا أسميتني بالحقيقة الضائعة عند أول لقائنا؟”

” هذا هو حال الحقيقة في الوقت الحاضر دائماً ضائعة..و الماضي هو الحقيقة المشوهة التي لانعلم ماحدث فيها بالضبط.. أما المستقبل فهو الحقيقة المجهولة فماهو حقيقي الآن قد يتغير مستقبلاً فالحقيقة تتناسب مع الزمن دائماً”

وضع يده المرتجفة أسفل جرحه يتحسسه ثم قال

” إن جرحي عميق ويبدو أنني سأموت يجدر بك اللحاق بالبقية إن كنت تريد أن تكون وجوداً”

وقفت أخيراً أنظرببرودة من لايريد الوقوف كيف سألحق بهم وقد غدو بعيدين كل المدى عني وكيف سأتغلب عليهم إن استطعت اللحاق بهم قبل أن تغيب شمسي وأتحول إلى ماضي مافهمته الآن من كلام المستقبل أنه كلما طال مكوثي هنا أتحول إلى ماضي ويأتي مستقبل آخر يكون حاضراً مكاني بعدها حتى و إن تمكنت من التغلب عليهم حين أفيق سأصاب بالجنون أو فقدان الذاكرة وقد أموت

ولا أستطيع الاستسلام إن سمحت لمستقبل أن يأخذ مكاني ويغدو هو الحاضر سأكون أضعت سنين عمري في هذه الغيبوبة المستقبل كان محقاً حين قال أن وضعي حرج أكثر مما أظن ووجع رأسي يكاد يقتلني

يبدو أننا كعقارب ساعة ندور على رقعة الزمن ولكن كيف يسير الزمن هنا بالعكس إن طال مكوثي هنا سأتحول إلى ماضي بدل أن أغدو مستقبلاً

“سؤال أخير أيها المستقبل.. لماذا نهرب من بعضنا لماذا لانتواجه وجهاً لوجه والحياة للأقوى مثلاً؟؟”

أجاب المستقبل وهو يلفظ أنفاسه الاخيرة

” لانستطيع النظر لبعضنا البعض فلو تقابل المستقبل والماضي وجهاً لوجه سيذوبان في الحاضر”

” لم أفهم!!”

” عليك أن تفهم ماهيتك .. أنت الحاضر شيء بين المستقبل والماضي لكنك شيء حقيقي ضائع بيننا حين يتقابل كل من المستقبل والماضي يذوبان.. يختفيان لايغدو لهما وجود فالحاضر يقضي على المستقبل والماضي.. هل تظن أنني الآن أموت من ضربة الحجر التي أصابت جمجمتي .. طبعاً لا .. فالحجر أصابنا جميعاً ..إنني أموت من النظر إليك فالحاضر هو أقوى الأزمنة و أكسير الوقت إن استطاع الحاضر إيجاد حقيقته الضائعة عندها يستطيع نسيان الماضي وتغيير المستقبل”

ذبت في قلبي طاقة غريبة حين أحسست أنني امتلك قوة جبارة بإمكانها التغلب على جميع منافسيني أخذت أنظر لهم وهم بعيدون لقد ذهبوا بعيداً جداً لن أتمكن من اللحاق بهم الآن

لكنني سأقوم بتجربة قد تنجح ولابد لها من أن تنجح

إن كان الزمن يسير بشكل عكسي فكل شيء هنا يسير بشكل عكسي
الماضي والمستقبل والحاضر أيضاً

تحركت أخيراً أركض للخلف
للمكان الذي أتيت منه
مخلفاً ورائي الجميع
المستقبل والماضي

صرخ بي المستقبل النازف

“أيها المجنون.. يجد ر بك اللحاق بهم لا الرجوع إلى الوراء”

قال كلاماته الأخيرة واختفى بعد أن بلعه ثقب أسود

لم أكترث به لن أستطيع اللحاق بهم على كل حال و قد تنجح تجربتي كما أرجو كل ما أعرفه أن الماضي شيء قد حدث بالفعل وانتهى والمستقبل شيء لم يحدث بعد وأنا الحاضر
أنا الموجود الآن
لابد من المجازفة إذن وعدم التطير بمؤشرات المستقبل السلبية أو التعلق بالماضي

أخذت أركض بكل طاقتي مترقباً ماكنت أتوقعه
وفعلاً كانت ماتوقعته صحيحاً
نجوت من الضياع
وجدت الحقيقة
لاحت خيالاتهم متجهة نحوي
هيا الدنيا تهرب منك إن لحقت بها وتلحق بك إن هربت منها
لهذا يسير كل شيء بالعكس هنا
وحين ركضت للجهة المعاكسة تقابلت معهم
فالمحيط هنا هو حلقة مغلقة لو لحقت بهم لضللت ألاحقهم طوال عمري
دون فائدة
لكن ما إن ركضت عائداً للوراء حتى ألتقيت بهم فوراً

وصلت للماضي الذي كان أولهم ممتطياً حصانه وحين رآني أصابه الهلع وشد على لجام فرسه مديراً إتجاهه هرباً مني فالتقت عيناه بأولئك المستقبليون وفجأة

ومضة سرت في أرجاء المكان كصعقةٍ كهربائية تلاشى فيها الظلام ولاح فيها ضوء مشع أخذ يتلاشى هو الآخر

اختفى الجميع

نجحت..

ذاب الماضي في المستقبل ليغدوان حاضراً

ليغدوان أنا

وجدت الحقيقة

لم أعد ضائعاً بعد الآن

أمسكت بلجام الفرس وسألته بفخر

” من أنت؟؟”

أجاب

” أنا الوسيلة”

“خذني إلى هناك فلم يعد أحد هنا غيري”

صعدت على ظهره وانطلق بي في صحراء الذكريات التي بدت تزهر شيئاً فشيئاً وأنا أتذكر ماحدث بالضبط كلما تقدم بي الحصان حتى غدت غابة مزهرة مليئة بالأشجار والطيور وأنهار الأفكار العذبة تتدفق من كل جانب

“تذكرت كل شيء الآن.. تذكرت ما حدث لي ولماذا أنا في غيبوبة..ياله من حادث مؤلم.. سأكون بخير .. سأكون بخير”

وصل الحصان إلى سفح جبل وتوقف أمام فتحة كهف
فهمت أن علي إكمال الطريق وحدي منذ الآن
نزلت من على ظهره وقلت له مبتسماً

” شكراً لك .. سأفكر بك دائماً لن تخرج من عقلي “

وقف الحصان مزهواً بقوته على رجلان كعلامة امتنان وشكر كما أعتقد وانطلق يجول بين المروج بسرعة رهيبة

دخلت الكهف أمشي في ممر ضيق
مع أن المكان كان مظلماً إلا أنني كنت أدل طريقي كمن حفظ المكان عن ظهر قلب

وصلت لباب خشبي كبير قمت بفتحه وخرجت
وإذا برجل ضخم جداً جالس على عتبة الباب
بإبتسامة بلهاء وشارب طويل

سألته

” أين أنا وماهذا المكان؟”

أخذ يحك رأسه وسألني هو الآخر

” ماذا قالوا لك بالداخل؟”

” لا أدري لم أقابل أحداً سواي.. ماذا تفعل أنت هنا؟؟”

“أحرس..”

“تحرس من؟؟”

“لا أعرف.. ليس مهماً أن أعرف المهم أن لايخرج أحد من هنا أو يدخل.. هذا ما قيل لي”

وكأنه قد استوعب وظيفته للتو وهب للحاق بي فما كان مني إلا أن فررت بسرعة فائقة
كان يفتقر للياقة مما كان من صالحي في فرق المسافة بدايةً
إلا أنه قلص تلك المسافة بعدما ركب دراجةً هوائية وأخذ يتبعني وهو يضحك في ذلك الزقاق الضيق
لقد كنت أظنه يتبعني حين هب من العتبة
لكنه كان متجهاً لدراجته والآن بات يقترب مني شيئاً فشيئاً
وصل إلي بسرعة ظننته سيحاول الإمساك بي واستعددت للمناورة
لكنه فاجأني حين ألقى بكتلته الضخمة علي
أحسست بسكون غير مطمئن خلفي تلاه صوت ارتطامه بي وطرحي أرضاً بسرعة مؤلمة
كمن تعود هذا الروتين نهض الرجل الضخم ضاحكاً وألقاني على كتفه بسهولة وعاد يمشي متمتماً بأغنية غريبة تحكي واقع الحال

“وأمسكُ بيدٍ
والزمانُ بيد
ونأرجحك بين المستقبل والماضي
فوق كل السماوات..
وتحت كل الأراضي..”

” دعني أرجوك فأنت لاتعلم مالذي حدث في الداخل”

” مادام نحن الاثنان لانعلم شيئا الأفضل أن نلتزم بالتعليمات”

صرخت بيأس

“من أنت ياهذا وأي تعليمات؟؟”

أجاب بهدوء

” أنا المخدر لم يزل مفعولي بعد عليك الانتظار”

“انتظار ماذا!!”

“ستأتي الآنسة هلوسة لإيقاظك فيما بعد لاتتعجل”

تمت

حسن المصوف

Women or Five Men

WOMEN OR FIVE MEN

Your love is my retreat
And your neck is the gate
For a lap…
Once your eyes brows
Open & close
The hours becomes seconds
Please forgive my heart for loving you
Cause the water boiled from particles of movement
And morning will rise
No matter what the night won’t close
time will always pass
Without an excuse
Like a virgin kiss
Fell from a high window
With a pain of hug hanger
I tried to catch in between my finger
But it fades
Like a kid running with naked feet

Yaheen down from the house garden: O’ my love did you like my poem?

Hubaineh at the window: so much my love… But when you will finish it for me?

Yaheen: I will… I will don’t worry I promise

Hubaineh replies disappointedly: you promised me so many things but when those promises will come true?

Yaheen while he shaking his head: just be patient my love.. please

Hubaineh: I’m patient but my parents aren’t

Yaheen: have you talked with your mother?

Hubaineh: yeah & she said my father won’t approve as long you don’t have a job

Yaheen: there are so many jobs out there & I could do everything

Hubaineh: how about you work with my father in the carpentry he needs help for sure that’s what my mother said

Yaheen: No way .. No I don’t want your father to support me.. I want to show him that I’m a man who could take care of his daughter .. in addition I’m looking for a job where I could earn much money to make you happy.

Hubaineh smiled while she was playing with her curly hair & said: I want a tiny house in middle of a small farm

Yaheen: I will buy you a farm I promise but you have to learn to take care by chickens & cows.

Hubaineh: is it so hard??

Yaheen: I don’t think so you are very smart girl honey.

Hubaineh smiled while she is looking to Yaheen with passion & love thirst
What a beautiful pinky dream.. a two young lovers planning their golden gage in the middle of the night by whisper so that no one could notice

Suddenly a sound of someone was coming close

Hubaineh: someone coming hide behind the tree quickly.

Yaheen hide himself very fast behind the tree & Hubaineh brought down her window curtain so that the stranger could pass & the two lovers could go back to their romantic confession but unfortunately the stranger stopped near the garden & shout: Yaheen .. I know you are here please come out I have an urgent job for you

That was the village doctor came from no where but Yaheen stayed in his hideout not moving

Again the doctor said: come on Yaheen I know you are here in matter of fact all the village knows about you coming every night flirting with the Joiner daughter

Immediately Hubaineh closed her window & switched off the kandil light while Yaheen went out surprised & said: really!!

The doctor: no I’m just kidding hehe.. it was your mother who told me you are here flirting with the Joiner daughter all night & sleeping the whole day, when are you planning to find a decent job son?

Yaheen: O’ my god!! Mam knows about every thing
Don’t worry Doc I will work very soon but I’m wondering how did my mother knew??

The doctor: you can’t hide anything from women son.. Anyhow I need you in an urgent job where you will gain a lot of money which will make your mother very happy

Yaheen: really.. why not what is the job… I’m welling to do anything

The doctor: for sure you heard about the flue got spread around the village these days & we are about to ran out of antibiotic so I need you to go down town & bring more medicine as soon as possible. You know I could done it myself as usual but I couldn’t due to some cases which required continuous care & observations & your mother complained to me last week that you don’t have a job so I decided to talk to you about this job & you will get good money for your services for sure
And who knows a small trip might turn you life ups & down

Yaheen surprised: what a coincidence

The doctor: what!!

Yaheen: just last night I had a dream about a disease contaminated our village & I discovered a medicine which cured every body & became a hero

The doctor: it is a simple flue!! But anyhow you will be able to fulfill half of your dream by getting tablets form city but regarding the curing things keep that for me please hehe

Yaheen: so what are you telling me that I have to go in a paid trip to the city & bring some tablets & earn a lot of money .. is that what are you trying to say??

The doctor: exactly…

Yaheen: what an easy money .. but I will need a horse

The doctor: why you will need a horse I don’t want you to be a hero that much.. you will go by the train just enjoy & come back as soon as possible

Yaheen: ooooh sorry.. when the train is leaving?

The doctor: with sun raise that’s why I came to you at this time & this place hehe cause it didn’t come to my mind to assign you for the job before; because I couldn’t found someone who I trust & have nothing to do except you, please forgive me if I disturbed your romantic night but you have to go now & get ready
Here take this case where the money, the address & tablets description inside & also here your compensated service for your valuable time
Be carful son don’t lose this money it was collected from every body

Finally the doctor left after he gave me all what I will need to do the job
The money I got for doing this job is huge I will buy some gifts for my mother & Hubaineh then enjoy the rest
I took a small stone & throw it at Hubaineh window but no answer came back looks like the poor girl felt so shy after she heard the doctor telling that everyone knows about us
It is better to let her sleep & go home to get ready for my trip
I whish I saw her face before I left

I arrived home & opened the door quietly so that my mother wont notice but suddenly my father in law voice fell all over the place: Sehab.. yo Sehab

My mother form the kitchen: yes honey

Father in law: the night guardian have been arrived

My mother went out from the kitchen holding warm cup of milk in her hand: leave him alone Jehar, where have you been Yaheen I worried about you every night you leave home & don’t come back till morning

“The doctor told that my mother was the one who told him where I’m & here she is pretending that she doesn’t know!! Perhaps she don’t want to embarrass me”

Yaheen: I was with some friends… I met the doctor & he assign me to go & buy flow tablets from the city

Jehar: O’ my God… That’s a big disaster for sure..Couldn’t he find someone else?
I believe now that we lost the money that we contributed & collected for those tablets

Yaheen: and why is that?

Jehar: you will play & waste the money in the city & come back empty handed and guess what… as usual there will be always a good reason & something went wrong

My mother angry: why you don’t give the kid a chance to prove himself you always being rood to him

Yaheen: that’s right you always look at me disappointedly

My mother: you should guide him & raise him as your own son…

Jehar: I tried but you spoiled him until he became a bag of meet walking.

My mother took deep breath then said: when are you leaving son?

Yaheen excitedly: almost now I have to go back ASAP.

Jehar laughing: please my son… Come back for us as fast as you could, the whole village destiny is between your hands, save our lives I’m begging you

Yaheen: you know what… for the last five years every night before I fall sleeping I’m asking my self one question “why did mom marry you”

Jehar: and I’m asking my self the same question HA HA HA HA HA

My mother: I was the most beautiful girl in the whole village but with the worst luck that’s why I end up in this house

Jehar: no doubt who sees your son will know that you are unlucky heheheheheh

My mother hold my head & give me a kiss then said: take care son & once you come back you have to find a permanent job so I could be proud of you & you will prove to this old man that you are a dependable person.

Jehar: I hope I’m still alive once this day come hehehe but if I died before don’t let him take over my shop I’m worried about my family reputation

Yaheen: don’t worry the day you will die I will work there & sell every thing by half price so no one will remember you in a good way

Jehar was very shocked & stood up talking to my mother: you heard what is he saying.. Sehab I’m telling you from now don’t let him take over my shop this is my well.

My mother: if I didn’t die before both of you causing me a heart attack.. can’t you spend half hour without fighting!!

Jehar: actually I love Yaheen as my own son

Yaheen: I love too uncle

My mother shouted: then you are doing this just to make me angry.. I hate you both

Jehar approach to my ear then said: see.. there is no way to satisfy women

My mother; forget about him son…please finish your breakfast & go catch up the train & take care sweet heart.

Once I left home I was waving my hands toward my mother & her husband Jehar, although he was always looking to me with disappoint but he loved me somehow & he was always happy no matter what & that’s why my mother married him because he was the only one who could print a smile in her heart after my father past away.

On my way I remembered Jehar last words to me clearly “once you come back, me & all village men will be waiting for you in the train station & by any chance if ever you didn’t got the medicine we will hitting you for the same time period you spent out side the village & we wont listen to any excuse or explanation”

Once I arrived to the train station it was very crowded even though the sun haven’t rise yet but it was a salient crowed any way

I looked around until I located the tickets office with a very long queue then I ran quickly to book my spot

Waiting in the queue was killing, for unknown reason every one spending very long time but once I reached their I took five seconds maybe

I entered the train & found my seat in the compartment, fortunately it was beside the window
I sat looking from the window to the travelers every one moving in a quick symphonic calmness with me imaging where each one would be hitting.

An old man approaches me & said: excuse me son… may I check your ticket please

I thought he was the tickets operator so I hand over my ticket to him then he replied: O’ my son you are sitting in my seat, see… this is your ticket & this is mine

and he was holding both tickets in same hand…

I was pretty sure that my seat near the window but anyway I didn’t want to argue with an old man so I moved beside & let him sit freely

The old man sat near the window & slept immediately or he was faking that … I didn’t care but after few seconds he stood up again & put his bag on the seat so he could reserve the seat I guess & went to the restroom

Once he approached to the bathroom & wants to enter his hat fall down & he leaned to pick it up & once he stood up again a very big fat man came very fast & enter the bathroom before him & slammed the door

The old man says with objecting sound: hey… I was here first

The fat man: go away old man I’m having massive dysentery

The old man: why don’t you respect old people you don’t know they aren’t capable to hold themselves as you!

The fat man shouted: go away pleaseeeeee

While every one was watching the old man lean on the bathroom door then said: do you know what is your problem fat people?

The fat man shouted very loud: I don’t know & I don’t wanna know… are you insane… having a conversation with someone in the bathroom!!!

The old man: I need to keep my head busy because I can’t hold my self I need to go to the bathroom & you disturb me in a critical moment

The fat man shouted again: what a great day… someone better take away this crazy old man before I go out & kill him … where are the train operators!!!

The old man: be patient son… I have only one question if you answer it I will leave you in peace

The fat man: holy shit!!!

The old man: I don’t think what I’m smelling right now could be considered holy in any religion

The fat man: I will kill you I swear

The old man: just answer my question & I will leave you alone

The fat man: are you an idiot I’m having a shit not a contest but I don’t think there is a way to explain that to you… O’ right let it be ask your question let me see what is the important question you can’t wait till I go out

The old man: ok … are you ready?

The fat man shouted with anger: yes … yes ask quickly

The old man said: how you were able to enter the bathroom that fast? Because I believe I weigh half your body & I can’t enter that fast… are you flexible or something… or may be you have some super power…

The fat man: you think you are funny crazy old man? What a stupid question…
The old man: hehehe please excuse my stupid question son but I need to be sure that you will be able to get out

The fat man: ok old man I’m done… just wait I will break your neck by my fingers

For a moment every body in the train compartment was waiting for the fat man to get out wondering what would happen but suddenly
We heard a strange sound followed by a crash & very load scream… look like the fat man slipped on the bathroom floor

The fat man shouted: ouuuuuch…O’ my God… help I need help … please someone help me

The old man: what happened!!

The fat man with a crying sound: help me please I think I broke an arm

The old man: which arm? Yours or the door’s??

The fat man: son of **** I will kill you I promise

The old man: I need to know should I call a doctor or a joiner!!

The fat man: I swear… I swear I will hunt you & break your bones

Suddenly three of the train operators entered the compartment & one of them asked: what is going on??

The old man replied quickly: oh… the arm got broken…

The train operator surprised: which arm!!

And every one in the train was laughing

The fat man from inside: please help me I can’t move

One of the passengers explained the situation to the train operators & finally they broke the door & pull out the fat man who was shouting & looking for the old man but the old man went to other compartment bathroom

Once the old man returned the fat an was on his way to the hospital so he was so relaxed & sat on his seat near the window with a spirit of victory then asked me like nothing just happened: is this your first time in the train?

Yaheen with lost of patience: actually I don’t remember when was the last time I traveled via the train I think it was two years ago

The old man: you villagers normally inclosed, you don’t like to travel & mixed up with the out world

Yaheen replied defending the old man accusation: why do I need to go outside if every thing is inside

The old man laughing: every thing inside huh… you still young son & haven’t see any thing in this wild world

Looks like this journey will be very long with this loudmouth old man apparently stealing my seat wasn’t enough to shut him up or satisfy his ego

The old man continued his chatting with me while I was looking to the travelers from the window & suddenly a very beautiful face that I’m familiar with just went out from the crowed

Yaheen: O’ My God it is Hubinah…

To be continued…

Written by: H. Musawif

إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة الثامنة والأخيرة

إمرأة أم خمسة رجال Final Episode

الحلقة الأخيرة

بعد أن غفوت قليلاً على رائحة الخبز الذي خبزته فاتن أفقت من قيلولتي الجميلة على صوت ضحكات عذبة

كانت فاتن تضحك بشدة

رفعت طرف عيني وكانت المفاجأة حين رأيت الطبيب زمان جالس بجانب فاتن يتحدث معها بصوت منخفض والشمس كانت تودع السماء
وفاتن تضحك بصوتٍ عالٍ وطرواد ينظر إليهما بغضب فيما كان ساوي جالسٌ ويده فوق خده وعلامات الملل بادية عليه وهو مركز عيناه في النيران المشتعلة أما بالنسبة للقبطان فكان واقف ينظر للبحر كعادته إذ كان حين يمعن النظر في الحيط تتعطل حواسه الأخرى

غلا الدم في عروقي من هذا المشهد

لماذا .. فاتن.. تضحك مع زمان .. لقد قالت أنها تخاف منهم وهاهي تضحك مع أحدهم ..
ترى هل أعجبت فاتن بزمان ..
أحسست بشعور غريب فمنظر النيران وهي تحرق الخشب كان وكأنه قلبي الذي يحترق وأنا أرى فاتن تضحك مع زمان أتراها تعاقبني لأنني غفلت عنها بعد أن وعدتها بحمايتها وغفوت قليلا أم مال قلبها لزمان فعلاً مالذي يجري في عقل هذه الفتاة
نظرت لها بيأس وأخذت أتخيل:

النارُ تأكلُ في الهشيم
والقلبُ قد ضخ الهوى
من حنينٍ في حميم
في وسط الظلام سألتُ نفسي
أفعلاً عشقتيني..
أم كان ماكنتِ تغويني
عزائي أني خطفتُ دمعةً من عينيكِ
وضعتها قلادةً في جبيني
وكتبت تحتها لم تحبيني
وتدلت الكتابةُ فوق عيني برفقٍ
محسرةً فؤادي بذكرى دمع عينيكِ
والقلب مضرجٌ بدماءٍ سالت منه شوقاً .. إليك

لكن…

لايضر الولغ في بحرٍ يسير
فالموجُ يجرف بعضه
والشربُ أظماك السبيل
والريحُ لاشكُ عاتيةٌ
والأصداءُ قد تخفي العويل
لم ندري ما حل في ذاك الفلا
حزنُ ليلٍ تنفس في صبحٍٍ جميل
والشمس محرقةٌ سواده
كالنارِ تأكلُ في الهشيم

نهضت من قيلولتي الجميلة بعد أن نغص علي راحتي ضحك فاتن وزمان
لا أدري لماذا أحس بحزن وغضب شديدين وكأنني أغار عليها من أن تتكلم أو تضحك مع أحد غيري فلا أريدها لنفسي ولا أريدها لأحد آخر هي شيء محرم هي صرح محظور على الجميع لهذا أشعر بالغضب الشديد

أو قد يكون بسبب الخوف من أن يصيبها مكروه بعد أن وعدتها بحمايتها ولن أدع هذا يحدث مهما كلف الأمر

اتجهت نحوهما إلى أن وصلت فوق رأسهما بإتسامة بلهاء

نظر إلي زمان بنظرة تنم عن عدم الارتياح فيما قالت فاتن بسرور: أخيراً أفقت ياياحين لقد كنت أريد العودة للبحيرة وأريدك أن ترافقني

زمان: كان بإستطاعتي أخذك إلى هناك لم انتظرتي ياحين

ياحين: على كل حال نستطيع الذهاب الآن

طرواد بلهجة جافة: لا أظن ذلك ياولد .. لقد تعبت يداي منذ الظهيرة وأنا أدراي النار والدخان وأنت مستمتع بالسباحة في البحيرة والنوم الهانئ أما زمان فكان يتضاحك ويقهقه مع هذه المرأة لقد كنت أظن أن التعاون شيء واجب هنا لكنني أرى عكس ذلك لقد جاء دورك يازمان الآن للمحافظة على النار مشتعلة أما أنت يا ياحين فعليك الذهاب لجلب مزيدٍ من الحطب

ياحين: لكن يوجد مايكفي من الحطب لماذا يتوجب علي جلب المزيد!!

طرواد بغضب: وما أدراك أنه يكفي.. أنا من كان يغذي النيران ويعتني بها منذ الظهيرة وأعرف مايكفي ومالايكفي ونحن بحاجة للحطب الآن إذ سينفذ مخزوننا في وقت قريب

زمان بتذمر: هيا يا ياحين إذهب وإرحنا من لسانه

نظرت لفاتن فبادرتني: لاتقلق يا ياحين سأذهب بنفسي

ياحين: هل تستطيعين إيجاد طريقك في الظلام

فاتن: نعم لاتخف

طرواد بخبث: أستطيع أخذك إلى هناك إن أردتي فأنا بحاجة للسباحة في بحيرة باردة بعد هذا اليوم الشاق هههه

نظرت فاتن لطرواد بنظرة احتقار ثم قالت: لا شكراً…أستطيع الاعتماد على نفسي

عم هدوء بين الجميع للحظات والكل تتنقل أعينهم بين فاتن وطرواد وعدم الارتياح قد خيم أرجاء المكان

عاد القطبان ناليس من الشاطئ وقال بلهجة حاسمة: هيا يارجال علينا الاستعداد للنوم اجلبوا كمية كافية من الحطب وسنتناوب على المكوث جانب النيران حتى لاتنطفئ علينا إبقاؤها مشتعلة طوال الوقت

جلس القبطان جانب ساوي فيما انشغل زمان بالاعتناء بالنيران وتمدد طرواد يرتاح في الكوخ أما ياحين فتوغل في الغابة بحثاً عن من مزيد من الأغصان اليابسة و فاتن اتجهت للجهة الأخرى تقصد البحيرة

القبطان ناليس يقطع الصمت مخاطباً ساوي: يبدو أن وجود هذه الفتاة سيسبب مشاكل بينكم

ساوي: بالنسبة لي لافرق بينها وبين أي أحد منكم لكن يبدو أن طرواد وزمان وياحين منجذبون إليها

طرواد: هه

زمان معترضاً: أنا .. لا لا فأنا رجل متزوج فقط كنت أتبادل أطراف الحديث معها لاغير لكن يبدو أن محادثتي معها لم تضايق طرواد فقط فقد بدا عليك الملل ياساوي

ساوي: إنما أصابني الملل من التعب وكنت انتظر ياحين ليستيقظ ويقوم عن السرير وحين أفاق أخيراً جاء طرواد وسبقني متمدداً على السرير هذا كل ما هنالك و ليس كماتظن

القبطان ناليس: على أية حال يجب علينا السيطرة على أنفسنا .. لاشك أنها فتاة جميلة لكن مجرد التفكير في موضوعها سيخلق صراعاً ومشاكل

ساوي: يبدو أنك كنت تفكر بموضوعها أيضاً أيها القبطان .. لماذا؟ هل سيطول مكوثنا هنا؟؟

القبطان ناليس: وحده الله العالم وحده الله

اعتدل طرواد جالساً أخيراً ونظر للرجال قائلاً: حسناً أيها القبطان دعونا نتكلم بصراحة..

زمان بقلق: آه .. أحس أنك ستتكلم بوقاحة

طرواد: إن كان مكوثنا سيطول هنا وكل واحد منكم ليس لديه أي ميل لهذه الفتاة إذن أعتقد أن الأمر محسوم

القبطان ناليس: ماذا تقصد

طرواد بثقة وتركيز: تفهمون قصدي جيداً .. إن كان سيحدث صراع على هذه الفتاة فليكن .. في النهاية البقاء سيكون للأقوى

ساوي: يالك من إنسان وضيع .. تستغل ضعف هذه الفتاة ووحدتها

القبطان ناليس ببرود وثقة: هل تعتقد أنك أقوى واحد هنا؟؟

طرواد: هه بالتأكيد

القبطان ناليس: أحذرك أيها الضخم .. أترك هذه الفتاة بحالها إن كنت تريد الحفاظ على حياتك

طرواد: حقاً ومن سيوقفني

القبطان ناليس: صدقني ..لقد مر علي رجال أشد منك

طرواد: في شبابك ربما

ساوي: طرواد حكم عقلك هنا ودعك من التهور فنحن فريق

طرواد: كنا فريقاً قبل قدوم هذه الفتاة أما الآن فالكل يعلم أننا لسنا كذلك ومانطقت به أنا يدور في خلد كل واحدٍ منكم حتى وإن لم يعترف بذلك فهو واضح من نظراتكم أتعتقدون أنني غبياً

زمان بقليل من الحرج: قد يكون هنالك نسبة من الصحة في كلامك لكن إن كان لابد من ذلك فلفاتن حرية الاختيار لاشك

طرواد: إنك تخادع نفسك يازمان لاخيار هنا قانون الغاب هو الذي سيحكم .

القبطان بإحباط: تتكلمون وكأنكم عزمتم البقاء هنا

طرواد: أنا لا استبق الأمور ولا أنوي شيئاً الآن أريد الخروج من هذه الجزيرة مثلكم بأسرع وقت لكنني أحذركم إن رأيت أي أحد يستميل قلبها بحجة أن لديها الخيار سأضطر إلى استعمال القوة ولا أنصحكم بدفعي لاستعمالها فقد تكون عواقبها وخيمة جداً

كان الكل ينظر لطرواد وعلامات القلق بادية على وجوههم فطرواد كان ضخماً جداً ومفتول العضلات مقارنة بزمان وساوي فكل واحد كان أهزل من الآخر أما بالنسبة للقبطان فهو خارج المعادلة لاشك نظراً لكبر سنه ولو حاول أن يوحي عكس ذلك فقط ياحين قد يستطيع الاقتراب من طرواد من الناحية الجسدية فهو قوي البنية أيضاً لكن ليس ضخماً كطرواد كما أنه مازال صغيراً وليس لديه أي خبرة في القتال مقارنة بطرواد فقد كان جندياً سابقاً ومازال في عنفوان شبابه

نهض طرواد بملل قائلاً: سأذهب للبحر قليلاً استنشق هواءاً عليلاً بعيداً عن دخان النيران المملؤة بالكراهية

اختفى طرواد في ظلام الشاطئ فتكلم زمان قاطعاً الصمت الذي خيم عليهم: مالعمل أيها القبطان؟؟

ساوي: بسيط.. علينا أن نحمي الفتاة من هذا الخبيث ونتعاون عليه

القبطان ناليس: لقد مررت بأزمات مشابهة لهذه في رحلاتي

زمان: ممتاز.. وماذا كان الحل المناسب في مثل هذه الظروف

القبطان ناليس: يجدر بك أن تفهم الفرق أولاً بين قانون البحر وقانون الغاب
البحر واحد أو لاشيء
أبيض أو أسود
دائماً هنالك خياران اثنان فقط
أما بالنسبة للغاب فالخيارات كثيرة والاحتمالات أكثر

لكن بغض النظر فالتصرف الذي كنا نتخذه في مثل هذه الحالات هو حبس المجرم إلى أن نصل لليابسة وإن تعذر حبسه لسبب ما ألقيناه من السفينة كي يكون لقمة يبلعها المحيط وعبرة لغيره أما هنا فالوضع مختلف

ساوي: وكيف ذلك

القبطان ناليس: كلام طرواد صحيح نوعاً ما ولو بدا به قليل من المبالغة فنحن سنخرج من هنا لاشك وقريباً جداً لكن وجود فتاة جميلة في مكان كهذا أصابنا بالفتنة وقطع الأمل فكل واحد بدل أن يسعى للخروج من هنا أصبح يخاف أن يسرق الآخرون الفتاة من أمام عينيه بينما هو مشغولٌ بالسعي للخروج من الجزيرة وكأنها سلعة تتنافسون عليها فأصبتم بالملل وكللتم عن العمل وشغل بالكم الحلم بالخطيئة
أما بالنسبة لطرواد فهو ذو نظرة تشاؤمية تجعله أكثر واحد يسعى خلف الفتاة لأنه قد قطع الأمل بالخروج من الجزيرة سلفاً ولاشك هو أقوى واحد بيننا جسدياً وذكي جداً أيضاً وأصعب ما في الأمر أنه الوحيد الذي يحمل سلاحاً بيننا

زمان بقلق: أي سلاح!!

القبطان ناليس بندم: لقد أعطيته سكينتي حين كان ذاهباً للصيد هذا الصباح

ساوي بغضب وهو يضع يديه فوق رأسه: سحقاً .. هذا ماكان ينقصنا

عاد ياحين أخيراً يحمل حزمة من الحطب ونظر إلى الرجال فرأى علامات القلق بادية على وجوههم فبادرهم: ماذا يجري هل هناك خطب ما .. أين فاتن ألم تعد بعد؟؟

ساوي بقلق وكأنه انتبه للتو: لا .. لكنها تأخرت قليلاً

صرخ زمان: طرواد!!

فصرخ ياحين هو الآخر والأغصان تتساقط من يديه: أين ذهب طرواد!!!

نهض الرجال ثلاثتهم أمام ياحين وهرع ساوي بإتجاه الشاطئ لكنه سرعان ماصرخ بهم: إنه ليس هنااااا

انطلق الرجال الأربعة ياحين والقبطان وزمان وساوي يركضون بإتجاه البحيرة

في نفس الوقت وصلت فاتن للكوخ ووجدته خالياً فتعجبت وأصابها قليلاً من الخوف إذ أحست انه هنالك خطب ما لأن الرجال يستحيل أن يتركوا الكوخ خالياً والنار بلا مراقب

لكن جاء صوت طرواد من خلفها ليخيفها أكثر: ما رأيك بهذا الكوخ نتخذه بيتاً أنا وأنت والصندوق الصغير يكون غرفة لأطفالنا ههههههههه

ألتفتت فاتن تنظر له والهلع يملأ وجهها ورجفة سرت بجميع أنحاء جسدها خصوصاً وطرواد كان يقترب لها ببطء

فاتن وهي تكاد تبكي وقد جف ماء وجهها: أين البقية؟؟

طرواد: لا عليكي منهم لايستطيع أحد حمايتك مني سواي هه

أخذت فاتن تنظر حولها تبحث عن أي شيء تحتمي به ثم بسرعة تناولت غصناً كان يحترق في النيران وأخذت تلوح به أمام وجه طرواد وقالت مهددة ويداها ترتجف: أبتعد عني أنني أحذرك..أبتعد.. أبتعد

ضحك طرواد وقال: لاداعي أن نكون أعداءً ستتقبلين الواقع في النهاية حتماً اقتربي لابد أنك تشعرين بالبرد

غضبت فاتن بشدة من وقاحة هذا الرجل يعاملها وكأنها شيء رخيص وكأن حصوله عليها شيء مسلم به

وقفت تنظر له بتحدي وهدأ كل شيء
جسمها
نبضاتها
حتى الهواء سكن ينظر ماذا يحدث
قذفت فاتن بالغصن المحترق تجاه الكوخ فأخذت النيران تنتشر فيه بسرعة بسبب أوراق الشجر اليابسة

وصل الرجال للبحيرة كان الظلام والهدوء يخيمان وكأنه فراغ ساكن فقط ماء نائم

زمان: أنهم ليسا هنا

ساوي: مالذي يجري

القبطان: أبحثوا في أرجاء المكان .. ربما نحن نبالغ فقط .. قد تكون فاتن عادت من طريق آخر وطرواد مازال يتمشى على الشاطئ

ياحين: قلبي يخبرني غير ذلك لكن حتى وإن صدق ماتقول علينا العودة بسرعة إذن فقد نكون أتحنا له فرصة كان ينتظرها منذ البداية

القبطان: هيا بنا يارجال

غضب طرواد وقال: لماذا فعلتي ذلك أيتها الغبية؟

فاتن بعين يملؤها التحدي والكراهية: لبيتٌ تتخيلني فيه خليلةً لك لهو أوهن من بيت العنكبوت

ضحك طرواد: لايهم تعالي هنا لقد عشقتك مذ رأيتك يافاتن صدقيني.. تعالي.. اقتربي.. لاتخافي.. تعالي

وهم بها…

ما إن هم الرجال بالرجوع لكوخهم حتى سمعوا صرخة قوية فزعة قادمة من جهة الشاطئ
هرع الرجال عائدون بسرعة

زمان بخوف: شيء ما يجري هناك

صرخ القبطان ناليس: هيا ..هيا..

ياحين بغضب: الوغد سأقتله بيداي

كان الرجال يركضون بسرعة كبيرة لكن فجأة توقف القبطان واضعاً يده فوق صدره وهو يكح بصوت متعب
عاد إليه زمان كي يطمئن عليه
فيما لم يكترث ياحين بالقبطان بل كان مسرعاً جداً ولم ينتبه له وكذلك ساوي الذي لحق بياحين

حين وصل ياحين وساوي إلى الكوخ كانت النيران تلتهمه إلتهاماً لكن لاوجود لأي من فاتن أو طرواد

أخذ ياحين يتلفت حوله بسرعة فيما انشغل ساوي بإهالة التراب على الكوخ محاولاً إخماد النار

صرخ ياحين بشدة: فااااااتن .. أين أنت

لكن لم يأته أي جواب فانطلق ودخل بين أشجار الغابة

حين وصل الطبيب زمان برفقة القبطان ناليس الذي مازال يعاني من نوبة كحة أنضم زمان لمساعدة ساوي فيما اضطر القبطان للذهاب للشاطئ حتى لاتخنقه أدخنة النيران

وصل القبطان وسقط مكباً على وجهه عند الشاطئ يتلقط أنفاسه إذ كانت كحته شديدةً جداً
وضع القبطان يديه في ماء البحر وأخذ يمسح الماء البارد على صدره وعنقه
هكذا هو البحار يداوي كل شيءٍ بالبحر

انتبه لشيء في الظلام يطفو على الماء
وكأنه رأس
صرخ القبطان متفاجأً: طرواد!! ماذا تفعل هنا؟؟

كان طرواد يجلس في الماء وكأنه يختبأ وعلامات الهلع بادية على وجهه

القبطان ناليس: مالذي حدث .. ماذا فعلت أجبني ياطرواد

كان طرواد لاينظر للقبطان بل مسمراً عيناه تجاه الكوخ وهو يهذي بكلام غير مفهوم وكان واضحاً أن به خطب ما

اضطر القبطان أن ينزل للماء واقترب من طرواد قائلاً بلهجة مطمئنة: ماذا بك يابني.. أين فاتن؟؟

ما إن نطق القبطان اسم فاتن حتى أصيب طرواد بخوف شديد وأخذ يركض في الماء مبتعداً عن القبطان إلا أن القبطان أمسك به وأخذ يهزه من كتفيه: طرواد .. طرواد .. ماذا بك يارجل تماسك نفسك

هدأ طرواد قليلاً ثم نظر للقبطان والرجفة تسري في أنحاء جسده وقال: شبح .. شششبح

قام القبطان ناليس بتهدئة طرواد وإخراجه من البحر حتى وصل به لساوي وزمان اللذان استسلما من إخماد النار إذ لم يتبقى من الكوخ سوى الرماد وهشيم النيران في الحطام المتبقي الذي لم يعد بإستطاعة أحدهم دعوته بكوخ

ما إن أبصرا طرواد حتى أرادا الهجوم عليه لكن القبطان نهرهما بشدة

القبطان ناليس: اجلس ياطرواد قرب النار حتى لاتصاب بالمرض

جلس طرواد القرفصاء بصمت مخبأً رأسه بين رجليه ويديه يلتقط أنفاسه

صرخ زمان: ماذا فعلت بالفتاة؟؟

ساوي بغضب: كيف احترق الكوخ؟؟

زمان: أجب أيها الوغد

رفع طرواد رأسه ونظر لهما بغضب وعينان حمراوتان: إنها شبح

تفاجأ الرجال الثلاثة: ماذا تقول!!!!!!

أردف طرواد وهو يتأتأ ويتكلم بسرعة: حين عدت من الشاطئ لم أجد أحداً منكم فقط وجدتها هيا حاولت أن أمسك بها

ساوي: تمسك بها!! ولماذا تمسك بها؟؟

أشار القبطان ناليس بساوي أن يصمت فأكمل طرواد حديثه: رأيتها واقفة بصمت وغصن مشتعل في يديها تريد إلقائه على الكوخ ونظرات غريبة وكأن وجهها قد تغير حاولت إيقافها لكن حين ممدت يدي كانت كالخيال أو كسراب دخان ألقت بغصنها المشتعل على الكوخ وقامت بإحراقه

ساوي: ماهذا الهراء!! هل تتوقع منا أن نصدق هذه الخزعبلات

طرواد: إن لم تصدقني تستطيع البحث عنها ومحاولة لمسها بيدك

زمان: إن كان ماتقوله صحيح كيف لم ننتبه لها طوال اليوم
طرواد: لا أدري قد تكون هي شبح فعلاً أو شبح ما تشكل بهيأتها لكنني أقسم لكم أنني لم أستطع الإمساك بها كانت كالخيال

زمان: هراء.. أنك تكذب علينا مستغلاً قصص الأشباح التي تكلم عنهم القبطان اليوم حتى نصدقك .. عموماً حين نجد الفتاة سيتبين كل شيء

القبطان: مهلاً .. باعتقادي ان الانسان يستطيع الكذب بلسانه لكن ليس بجوارحه

ساوي: ماذا تقصد أيها القبطان هل تصدقه.. إنه محتال

القبطان ناليس: ما رأيته من طرواد داخل البحر ليس كذباً كان جسمه يرتعش وعيناه بهما فزع شديد لايستطيع المرء أن يكذب هكذا
صحيح أنني لا أثق به لكن علينا التروي
وإحكام العقل في هذا الوقت هل لاحظتم الصرخة التي سمعناها عند البحيرة

زمان: ماذا بها؟؟

القبطان: صوت الصراخ كان رجولياً وليس صوت إمرأة تصرخ

ساوي: صحيح لقد استغربت من صوت الصرخة لكنني لم أفكر به من هذه الناحية

القبطان ناليس: وهذا يدعم قصة طرواد نوعاً ما .. أقصد أنه إن كان طرواد يحاول الهجوم على فاتن لماذا سيصرخ ليلفت إنتباهنا إليه .. فقط الآن علينا العثور على الفتاة وسيتضح كل شيء

زمان بتذمر: لو كان غير طرواد من قال هذا لصدقته

طرواد: لقد استغربت منذ البداية الشبه الكبير بينها وبين زوجتي

قاطعه زمان: ماذا.. ماذا تقول… بل هي تشبه زوجتي أنا!!

ساوي: يا إلهي .. يا إلهي..

زمان: أتشبه زوجتك أنت أيضاً !!

هز ساوي رأسه بالإيجاب وقال : هذا أكثر ماكان يعذبني حين أنظر إليها

القبطان ناليس: يبدو أن هذا هو دليل آخر يدعم رواية طرواد إنها فعلاً فتنة شبح كل أحد يراه بشكل زوجته ياله من أمر فظيع

ساد الصمت للحظات وسرت في أجساد الرجال رعشة غريبة باردة

في هذا الوقت كان ياحين قد قام بتمشيط الجزيرة بحثاً عن فاتن أو طرواد إلا أنه لم يجد أي منهما إلى أن قرر الرجوع للكوخ على الشاطئ عل بقية الرجال وجدوا شيئاً لكنه لسبب ما قرر أن يمر بالبحيرة مرة أخرى في طريق عودته

حين وصل ياحين للبحيرة كان كل شيء ساكناً بشكل رهيب وفاتن جالسة مستندة على شجرة تنظر للبحيرة بسرحان وسط جو فضي نابع من انعكاس ضوء القمر على سطح البحيرة

بادرها ياحين: فاتن.. فاتن ماذا حدث؟؟ هل أنت بخير .. لقد كنت أبحث عنك

رفعت فاتن رأسها تنظر إليه مبتسمةً ثم عادت تنظر للبحيرة مرةً أخرى

ياحين: لاعليكي يافاتن أنا هنا الآن لن يحدث لكي أي مكروه أعدك أهدأي فقط تكلمي معي لن اتركك بعد اليوم أعدك بذلك تكلمي ماذا بك جامدة!!

نظرت فاتن لياحين وقالت: هل تخاف علي ياياحين

ياحين: بالطبع!!

فاتن: لماذا؟؟

ياحين: ها.. ولماذا تسألين .. ماذا حدث يافاتن أخبريني .. هل أصبت بسوء

ضحكت فاتن وهي تنظر للبحيرة ثم قالت: هل تخاف مني ياياحين؟

ياحين: أخاف منك!! ماذا بك يافاتن لقد بدأت أقلق ماذا جرى

وقفت فاتن فجأة ومدت يدها لياحين قائلة: أمسك بيدي يا ياحين

ياحين بحرج: ولماذا!!

فاتن وقد شارفت على البكاء: لكم أفتقد دفء الملامسة ..والقشعريرة الباردة تسري في جسدي

أشفق ياحين على فاتن لابد أنها خائفة جداً فمد يده هو الآخر
اقتربت يداهما جداً
أحس ياحين أن شعر جسمه قد انتفض
أحس ببرودة ميتة
وكانت المفاجأة
حين لم يستطع الإمساك بها إذ كانت كالخيال وتتبخر كالسراب

انتفض ياحين وسقط أرضاً وأخذ يرجع للوراء بسرعة وهو يرتجف

فاتن والدموع تتلألأ في عينيها: حتى أنت يا ياحين ..

نهض ياحين وأخذ يهرب بسرعة وضربات قلبه تتأرجح بين الموت والحياة

وخلفه فاتن تصرخ ببكاء: ياحين .. ياحين.. لاتهرب مني لقد وعدتني أن لا تتركني.. ياحيييييين

وصل ياحين عند مكان الكوخ لبقية الرجال الذين هبوا واقفين حين رأوه راكضا تجاههم وعلامات الهلع بادية على وجهه

أراد أن يتكلم لكن لم تخرج من فمه كلمات فقط هواء بارد وإشارات بيديه اللتان كانتا ترتجفان

فهم القبطان سبب هذا الهلع فأمسك بياحين: لاتخف يابني

ياحين: لـ… آ…

القبطان ناليس: نعلم انها شبح نعلم

وصلت فاتن للرجال فاخذ الجميع ينظر لها بتوجس وخوف واقتربوا من بعضهم كل يحتمي بالآخر محيطين بياحين وهم يرجعون للوراء

أحست فاتن بالحرقة لكم كان أهون عليها حين كانت تخاف منهم أما الآن فالكل يخاف منها ولا أحد منهم يستطيع لمسها

ذرفت دموع الأسى وهي تنظر لهذا المشهد وأخذت تتراجع إلى الوراء هي الأخرى إذ أيقنت أن لافائدة ترجى من الكلام فلاذت بالصمت والظلام
عادت إلى أن اختفت بين الأشجار
اختفت في حضن الغابة
اختفت في الظلام

جلس الرجال الخمسة عند هشيم النار التي ماعادت تدفئ شيئاً لكنها على الأقل كانت أدفئ مكان في الجزيرة

كانوا جالسين بصمت وسرحان لم يكترث أي أحد منهم بإشعال النار أو محاولة ترميم الكوخ فقط
صمت بسرحان
وسكون في سكون
والتوتر كان بادياً على الجميع

إلى أن بدأت الشمس بالإشراق ملاحقة ذيول الليل تطردها من محيط السماء
كان ضوء الشمس بمثابة الحياة التي بدأت تدب في قلوب الرجال لكنهم مازالوا قابعين أماكنهم لايتحركون

فجأة نهض ساوي ينظر للبحر بإستغراب ثم صرخ: أيها القبطان .. أيها القبطان

نهض القبطان هو الآخر بإتجاه ساوي بقلق وقال: ماذا هناك.. ماذا بك يابني؟؟

أشار ساوي بإتجاه البحر: انظر ماهذا الشيء؟؟

أخذ القبطان يحدق في البحر مدة طويلة ثم ألتفت للبقية وعلامات السعادة تملأ وجهه: أيها الرجال أظنها سفينة

نهض طرواد: ماذا .. هل انت متأكد!!

زمان: بسرعة علينا ان نشعل ناراً بسرعة حتى ينتبهوا لنا

القبطان ناليس:لاحاجة لذلك.. إنهم يتجهون للجزيرة

طرواد: وما أدراك؟؟

القبطان ناليس: ثق بي يابني أنهم يتجهون للجزيرة أعلم ذلك

أخذ القبطان ناليس ينظر للسفينة تقترب بسرور فيما كان كل من طرواد وساوي وزمان يتراقصون ويقفزون فرحاً بينما ياحين كان مايزال جالساً بحزن

أراد ساوي أن يتحدث مع ياحين لكن القبطان أشار عليه أن لايفعل بل يدع ياحين وشأنه

أخيراً اقتربت السفينة كثيراً حتى صاح القبطان وقد أشرق وجهه: إنها سفينتنا.. إنها سفينتي

انضم القبطان للرجال يتراقصون فرحاً ووقفوا منتظرين الإنقاذ

وصلت السفينة قرب الصخور المرجانية وتوقفت فنزل قرابان صغيران يتجهان للجزيرة

ساد الصمت على الرجال أخيراً
صمت الفرح والسرور
صمت الغنيمة بالجائزة
صمت إنقاذهم من هذه الجزيرة المهجورة

وقفوا جميعهم حتى ياحين قرب الشاطئ ينتظرون وصول القوارب واستقبالها
نظر ياحين خلفه بإتجاه البحيرة
فرأى فاتن واقفة بين الأشجار تنظر إليهم بحزن والدموع تنساب على خدها بحرقة
حتى تساقطت دموعه بلوعة

وأخذ يتمتم ياحين: سأفتقدك كثيراً
لكن قلبه استطاع سماع صوته المنخفض فانهالت دموعه كالنهر الجاري
ربت على كتفيه ساوي قائلاً: لا بأس يا ياحين.. لا بأس سنخرج قريباً من هذه الجزيرة .. تودع منها للأبد

وصل القاربان أخيراً
وكل قارب به ثمانية رجال كانوا من طاقم القبطان وبرفقتهم صبي صغير تتلفت عيناه بقلق في أرجاء الجزيرة

ساوي بتعجب: يبدو أن الصبي قد نجا بالفعل على أية حال

زمان: سبحان الله لقد كنا نظنه قد غرق وهو الوحيد الذي استطاع التشبث بالسفينة

طرواد: ياله من محظوظ

عند اقتراب القاربان من الشاطئ قفز الصبي يركض في الماء تجاه الشاطئ وعيناه مليئتان بقلق الأمل

وصل للشاطئ
أراد القبطان وزمان الإمساك به وإخباره أن أخته قد ماتت
أراد ياحين أن يحتضنه ويبكي

إلا أن الصبي مر بهم واخترقهم وكأنهم خيال
كأنهم سراب
كأنهم دخان
وأخذ يركض إلى أن رأى فاتن فصرخ بها: فاتن أختاااااااه فاتن .. فاتن

سقطت فاتن مغشياً عليها

فيما شُلت حركة الرجال الخمسة وألسنتهم من هول الموقف
ماذا يجري
هم السراب أم نحن السراب
أوجود ولاوجود

أخذ الرجال ينظرون لبعضهم البعض وينظرون للقبطان علهم يجدون جواباً يهرب بهم عن مايجري أمام أعينهم
لكن القبطان كان منصدماً هو الآخر وقدماه ماعادت تستطيعان تحمله

حمل الصبي أخته فاتن بمساعدة بعض الرجال إلى أحد القوارب
ثم قام الطاقم بإستكشاف الجزيرة علهم يجدون أحداً آخر لكن لم يجدوا شيئاً فرحل القاربان عائدان للسفينة والرجال ينظرون لمايجري بدهشة الصمت

أفاقت فاتن في الطريق بعد أن قام أخاها الصغير بمسح وجهها بماء عذب فانتفضت تتنقل عيناها بين القاربان وصاحت بحرقة: ياحين .. أين ياحين

قال أخوها: فاتن لقد نجوت أنقذناك وعدنا من اجلك لقد كان إضرامك للنار الكبيرة هو ما أنقذك فقد انتبهنا لها البارحة واتجهنا هنا لقد كنا ننوي إكمال رحلتنا لكننا آثرنا الرجوع للمدينة علنا نعثر على بعض من نجا والحمدلله أعادك لي يا أختاه

فاتن وكانها لم تكترث بأخاها أو ماكان يقول: ياحين أين ياحين

بادرها أخوها: من هو ياحين يا أختاه .. لم نجد أحداً غيرك في الجزيرة

صاح مساعد القبطان الذي كان معهم في القارب بأحد البحارة هل أنتم متأكدون أنه لايوجد احد غير الفتاة إنها تقول عكس ماتقولون

البحار: لقد بحثنا في الجزيرة جيداً ياسيدي وصرخنا باعلى أصواتنا ولم نجد أحداً لكننا سنعود ونتأكد مرة أخرى

فاتن: نعم .. ياحين إنه هناك أرجوك أن تعودوا من أجله

مساعد القبطان: هل أنت متأكدة ياسيدتي

فاتن: نعم.. نعم ياحين والقبطان ناليس وزمـ…

صرخ مساعد القبطان: القبطان ناليس على قيد الحياة!!

فاتن: نعم هنالك خمسة رجال جاؤا على ظهر الصندوق

صاح أحد البحارة: لايعقل خمسة!! لم نجد ولا واحداً سوى هذه الفتاة أعتقد أنها تهذي ياسيدي

فاتن: لا.. لا… ياحين ورفاقه هناك..لقد سقطوا من السفينة وتعلقوا بالصندوق الذي طفا بهم للجزيرة

مساعد القبطان: أي صندوق؟؟

فاتن: صندوق الدقيق

مساعد القبطان: فعلاً لقد فقدنا صندوقاً مليئاً بالدقيق في العاصفة .. يارجال .. ارجعوا بنا إلى الجزيرة

صاح البحار: لكن ياسيدي .. هل يعقل أن صندوقاً مليئاً بالدقيق سيطفو من عرض المحيط إلى الجزيرة .. لاشك أنه سينغمر لأعماق المحيط فور سقوطه لثقل وزنه .. كيف به وهو يحمل خمسة رجال

أحس مساعد القبطان بالحرج إذ كان مايقوله البحار صحيحاً لكنه أردف: دعونا نعود للسفينة الآن فالفتاة لاشك متعبة ولاضير أن يعود القارب الآخر ليستكشف الجزيرة للمرة الأخيرة

عاد قارب ولم يجد شيئاً

ورحلت السفينة عن الأشباح الخمسة الذين هاموا بعيداً عن الجزيرة بدورهم مخلفين أجمل ذكرى لفاتن التي مازالت متأكدة مما رأته وعاشته مع الرجال الخمسة
مع ياحين
كثيرون ممن حكت لهم ماجرى لم يصدقوها
ودعوها بالهذيان والجنون
لكن من يدري هل كانت فاتن مجنونة وتوهمت كل ماجرى بالفعل…

بعد خمسٍ و أربعين سنة

في ظلام الليل
في قرية صغيرة
في لامكان ولازمان
وقفت شابة صغيرة بعد منتصف الليل تنظر بسعادة وحبور من نافذة غرفتها المضيئة ضوئاً خافتاً ودافئ لعشيقها الشاب تحت شرفة المنزل في الحديقة إذ تعودت كل ليلة أن لاتنام قبل أن يتغزل بها عشيقها الفتي وأحيناً يمتد بهم الهيام إلى شروق الشمس

لكن قطع عليهم جو الغرام طرق باب غرفتها وصوت كحة عند الباب
الفتاة مخاطبة الشاب: إنها جدتي لا أعلم ما أيقظها انتظر قليلاً

أغلقت الفتاة نافذتها بسرعة وفتحت الباب قائلة: جدتي!! ألم تنامي بعد.. يجدر بك النوم فالجو بارد

دخلت الجدة الغرفة ببطئ وهي تكح واتجهت تطل من النافذة فهرب ذلك الصبي بعيداً

احمر وجه الفتاة خجلاً وقالت بقلق: أرجوك ياجدتي أن لاتخبري أبي أرجوك.. إن آسل شاب طيب وقد وعدني بالزواج أرجوك

احتضنت الجدة حفيدتها بحنان وجلست معها فوق السرير وقالت: لاتقلقي يا سامين لن أخبر أباك لكن عديني أن تكوني حذرة

أشرق وجه سامين واحتضنت جدتها قائلة: شكراً لك ياجدتي شكراً .. لاتخافي فهو شاب طيب فقط ينتظر أن يجد عملاً مناسب وسيتقدم لخطبتي

الجدة: كم هو جميل الحب يابنتي أتمنى أن توفقي في هذا الشاب

سامين: ماذا عنك ياجدتي هل عشقت جدي قبل زواجكما

ضحكت الجدة بأسى وقالت: هه لا.. لقد كان زواجنا تقليدياً .. لكنني أحببته فيما بعد فقد كان رجلاً شهماً ..

سامين: آه .. ياجدتي إن لوعة الحب شيء جميل تمنيت لو أنك وجدي كنتما عاشقين مثلي أنا وآسل

سكتت الجدة قليلاً ثم قالت بإبتسامة حزينة وكأنها تذكرت أيام الشباب: سأسر لك بشيء لكن عديني أن لايعلم أحد به

سامين بحماس: أعدك بحياتي ياجدتي أعدك

أخذت الجدة تكح قليلاً ثم قالت: لقد عشقت شاباً قبل أن أتزوج جدك

سامين بحماس: هل هذا صحيح!! ماذا كان اسمه

الجدة وهي تتنهد: ياحين .. آه يا ياحين.. كان أوسم شاباً في قريتنا آنذاك .. كنت كل يوم أذهب للخباز وألتقي به هناك في الصباح وبرودة الشتاء وكان يستند على الجدار وينزل قبعته للأمام كي يسترق النظر لي .. إلى أن تعرفنا وأصبح يأتي لنافذتي كل ليلة كما يفعل هذا الشاب

سامين بسرور: حقاً .. وماذا حدث بعد ذلك .. لماذا لم تتزوجان

تنهدت الجدة وهي تكح ثم قالت: لقد كان دون عمل وعرضت عليه أن يعمل في منجرة أبي لكنه لم يوافق .. يالرعونة الرجال ..

سامين: آه .. لقد كنت أظن أن المنجرة ملك لجدي

الجدة: لا إنها ملك لأبي حين تزوجني جدك عمل مساعداً لأبي وتسلم إدارة المنجرة بعد وفاة أبي

سامين: أها .. وماذا حدث لياحين بعد ذلك؟؟

الجدة بأسى وكأن حفيدتها أشعلت لوعة الذكريات والماضي الجميل وروح الشباب: سافر يبحث عن عمل ما ..ثم لم يعد بعد ذلك
فقط لم يعد
انتظرته وطال انتظاري لكنه لم يعد
وتقدم جدك لخطبتي فأجبرت أن اوافق إذ كان عاشر واحد يتقدم لي وارفضه في انتظار ياحين إلى ضغط علي أبواي وتزوجته

سامين: مسكينة ياجدتي

الجدة:لا تأسي علي يابنتي لقد كان جدك رجلاً طيباً على أية حال وعشت معه حياة جميلة.. آه يابنتي لقد ذكرتني بالذي مضى كان ياحين يدلعني ويسميني هُبينه

سامين: يبدو أنه كان رومنسياً .. لكن هل عاد ياحين بعد ذلك؟؟

الجدة: لا.. لم يعد .. قيل أنه هرب بالمال الذي أعطاه إياه طبيب القرية لجلب دواء للحمى وقيل أنه قتل وقيل أنه سجن .. كما تعلمين ثرثرة وإشاعات النساء

بكت الجدة فقالت سامين بحزن: آسفة ياجدتي إن كنت أحزنتك

الجدة وهي تمسك بدموعها باكية: لا ..لقد تذكرت أمه ماتت في ليلة زفافي حرقة على ولدها الذي لم يعد

سامين:يالله.. مسكينة..هل تظنين أنه هرب بالمال فعلاً؟

الجدة: لا كان ياحين رجلاً أميناً وشهماً أحبني وأحب أمه أكثر من أي شيء في الدنيا لكن لا نعلم ماحدث له .. سنيناً طويلة كنت أحلم به وأتخيل أنه ذهب يجمع مالاً ليصبح غنياً ويأتي ويخطفني لكنه لم يأتي ..آخر مرة ألتقيته في محطة القطار حين كان ذاهباً لجلب الدواء ووعدني بالزواج عند النافذة حين يعود فوراً .. لقد كان متوقعاً أن يعود في نفس ذلك اليوم لكن لا أدري ماحدث.. لا أدري ماحدث .. لم أحزن في حياتي كما حزنت على فقده

سامين: آسفة ياجدتي .. قصتك حزينة

مسحت الجدة دموعها ووقفت خارجة: الذكريات يابنتي هي أكسير الحياة لمن هم في سني حتى وإن كانت حزينة .. تكمن حلاوتها في حزنها إذ أسأل نفسي مراراً ماذا لو…

خرجت الجدة وأغلقت سامين غرفتها وخلدت للنوم وقلبها حزين على جدتها مفكرةً ماذا يخططه القدر لها ولآسل

أما الجدة فذهبت هي الأخرى لغرفتها محاولةً النوم لكنها لم تستطع فخرجت وجلست في كرسي قديم بحديقة المنزل
كان الظلام حالكاً فقط نور القمر هو مايضيء السماء
وبرودة بالجو جعلت الجدة تدخل في نوبة كحة أخرى

نظرت للقمر بجماله ومر بوجهها هبوب ريح دافئ وأخذت تتخيل وكأنها تحاكي القمر
وكأن القمر به شيء غريب هذه الليلة
وكأنه ينظر إليها ويحدثها قائلاً:

أكحةٌ بصدركِ ياهبينة
أم صدركِ ناداني
أتحنين لحضني
وحضنك آواني
غمة الأيتام فقدُ أبيهمُ
وفرحةُ الأطفالِ بالأحضاني
قد كنت قربك طفلاً فاعلمي
أن بُعدكِ أشاخني وجار عليّ زماني

ازدادت نبضات قلب هبينه وهي تنظر للقمر لقد نظرت له سنيناً طوال كل ليلة تقريباً لكن لأول مرة تسمع كلام القمر أم تراه ياحين .. جاء ياحين أخيراً جاء يكمل قصيدته:

عشقك ملاذي وأوطاني
ونحرك مرفأ الأحضاني
حين يعلو ويهبط رمشك
يدور عقرب الساعة دور ثواني
فلتعذري قلبي إن غلى في حبك
فالماء يغلي من كثرة الهيجانِ
والصبح مشرقٌ وإن طال ليله
والوقت يمضي دونما استئذان
كقبلة عذراءٍ هوت من سفح نافذةٍ
حسراتها ذابت من لوعة الحرمانِ
حاولت إلتقاطها بأناملي فتبخرت
كهروب طفل عاري القدمانِ
ودار طاحون العمر ملوناً
سواد ذيل المهر بخيوطه البيضان

نظرت هبينه للقمر بحزن شديد ثم أشاحت بوجهها بيأس تنظر يميناً ويساراً عل قلبها يسعد برؤيته ولو للمرة الأخيرة لكنها في نفس الوقت أحست بحزن شديد حتى كاد قلبها يخرج من صدرها وقالت معاتبةً الحرقة التي ملأت قلبها كل هذه السنين:

ماترتجي مني وقد شخنا
وهل لعودة الأزماني من أزماني؟
إن كان جور الدهر قد حال بيننا
فحسرةُ الذكرى أججت أحزاني

هب هبوب رياح دافئ بوجه هبينه:

كم تمنيت حين أقولُ لاتحزني
أن تنطوي الحسرةُ في قلبي ياخيرة النسواني
فطول عمرِ المرء لابد مُنكِسُهُ
كل يومٍ أُداوي الجرحّ بالنسياني

نهضت هبينه تمسي برجفة في جسدها الهزيل ووقفت مستندةً على الشجرة التي كان يقف ياحين جانبها وكأنها تبحث عن دفء وقالت:

أتذكرُ لقاءنا في تنور حينا
ووقفتنا بين الخباز والعجاني
في بردِ الشتاءِ كان الدفئُ مهيمناً
لم أدري دفئك أم كان دفئً ثاني
وددتُ لو اقتربتُ منك معاينةً
لكن حال دون الوصل أمي وإخواني
وعدتُ للبيت وزفوا خبراً إليّ
بخطبتي ودمع العين أشابني وأعياني
انتظرتك بشباكِ الدار طويلاً
أرقبُ رميّ حجارتك بقلبٍ حاني
فلم تأتي مذ ذاك اليوم اختفيتّ
وزفوني في ليلٍ ثائرٍ بتهاني
اُغتُصِبتُ في ليلٍ بهيمٍ غرةً
وتتالت الأعوامُ بالولدان
حتى نسيتك غصباً ووداً
إذ حاز ذاك الشخص بالوجدان
ثم أماته الدهر بعد أن طال مكثاً
وألفاني أرملةً بغلماني
وتتالت الأعوامُ عاماً بعد عامٍ
تخطُ خيوطَ الكُهلِ والشيباني
والكحةُ أسكنها الزمانُ بصدري
باتت بجور الدهر لوحةً وأغاني

أحاط الدفئ بها من كل جانب وكأنه يحاول مسك يدها وكأنها يحاول مسح دموع عينها وكأنه يحاول تبرير موقفه قائلاً:

سافرت اجمع مهركِ..
كنزٌ طلب أبوكِ وتيجاني
وطال المكث بي في غربةٍ
وسألت عنكِ مرةً ولهاني
فضحكوا عليّ وقالوا لم تعد بنتاً
أولادها من طولهم تخالهم عمدانِ
حزنت عليكِ دهراً كثيراً
وهمت على وجهي سائح البلدانِ
بحثت عنك وأنا أعلم أين أنتي
لكن عند الرجوعِ أضعتُ عنواني
تعمدت الضياع كي لا أرجع خائباً
لامالٌ جمعتُ .. ولا ضفركِ كان بالإمكاني
وطال الدهر بي حتى كهِلتُ
تساقطت أوراقُ شعري وأسناني

قالت ماذا جاء بك الآن إذن؟؟
حسرةُ ذكراك أججت أحزاني

جئت أسألك بعد طول فراقٍ
هل لعودة الأزماني من أزماني…
هل لعودة الأزماني من أزماني…
هل لعودة الأزماني من أزماني…

أشرقت الشمس بعد وقت قصير وأفاق الجميع نهضت سامين بنشاط متجهةً لغرفة جدتها تريد أن تصحبها للخباز محاكاةً لذكرياتها الجميلة لكنها لم تجدها في غرفتها
لم تجدها في المطبخ
لم تجدها عند النافذة تخيط شيئاً ما
بحثت عنها في جميع أرجاء المنزل إلى أن وجدتها ملقاةً في أرض الحديقة
عيناها محدقتان في السماء
وشعرها الأحمر المجعد الممتزج ببياض الزمن منساب بين كتفيها
لاتنفس
لاوجود
لاحياة

كان جسمها بارداً كالثلج لكن كانت مبتسمة

تمت

حسن المصوف

إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة السابعة

إمرأة أم خمسة رجال E7

ملخص للقصة ( تستطيع المرور للأسفل إن كنت لاتحتاج لقراءة الملخص)

شاب اسمه ياحين يعيش في قرية صغيرة في لامكان ولازمان يقضي أوقاته بالسهر واللعب عمل أعمالاً متفرقة لكنه لم يجد ما يتهنه بعد ولم يستطع تحديد هدفه في الحياة يعشق فتاة صغيرة اسمها هبينه تعد أجمل فتاة في القرية بيضاء ذات شعر أحمر مجعد
كل ليلة حين ينام الناس يكون ياحين في حديقة منزل هبينه وهي تطل عليه من نافذتها
يلقي عليها أشعاراً وكلاماً جميل ويعدها بالزواج
وفي ليلة ما قطع عليه جو الغرام طبيب القرية وأوكل إليه مهمة لجلب دواء لحمى انتشرت في القرية مؤخراً تتطلب ذهابه للمدينة بواسطة القطار
استقل ياحين القطار متجهاً للمدينة وحين وصل اتجه للسوق بحثاً عن الصيدلية التي سيشتري الدواء منها
وجد فتاة أخرى متزوجة وزوجها مسافر عنها لغرض العمل واسمها جمان تتعارك مع بائع سمك وبائع السمك يضربها فتدخل ياحين لحماية الفتاة بدافع المروءة مما دفع بائعوا السمك الآخرين بالهجوم عليه وضربه ضرباً مبرحاً وسرقة ماله والمال الذي سيشتري به الدواء
أفاق ياحين بعد وقت قصير ليجد نفسه بعيداً عن السوق ملقى في وسط قارعة الطريق وجمان جالسة جانبه
إذ أنها أحست بالذنب تجاه ياحين وقامت بمساعدته في إستعادة ماله بأن تربصوا ببائع السمك الذي ضربها منذ البداية وسرق أموال ياحين في زقاق صغير وقاموا بضربه والانتقام منه
بعد ذلك ذهب ياحين برفقة جمان واشترى الدواء ثم أخذته لمحطة القطار ليرحل قبل أن يجده السماكون لكن كانت المفاجأة أن وجد جميع السماكين يبحثون عنه في محطة القطار فما كان من جمان إلا أن أشارت عليه بالعودة عبر البحر بواسطة السفينة
تردد ياحين في البداية إذ أن العودة بالسفينة ستؤخره كثيراً وستقلق عليه أمه وهبينه ولاشك سيتأخر في إيصال الدواء لكن لم يكن أمامه خيار آخر فرضخ للأمر الواقع واستقل السفينة متجهاً لقريته
كان الجو صحواً في بداية الرحلة وكان ياحين يلعب الشطرنج مع أحد البحارة وكل شيء كان يسير بهدوء
لكن هذا الهدوء سرعان ماتبدد بهبوب عاصفة بسيطة
بسرعة اختبئ المسافرون داخل السفينة وعكف البحارة على السيطرة ومحاربة العاصفة فوق ظهر السفينة
كان اثنان من البحارة يحاولان طي الشراع الصغير في مقدمة السفينة فانقطع الحبل وفقدا السيطرة على عتلة الشراع فانكسر مثبت الشراع والتف العمود الخشبي الذي أسفل الشراع بقوة وسرعة وضرب القبطان الذي كان يقود دفة السفينة وسقط في البحر مما أثار قلق البحارة وزعزع ثقتهم بنفسهم
في نفس الوقت كان المسافرون ينتظرون أسفل السفينة والفزع يملأ قلوبهم
إلا أن قرر مراهق صغير بالصعود لمد يد العون للبحارة في التغلب على العاصفة ورافقه ياحين وستة رجال آخرون
حين خرج الرجال المتهورون الثمانية لقيهم بحار وأخبرهم ماحدث للقبطان وأمرهم بالرجوع أسفل السفينة لكنهم لم يستمعوا له لرعونة بهم وعكفوا على صندوق كبير محاولين إلقاءه من سطح السفينة لتخفيف وزنها كما كان يفعل البحارة
لكن موجة كبيرة وقوية ضربتهم وألقت بهم هم والصندوق خارج السفينة في عرض البحر وفقد أربعة منهم وسط المحيط ونجا أربعة آخرون استطاعوا التشبث بالصندوق هم

ياحين العاشق الرحالة

الطبيب زمان بارع في مهنته وكلامه مع أنه مازال شاباً و يتفلسف كثيراً

الصياد طرواد ضخم الجثة ومتشائم فقد زوجته بسبب خطأ طبي وحنق على الطب والأطباء منذ ذلك اليوم وكان جندياً في السابق

البناء ساوي رجل هزيل الجسم ورومنسي جداً هادئ ومتزن يحلم كل ليلة بالعودة لزوجته وأطفاله

نام الأربعة على ظهر الصندوق إلى أن أخذهم القدر لجزيرة مجهولة بواسطة الصندوق
وحين وصلوا وجدوا القبطان ناليس قد نجا وأخذته الأمواج هو الآ خر للجزيرة
اتفقنا على التعاون والتكاتف حتى نستطيع الخروج والنجاة من الجزيرة وحتى نستطيع البقاء على قيد الحياة نصبنا القبطان كقائد لنا وأخذ الجميع يشارك ويتعاون بمهنته ومعرفته أما بالنسبة لياحين فكان يساعد الجميع
كان كل شيء يسير كمنظومة مرتبة
الكل يعمل بجد وإخلاص وتفان
إلى أن خرجت لنا فتاة تترنح من اللامكان

الحلقة السابعة

هرع الجميع بإتجاه الفتاة وأولنا زمان

وصلنا للفتاة وأحطنا بها من كل جانب كانت هذه الفتاة لسبب لم أفهمه تشبه هُبينه بشكل جميل لحدٍ كبير جداً لكن بدا أنها أطول وشعرها أسود وطويل وهي أكبر سناً من صغيرتي فيبدو عليها أنها في آواخر العشرينات من عمرها

زمان: هل أنت بخير؟؟

هزت الفتاة رأسها بالإيجاب بتعب

القبطان ناليس بقلق: كيف جئت إلى هنا هل غرقت السفينة؟؟

جلست الفتاة أرضاً وكأنها تستريح من هذا العناء

زمان: أنا طبيب أخبريني هل تحسين بدوار أو غثيان أو بضعف جسدي؟

نطقت الفتاة أخيراً : لا .. لم تغرق السفينة هذا ما أظن على الأقل

طرواد بعجلة: كيف جئت إلى هنا يا امرأة؟؟

رفعت الفتاة رأسها تنظر إلينا وهي تتوجس خيفةً إلى أن وقف نظرها علي

الفتاة بخوف: أنتم .. أنتم من خرجتم برفقة أخي .. أين هو .. هل هو على قيد الحياة؟؟

طرواد: يبدو أنها تهذي

الفتاة مشيرةً لياحين: أتذكرك .. أنت من لعب الشطرنج مع ذلك البحار وحين حلت العاصفة اجتمعنا داخل السفينة لكن حين اشتدت العاصفة خرجت أنت وأخي برفقة بعض الرجال لمساعدة البحارة

زمان: ماتقولينه صحيح .. نحن من خرجنا إلى سطح السفينة

اغرورقت عينا الفتاة وقالت: أين أخي هل هو بخير.. لا أراه معكم هل نجا؟؟

ساوي: هل تقصدين الصبي الصغير؟؟

الفتاة وهي تهز رأسها بعنف وسرعة: نعم.. نعم الفتى الصغير الذي خرج معكم لسطح السفينة

طرواد: للأسف يبدو أنه لم يحالفه ال…

قاطعه ساوي: اعتقد أنه قد نجا

نظر طرواد وزمان لساوي بتعجب لكن ساوي أردف بسرعة: لقد رأيته متشبثاً بحبل من حبال أشرعة السفينة هذه آخر مرة رأيته قبل أن نسقط وأجزم أنه نجا

أجهشت الفتاة بالبكاء لم ندري هل كانت تبكي فرحاً أم حزناً لكن الحياة كانت قد عادت لوجهها بعد كلام ساوي

بالطبع كان واضحاً أن ساوي قال ذلك لمواساة الفتاة فقط فقد كنت متأكداً أن الفتى لم ينجو وأكاد أجزم بذلك فهو كان متعلقاً على الصندوق ومتدلياً تجاه البحر حين سقطنا يستحيل أنه نجا لابد أن ساوي يكذب لمراعاة شعورها فقط

نظر القبطان ناليس بنظرة تملؤها الحنان وسألها: كيف سقطت من السفينة يابنتي؟؟

أجابت الفتاة: حين صعدتم لسطح السفينة كنت قلقةً جداً على أخي فهو صغير ومتهور انتظرتكم لفترة ولم يعد أحد منكم رجوت بعض الرجال أن يصعدوا ليطمئنوا على أخي لكن لم يجرؤ أحد على الصعود إذ ضربت السفينة موجة كبيرة جداً كادت أن تقلبها فصعدت بنفسي لأطمئن على أخي ووقفت عند الباب لكن الرياح كانت قوية على جسمي الصغير فسحبتني خارج السفينة فوراً

بكت الفتاة ثم أردفت تقول: حاولت التشبث بالباب والصراخ مستنجدة بأحد ما لكن أصابعي كانت تنسل من الباب انسلال الخاتم من الإصبع وصوتي يرتد علي من قوة الرياح حين سقطت في الماء فقدت الوعي على ما اعتقد وأفقت على شاطئ هذه الجزيرة منذ قليل

القبطان: ماحدث قد حدث يابنتي .. الحمدلله أنك نجوت ومازلت على قيد الحياة وأعدك أننا سنعمل جهدنا لنخرج من هذه الجزيرة ما اسمك يابنتي؟

أحست الفتاة بالطمأنينة من كلام القبطان فأجابت بسرعة: اسمي فاتن

فاتن: منذ متى وأنتم هنا؟؟

ساوي: أتينا قبلك بوقت قصير

فاتن: ومالعمل الآن هل سنبقى في هذه الجزيرة لآخر يومٍ في حياتنا!!

زمان بتملق وثقة: كل واحد لديه دورٌ ما يقوم به لنكون فريقاً متعاوناً ونتجاوز هذه المحنة
مثلاً أنا طبيبكم سأعالج أي أحدٍ يصاب بمرضٍ أو وعكةٍ ما وأنقذه ولعلمكم أنا اعتبر أفضل طبيب موجود في زماني والأبرع بين أقراني من الأطباء وقد اكتشفت العديد من الأدوية والعلاجات وأنقذت الكثير من المرضى لذا عليكم الاطمئنان على صحتكم مادمت موجوداً

نظرت فاتن لزمان بإبتسامة وحنان وقالت: شكراً أيها الطبيب

ابتسم زمان هو الآخر ثم قال: من فضلك ادعيني زمان

فاتن: ياله من اسمٍ جميل شكراً لك يازمان

قطع كلامهما طرواد بلهجةٍ حاسمة وجافة: بالنسبة لي فأنا الصياد هنا حتى تستطيعون العيش ولاتموتون من الجوع سأضع خبرتي وقوتي لتوفير المأكل والمشرب لكم جميعاً لاتخافي يافاتن ستحظين بالنصيب الأكبر كل مرة

نظرت فاتن لطرواد بنظرةٍ تملؤها الحذر والريبة إذ كان طرواد هو الآخر يكاد يأكلها بنظراته المريبة ثم قالت: يبدو أنك قويٌ جداً أيها الصياد

طرواد: هه الحياة في البراري والأماكن النائية تحتاج للقوة فهي شيءٌ ضروري

قاطعه ساوي: أما أنا فعملي هو البناء سأوفر لكم المسكن الذي يقيكم من البرد والمطر وحرارة الشمس وإذا لم يأتي أحدٌ لإنقاذنا سأصنع سفينة نهرب بها من هذه الجزيرة لاتقلقي يافاتن سأصنع لك غرفة خاصة

فاتن بفرح: شكراً أيها البناء الطيب لكن هل تستطيع بناء سفينةٍ فعلاً ؟؟

ساوي: بالتأكيد.. فالبناء هو عملي وحرفتي استطيع بناء أي شيء بشكل متقن فالاتقان في عمل الشيء أهم من الشيء نفسه

قاطعه القبطان بلهجة واثقة: ومافائدة السفينة إن لم يكن بها قبطان يقودها ويوصلها لبر الأمان

قاطعه طرواد: وأكبر دليل على براعة هذا القبطان أننا مفقودون في هذه الجزيرة

رد القبطان مدافعاً بغضب: لو التزمتم بالتعليمات التي تقتضي بقائكم أسفل السفينة لكنتم في بر الأمان وحتى هنا إن أردتم البقاء والخروج على قيد الحياة عليكم بطاعة أوامري كي لايتكرر ماحدث على ظهر السفينة
لدي خبرة في العيش في البر والبحر والقتال فقد كنت محارباً قديماً وغواصاً وأتقنت كل شيء عملت به في حياتي

كانت فاتن تنظر للقبطان بانتباه شديد وهو يتكلم فقد كان كلامه مهماً جداً بالنسبة لها

ويبدو أن الجميع كان يتباها أمام فاتن لسببٍ غير معلوم فوجودها أشعل لهيب المنافسة بين الجميع

نظرت فاتن لي بعينين واسعتين متفحصتين وقالت: ماذا عنك أيها الفتى…

كان وجهها جميلاً جداً يا إلهي لكم تشبه هُبينه بشكلٍ جميلٍ جداً

ياحين بحرج والعرق يتصبب منه: أنا…

ضحك طرواد قائلاً: لانعلم ماهي حرفته حتى الآن

القبطان: لاتقلق ياولد سأجد لك عملاً ما

لقد بدا واضحاً الآن أن كل واحدٍ منهم يحاول استمالة قلب الفتاة لكن لماذا يتنافس الجميع على الفتاة .. هل سيطول مكوثنا هنا.. يا إلهي .. قد يكون استمالة قلب الفتاة ضمان فيما لو لم نستطع الخروج من هنا .. يالخبثهم .. ماذا علي أن أفعل ياترى ..

هل أحاول استمالة قلبها مثلهم!!
لكن كيف أستطيع منافستهم

يا إلهي إن كان هذا مايفكر به بقية الرجال ستكون كارثة عظيمة ماذا عن فاتن .. ماذا يجول في ذهنها الآن هل تفكر فيما أفكر وهل يفكر الآخرون فيما أفكر أم أنني مجرد أبالغ في تفكيري
لكن مايجري حولي يوحي أن وجود هذه الفتاة بيننا سيسبب مشكلة ما
ماذا لو لم نتمكن من الخروج من هذه الجزيرة لابد أننا سنقرر العيش هنا والاستقرار

كانت هُبينّه دائماً تقول أن الشيء الذي جعل قلبها يتعلق بي هو صراحتي وبراءتي
حسناً إذن علي أن أكون أنا
فأنا أيضاً لا أريد أن أقضي بقية حياتي وحيداً في هذه الجزيرة وامرأة فائقة الجمال وجهها كوجه حبيبتي تماماً تمشي أمامي كل يوم

وجهها كوجه حبيبتي .. آه ياحبيبتي أ أخونك مع امرأة تشبهك لتذكرني كيف غدوت حقيراً عند أول امتحان هيهات أن أنساك ياهبينه هيهات
إن كان هؤلاء الرجال يحاولون التقرب لهذه الفتاة فهذا أمر عائد لهم أما أنا فلن ألعب لعبتهم القذرة علي السعي للخروج من هذه الجزيرة ولقاء حبيبتي التي تنتظرني على أحر من الجمر وسيكون وجه فاتن بمثابة تذكار لي أني كل مرة سأنظر إليها سأتذكر حبيبتي التي تنتظرني والتي وعدتها بالزاوج

نطق ياحين أخيراً متصنعاً الحرج: اسمي ياحين.. مجرد مسافر ضل طريقه في جزيرة مجهولة و يحاول البقاء على قيد الحياة

نظر له الرجال الأربعة بسخرية وكأن كل واحد منهم كان يريد أن يقول ” ونحن كذلك أيضاً أيها المغفل لم تأتي بشيء جديد”

لكن كانت المفاجأة حين قالت فاتن: ما أجمل البساطة وتقبل الواقع

أطرق ياحين برأسه نحو الأرض ثم أشاح بوجهه تجاه الشاطئ وكأنه لايريد التركيز في وجه فاتن الجميل

نهضت فاتن قائلة وهي تنتفض الرمال عن ثوبها بملل: اعتقد أنني سأذهب لاستكشاف الجزيرة

القبطان ناليس: الأفضل أن لاتتجولي وحيدة فلازلت متعبة ولاندري ما بهذه الجزيرة حتى الآن دعيني أرافقك لنستكشف الجزيرة معاً

نظرت فاتن للقبطان نظرة تفحصية ثم قالت ببرود: نعم.. لم لا

يبدو أن فاتن فتاة ذكية تستطيع استخدام جمالها الآسر فقد كان جمالها هو سيد الموقف ياللرجال وهيامهم

كان بقية الرجال ينظرون للقبطان بنظرة تملؤها الغيرة وكأن كل واحد منهم كان يفكر في حجة ما ليرافق فاتن لكن القبطان ناليس باغتهم بسرعة حسم بها كل شيء: حسناً يارجال علينا استئناف العمل بجد سأذهب أنا وفاتن لاستكشاف الجزيرة ونبحث عن مصدر لماء يصلح للشرب في حين يقوم ساوي بمساعدة ياحين وزمان في بناء كوخ صغير أما أنت ياطرواد فعليك إبقاء النيران مشتعلة وكثيفة الدخان

إلا أن فاتن قالت بخبث وسرعة: أتدري أيها القبطان .. أعتقد أن وجودك هنا ضروري جداً فأنت قائدنا لما لا تظل مع الرجال وأذهب أنا مع..مع … ياحين .. أليس اسمك ياحين

ضحك ساوي قائلاً: يبدو أنك فتاة حكيمة

تفاجئ الجميع حين اختارتني فاتن لمرافقتها وأنا كذلك أجبت وأنا لا اريد أن تلتقي أعيننا: ها.. نعم اسمي ياحين .. لكن اعتقد أن علي البقاء ومد يد العون لساوي في بناء الكوخ

أجاب ساوي بسرعة: لا بالعكس اعتقد أن احتياجنا للقبطان سيكون أكثر من احتياجنا لك لاشك إذهب وأبحث لنا عن ماء فقد جف حلقي ولاتخف سنبقي الأشياء الثقيلة لك لتحملها حين تعود ههههه

نظرت لي فاتن بإبتسامة وقالت: هيا بنا يا ياحين هيا..

مشت فاتن أمامي وأنا ورائها انظر للرجال تكاد أعينهم تفترس هذه الفتاة وفي الواقع لا ألومهم فتاة فارعة الجمال
جمال شيطاني كهذا سيسبب صراعا لاشك
جمالها فتنة في موضع فتنة كإسمها ماتكاد تسمعها تقول اسمها ويخرج هواءً حاراً بين شفتاها مشكلاً هذا الإسم وهي تميل برأسها قليلاً بإبتسامة تخرج من عينيها ذات الرموش الآسرة حتى تشك في كل شيء وتشك في نفسك أأنت حي أم ميت يالها من فتنة

أخيراً دخلنا بين الأشجار واختفينا عن أعين الرجال
وأخذنا نمشي بصمت
لانسمع سوى صوت تنفس الغابة متخيلاً أني اسمع أنفاسها بين صدى الهواء كشهيق وزفير
مرةً يكون بارداً كسقوط ثلج في كأس ماء عذب
ومرة يكون حاراً حنوناً كسحابة مدفأة في ظلام الليل
عقلي أعصابه مشدودة بشتات مظلم
وقلبي ضرباته تتسارع بقوة حتى ظننت أنه سينفجر
لولا مقاطعة فاتن لذلك النبض الذي توقف فجأةً عند سماع صوتها هو وجميع عروقي وجوارحي

فاتن: ياحين

ياحين: نعم!!

فاتن وقد تبدلت ابتسامتها لقلق وخوف: هل تظن أن أخي قد نجا بالفعل

ياحين: بصراحة لا أعلم لكن أتمنى ذلك فساوي يقول أنه رآه قد نجا

فاتن: هل أستطيع أن أسألك سؤالاً لكن تعدني أن تجيب بصراحة؟

ياحين: نعم لم لا

فاتن: لماذا تتحاشى النظر لي؟

ياحين متفاجأً: ها … ذلك هو طبعي .. فأنا لست متعوداً على النظر للنساء

فاتن: لماذا لاتنظر لي كما ينظر لي بقية الرجال؟

ياحين: لم أفهم ماتقصدين!!

فاتن: بل فهمت ماقصدت جيداً يا ياحين أصدقني القول أرجوك

تنهد ياحين بعبوس وقال: بالنسبة لي فأنا لدي مهمة واضحة وهي الخروج من هذه الجزيرة على قيد الحياة والعودة لقريتي لتوصيل الأمانة ولا أريد أن أشغل بالي بشيء آخر أما بالنسبة لبقية الرجال فالحق يقال أن حالهم قد تبدل بعد قدومك فهم يرونك جميلة جداً ونحن وحيدون في هذه الجزيرة..

وقفت فاتن أمام ياحين مركزة عينها في وجهه: ماذا عنك يا ياحين ألا تراني جميلة؟؟

ياحين وقد احمر وجهه خجلاً وقلبه ينبض بقوة تكاد فاتن تسمع ضرباته إذ كانت قريبة جداً منه: ها .. بلى لكن لا أريد أن أشغل بالي بأحد فأنا قلبي مشغوف أساساً بفتاة وعدتها بالزواج وهي تنتظرني ولا أستطيع النظر أو التفكير بغيرها حتى لو وددت ذلك

تنفست فاتن الصعداء وكأن هماً ثقيلاً انزاح عنها مما أثار تعجب ياحين لكنها قالت: حمداً لله .. لقد رزقني الله بك يا ياحين

ياحين: ماذا تقصدين!!

فاتن: ألم ترى كيف ينظر لي الآخرون .. كان علي أن أتأكد أنه ليس لديك نية مبطنة أو غير شريفة تجاهي أرجوك ياياحين أنا فتاة وحيدة بين خمسة رجال احميني أرجوك

صعقت من صراحة هذه الفتاة وذكائها الحاد لكنها أردفت: كن لي أخاً أكن لك أختاً ماذا لو كانت أختك مكاني أترضى أن يتنافس عليها هؤلاء الرجال ومن يدري ماذا سيحدث

ياحين: أظنك تبالغين قليلاً فلا أظن أحداً من الرجال سيهم بشيء خطأ تجاهك

فاتن: أنا لا أعرف أحداً منكم لكن لسبب ما وثقت بك ربما لأنك تشبه أخي قليلاً .. أتمنى أن يسير كل شيء على مايرام وأن لايطول مكوثنا هنا لكن عدني أنك ستحميني .. أريد أن أطمئن أنه يوجد أحد احتمي به واستند عليه فيما لو ساءت الظروف

كان كلام فاتن قوياً جداً هز جسمي وقلبي فبادرتها: أعدك بشرفي أن أحميك حتى بحياتي

أشرق وجه فاتن راحة وفرح وقالت: شكراً لك يا ياحين .. لقد كنت واثقة أنك شهم ولن تخذلني فمذ رأيتك ارتحت لك على عكس البقية لكن كان علي مجاملتهم بأية حال

أخذت أسر لنفسي ” حمايتك من بقية الرجال ليس بالأمر الصعب إنما الصعوبة تكمن في حمايتك من نفسي”

فاتن: هل سرحت مجدداً؟؟

ياحين: لا .. لكن أين نحن

كنا قد توغلنا في الغابة قليلاً ولم أركز في الطريق فقد شغلتني فاتن حتى لم يعد بإمكاني تحديد طريق العودة

ضحكت فاتن: لاتقلق فالجزيرة ليست بكبيرة
أكملنا مشينا إلى أن وصلنا لمجموعة صخور ملساء مالتففنا حولها حتى وجدنا بحيرة صغيرة نقية جداً بشكل جميل وبدا عليها أنها باردة وهادئة كذلك

كان يتوسط البحيرة صخرة كبيرة ومستوية والأشجار تحيط بالبحيرة من كل جانب

ياحين: لابد أن ماء هذه البحيرة ينبع من هذه الصخور

لم أكمل كلامي وإذا بفاتن تضحك وقفزت داخل الماء بسرعة
لم أدري مالذي دفعني للحاق بها لكني قفزت أنا الآخر للبحيرة
وقعت داخل البحيرة التي كانت باردة جداً جداً بشكل جميل مع أنا الجو لم يكن حاراً لكنني لم أرد أن أخرج من برودة هذه البحيرة للأبد فبرودة الماء كانت تقشعر البدن و صدى ضحكات فاتن يداعب القشعريرة التي تسري بجسدي حتى لم أعد أفرق أكان الماء أم صوتها أعذب لابد أن هذه الفتاة قد أمنت لي فيجب علي أن أحميها ولا أخذلها لكن لسبب ما أحس انها فتاة لعوب أم تكون محبة للمرح فقط وأحست بالطمأنينة الأخوية تجاهي
أخرجت رأسي من الماء كي أرى فاتن لكنها كانت تغوص فدخلت مرةً أخرى أتبعها بشكل طفولي وسرور لم أدري ماسببه لكني تخيلت لو علم بقية الرجال إنني استمتع في هذه المياه الباردة برفقة فاتن فيما هم منهمكون في بناء كوخ لنا ماذا ستكون ردة فعلهم
نزلنا لقعر البحيرة
فسمرت عيناي في وجه فاتن يا إلهي وجهها داخل الماء أجمل من خارجه
صفاء في صفاء وعذوبة في عذوبة
لكنها سرعان ماضحكت وطارت سابحة للسطح كحورية

خرجت فاتن مستلقية فوق الصخرة وهي تضحك

سألتها وأنا أطفو على سطح البحيرة: مالذي أضحكك؟؟

فاتن: لا أدري لكنك تشجعت أن تنظر لي داخل الماء وليس خارجه
مالسبب ياترى!!

لم أرد عليها بل لأنني لم نفسي لا أعرف الإجابة بل غطست مرةً أخرى أتجول في هذه البحيرة المنعشة هارباً منها ومن نفسي ومن السؤال

ماخرجت إلا وفاتن كانت قد خرجت من البحيرة وقالت لي: يجدر بنا العودة قبل أن يفتقدنا الآخرون

خرجت من البحيرة وإذا بفاتن تخلع سترةً كانت تغطي أكتافها وتتلثم بها

ياحين: ماذا تفعلين!!

فاتن بلا مبالاة: اغطي أنفي وشعري عن الهواء البارد فقد خرجت من الماء للتو

بعد أن تلثمت فاتن غدت عيناها أوسع وأجمل وبان بياض نحرها كبزوغ القمر في عهر السحاب
حتى سرحت في عالم الأوهام الشيطانية بخجل

فاتن: ياحين.. ياحين

ياحين: ماذا ..

فاتن: لقد سرحت مرةً أخرى .. فيما تفكر

ياحين: ها .. لاشيء هيا بنا

حين وصلنا لبقية الرفاق كانوا تقريباً قد انتهوا من ترتيب كوخ صغير من الاخشاب واوراق الشجر أما بالنسبة لفاتن فقد قام الرجال بتقريب الصندوق من الكوخ وفتح جهة من جهاته ليكون بمثابة غرفة خاصة

ياحين: وأخيراً قمتم بفتح الصندوق

زمان: ماذا عنكم هل وجدتم ماءً؟؟

فاتن: نعم لقد وجدنا بحيرةً عذبة جداً

طرواد بلهجة مرتابة: ذلك واضح من ملابسكما المبتلة

ياحين: نعم في الواقع كانت البحيرة عذبة جداً و…

ساوي: ونسيت أن تجلب لنا ماءً نشربه أليس كذلك

ياحين: في الواقع لقد ذهبنا للبحث عن الماء وليس لجلبه فلم يكن لدي ما أجلب به

القبطان ناليس: عليك أن تكون ابتكارياً هنا يابني

فاتن: لا أعتقد أننا بحاجة لجلب الماء فالبحيرة قريبة جداً والجزيرة صغيرة أيضاً فمن يشعر بالعطش يستطيع الذهاب والشرب بنفسه

طرواد: أنا عطشان لكن من سيدلني على البحيرة

فاتن: عليك أن تتجه شمالاً بخط مستقيم مايقارب دقيقتين مشيا على الأقدام وستجد البحيرة أمامك

طرواد: ماذا لوضعت!! ههههه

زمان: عندها فقط سيعم التفاؤل أرجاء الجزيرة

ياحين وكأنه يغير موضوع الحديث: ماذا وجدتم داخل الصندوق؟؟

القبطان ناليس: دقيق الصندوق مليء بالدقيق إنها حمولة كانت تتجه لمخبز مدينة أخرى على طريق سفرنا

ياحين: دقيق !! لابد أنه قد أصابه التلف من كثرة المياه التي تعرض لها

القبطان ناليس: لايوجد شيء هنا أصابه التلف ياياحين عليك أن تأكل كل شيء

طرواد: وكيف سنأكله وهو مليء بماء البحر

القبطان ناليس: الأكل ليس إجبارياً إن كنت لاتريد الأكل فأنت حر ههه

فاتن وهي تنظر لأكياس الدقيق: هل كل الأكياس ممتلئة بالماء؟؟

القبطان ناليس: عليك أن تبحثي لابد أنك ستجدين كيس مازال بعض دقيقه سالماً

أخذت فاتن تبحث بين الأكياس إلى أن وجدت كيساً ربعه لم يصله ماء يبدو أنه كان في المنتصف وقالت بفرح: حسناً من يريد خبزاً

تذكرت رغيف الخبز الذي أهدتني إياه هبينه قبل أن أغادر وقلت لفاتن: أنا أريد أن أشم رائحة الخبز فقط فلها ذكرى خاصة على قلبي

أخيراً انتهى ساوي من بناء صرحه ووقف بعيداً قليلاً ينظر لقصره بفخر مع تسارع تنفسه وحركة صدره

جلست أخيراً على شيء مريح وسرعان ما أصبت بالنعاس يبدو أنني سأنعم بنوم مريح في هذه الجزيرة وهذا مالم يخطر ببالي

جلست ممداً على شيء ما أسماه ساوي بسرير .. لكنه كان مريحاً أم لم يكن لا أدري فقط كان جسمي متخدراً مع نسيم الهواء الجميل الذي يداعب عيناي ومنظر فاتن وهي تخبز الخبز على صخرة ساخنة

ماهي إلا لحظات حتى بدت رائحة الخبز تملأ أرجاء المكان
كم هي دافئة رائحة الخبز الساخن
تريح الجسم والفؤاد

كانت يدا فاتن الناعمتان تغوصان في العجين الناعم مما خدرني أكثر حتى غدوت أغفو

أنظر لفاتن وهي تخبز تارة

وأتذكر هُبينّه تارةً أخرى وهي تناولني رغيف الخبز الساخن مصحوباً بقلبها معه

حتى اختلطت الذكرى بسكرة النعاس وحضن الحلم وأخذت أهذي:

اخبزي ياهُبينّه اخبزي
دعيني اتأملُ تنوركِ الدافي
فبردُ الشتاءِ كسّر أضلعي
وريحةُ الخبزِ هيجت أجوافي
قالت ترى.. هل خبزي ما اشتهيتهُ حقاً!!
وهل لأكلِ الخبزِ منظومةٌ وقوافي؟؟
بل أنا أهوى البردَ والدفئَ معاً
خلعتُ مأزري وارتديتُ لحافي
لففتُ رجلي بِرجلي
ومددتُ ظهري كامشاً أكتافي
حضنتُ اللحافَ بكلتا يديّ
وانتظرتُ وصلكِ حائراً خوافِ
قالت كلُ هذا الدفئ لم تترك لي وللبردِ مجالاً
قلتُ الدفئُ في جلدي والبردُ في الأجوافي
تعاليّ واحضنيني ياضدَ كل شيءٍ فيني
دعي البردَ والدفئَ ينعما بوفاقِ
فأنتِ ربيعُ الكلِ والكلُ لكِ ربيعٌ
أنتِ بردُ المشتاقِ ودفئُ التلاقي
فاخبزي خبزكِ وضعيه في التنور
يخرجُ دافئاً ويمتزجُ ببردٍ طافي
كذاك قلبي حولكِ متنقلٌ
ويبردُ دافئاً بين وصلكِ وجفاكِ

كانت أجمل نومة نمتها في حياتي مع أنني كنت أحس أنني لست بنائم
بل بين النوم واليقظة
بين الحلم والخيال
على جسر هواء بارد أتأرجح بدفء
أنظر لنهر الجمال
مستمتع براحة السرير ورائحة الخبز
معلق بين السماء والأرض
بين الشمس والقمر
بين جمال هبينه وفتنة فاتن
بين الرقة والأنوثة
ملاك وشيطان بوجه واحد
حسناوتان بوجه واحد
أم وجهان لعملة واحدة
هل تشبه هبينه لهذا الحد أم أنني من حبي لهبينه بت أرى كل امرأة تشبهها
قد أكون أراها في كل أمرأة

أفقت من قيلولتي الجميلة على صوت ضحكات عذبة

كانت فاتن تضحك بشدة

يتبع

حسن المصوف

إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة السادسة

امرأة أم خمسة رجال E6

الحلقة السادسة

في الحلقة الماضية

بعد حصولي على الدواء الذي كلفني بجلبه طبيب القرية اضطررت أن استقل السفينة في طريق العودة بدلاً من القطار مع أن السفر بالسفينة سيستغرق وقتاً أطول بكثير لكن لم يكن لدي خيار آخر إذ كان ينتظرني سماكون في محطة القطار يريدون الانتقام مني بعد أن قمت بضرب أحدهم

بعد أن رحلت السفينة وتوسطنا البحر بقليل من الزمن هبت بنا عاصفة عنيفة قذفت بقطان السفينة لسوء الحظ مما اضطرنا أنا وسبعة من المسافرين بقيادة مراهق صغير كان هو من شجعنا لمد يد العون للبحارة في تخفيف وزن السفينة بإلقاء المؤن والصناديق
فعكفنا على صندوق كبير محاولين إلقاءه لكن موجةً كبيرة ضربتنا وقذفت بنا خارج السفينة نحن والصندوق
غرق أربعة من الرجال أمام عيني من ضمنهم كان ذلك المراهق المتهور ونجوت أنا وثلاثة آخرون لكن السفينة ابتعدت عنا كثيراً ورحلت فاضطررنا أن نتخذ من الصندوق طوق نجاة ابتهالاً بفرج من الله أنا ورفاقي الثلاثة الطبيب زمان والصياد طرواد البناء ساوي وانتظرنا كثيراً إلى أن لاح نور الفجر بجزيرة قريبة

الحلقة السادسة

ساوي وهو يتراقص : الحمد لله الحمد لله لقد نجونا

زمان: يبدو أن البحر لن يبلعنا هذه المرة

طرواد:نجونا من الغرق على الأقل… سنموت في هذه الجزيرة يبدو أنها مهجورة وقد تكون مسكونة بالأشباح

زمان: هل تظنها مهجورة

طرواد: لا أدري لكنني لم أسمع بوجود جزيرةٍ في هذه الأنحاء من قبل ويبدو أنها صغيرةٌ جداً

مجدداً بدد طرواد فرحتنا بالنجاة من الغرق ياله من إنسان متشائم بكل معنى الكلمة

ياحين: أي شيء عدا الموت غرقاً اعتقد أنه شيء فظيع أن يبلعك البحر وكأنك لاشيء لست مهماً بالنسبة له ولا أحد يعلم بأمرك فتغدو لست مهماً بالنسبة لأي أحد وكأنك لاشيء فقط شيء مات وانتهى ولم يعلم به أحد

ساوي: أيهمك جداً أن يعلم أحد بأمرك حين تموت؟؟

ياحين: بإستغراب: ها .. أظن ذلك

ساوي: لكنهم سيصابون بالحزن .. برأيي أنه مادمت ميتاً بأية حال لن يكون هنالك فارق إن علم أحد بأمرك أم لا فأنت ميت في كل الحالتين على العكس قد يكون علمهم بالأمر حزناً ويأساً لهم وقد يصابون بالمرض والتعب

زمان: أتعلمون نحن الأطباء لدينا مناعة من الحزن اكتسبناها مع الزمن وحوادث الموت التي نراها أمام أعيننا كل يوم حتى غدوت لا أحزن حين يموت أحد أمامي

طرواد: أكيد فالذي مات لاتصلك به أية قرابة فلن تحزن عليه ولن تحس بتأنيب الضمير حتى وإن كنت أنت من قتله فهو مجرد حالة بالنسبة إليكم

زمان: لا .. لا .. إنه ليس كذلك ياطرواد صدقني.. نحن الأطباء نشعر بسعادة عظيمة ولاتوصف حين ننقذ حياة شخص ما وكلما كنا لانعرفه كانت السعادة أكبر

طرواد: وكيف ذلك؟؟

زمان: لأنك حين تنقذ حياة شخص لاتعرفه ترتقي لمستوى أخلاقي أعلى من أن تنقذ أحد مقرب لك لأنك في الحالة الثانية مضطر لإنقاذه بحكم صلة القرابة أو الصداقة على عكس الحالة الأولى .. لا أعرف هذا الإنسان لكنني على علم بمشكلته وأنه يحتاج للمساعدة لذا علي فعل كل مابوسعي لإنقاذه علي فعل واجبي وإجادة عملي .. إنه شيء إنساني بكل ماتحمله معنى الكلمة أن تنقذ أحداً من الموت

ساوي: كيف هو شعورك حين يموت أحد أمام عينيك؟؟

زمان: بغض النظر عن ما أشعر به أنا فهو ليس مهماً بالنسبة إليك مايشعر به طبيبك إن أنت مت

في المستشفى تصادف حالات كثيرة تجعلك تصاب بالحزن والشفقة وأحياناً بالخوف لكنها لاتساوي الموت فعند الموت تجد المريض ملقاً على ذلك السرير فجأةً انطفأ كل شيء وهدأ كل شيء تحس بروحه تخرج من فمه كهواء بارد وكأن هذا الجسد لم يعد محيطها بعد الآن كإنقطاع التيار الكهربائي عن المصباح فلا فائدة ترجى من المصباح عند انقطاع التيار سكون وجمود تام حتى كل من ينظر إليه يصاب بذلك السكون وكأن الأجسام تصاب بعدوى الموت لذلك يخاف البعض من مجاورة الأموات لما يعتري أجسامهم من سكون مخيف عند الاقتراب من أحدهم
هذا الجسد الذي كان أغلى شيء أصبح لايساوي أي شيء ويجب التخلص منه في أسرع وقت قبل أن تفوح منه رائحة نتنة حين تصادف شيء كهذا أمامك تحس أنك مهما كنت غنياً وعلوت اجتماعياً تحس أنك رخيص في الحقيقة وستغدو يوماً ما كهذا الميت لقد انتهى دوره في الحياة ولن يستطيع العودة وكثير حتى أهله الذين يبكون حوله لايبكون عليه بل يبكون على أنفسهم حزناً لفقده أرأيتم كم هم أنانيون بنو البشر لذلك فنحن الذين نعمل في المستشفى لانحس بشيء لأننا نعرف الحقيقة

طرواد: حقاً.. وماهي هذه الحقيقة؟؟

زمان: أنه لاشيء أسرع من الموت.. قد تتخيل المريض حين يأتيه الموت يقاوم ويحاول الصمود قليلاً لكن هذا لايحدث .. الموت هو الشيء الوحيد الذي لاتستطيع مقاومته على عكس كل شيء في هذا الوجود تستطيع مقاومة الحياة، الألم ، البكاء ، السعادة ، الحزن ، الخوف كلها تستطيع مقاومتها إلا الموت لذلك فهو أسرع شيء في هذا الوجود لعدم القدرة على مقاومته

صرخ ياحين بخوف و نفاذ صبر: ألا تلاحظ أيها الطبيب أنك تتكلم في موضوع لايجب التكلم فيه خصوصاً ونحن قد نواجهه في أي لحظة في المحيط الذي نحن فيه

ضحك الطبيب وقال: أتعني الموت .. ليس بالضرورة أن تكون في مكان خطير لتخاف من الموت فالموت آت لك أينما كنت حتى لو كنت مختبئاً في صدر أمك وقد رأيت ذلك مراراً الأم تحتضن ابنها بشدة وكأنه ستحميه أو تبعد الموت عنه وكأن الموت سيخاف منها لكن فجأة على حين غرة ترى المريض قد تسجى وخارت حياته تراه قد سقط من الأرض وعلى الأرض وإلى الأرض وأمه مفجوعة بما قد باغتها قبل مباغتة ابنها

طرواد: من يسمع كلامك عن الموت بثقة لايصدق مافعلته حين أفقت على ظهر الصندوق وكدت تبكي ألا يجب على الطبيب تقبل فكرة الموت أو اقتراب الموت أكثر من غيره بحكم رؤيته لهذه التجربة أمام عينيه باستمرار كما تقول

زمان: على العكس..حين ترى أحد يموت أمام عينيك كل مرة فأنك تتخيل اليوم الذي سيحين دورك فيه وتخاف منه أكثر
أنا لم أقل أنني لا أخاف من الموت أنا لا أحزن حين يموت أحدهم فقط لعلمي بأنني سألحق به عاجلاً أم آجلاً لذلك علي الحزن على نفسي أكثر من الحزن عليه لأنه في كل مرة يموت أحدهم تحس أن موعدك اقترب أكثر كالمثال الذي أشرت إليه منذ قليل موت أحدهم على صدر أمه هذا المنظر يشعرني بالرجفة والفزع وليس الحزن أتخيل نفسي وقد باغتني الموت وأنا على صدر أمي أكثر مكان آمن في الوجود تبكي علي واستعطفها عل بمقدورها فعل شيء
وهذا لاشك أفضل من الموت وحيداً فالإنسان في لحظاته الأخيرة يحتاج لأحد يمسك بيده ويحتضنه

ساوي بإمتعاض: أعتقد أن كلام ياحين صحيح علينا التركيز في النجاة والذهاب لهذه الجزيرة المجهولة على الأقل ستكون أفضل من الصندوق

طرواد: لكننا لانعلم أي شيء عن هذه الجزيرة كما قلت لك لم أسمع بوجود جزيرة في المكان الذي كنا مسافرين فيه

زمان: المشكلة أننا لانعلم أين نحن الآن قد تكون العاصفة أبعدتنا لمكانٍ مجهول

ياحين بحماس: ماذا علينا أن نفعل .. الجزيرة قريبة جداً لكني اخاف أن لايأخذنا الموج إليها ونبتعد
هل نقفز ونذهب إليها سباحةً

طرواد: إنها أبعد مماتظن
البحر دائماً يغريك بقرب اليابسة
علاوةً على ذلك فالشمس لم تشرق بعد والرؤيا ليست بواضحة

ساوي: علينا أن نجدف بأيدينا إذن حتى نستطيع الوصول إليها بسرعة

كلما اقتربنا من الجزيرة كانت الشمس تشرق أكثر حتى بدت معالم الجزيرة واضحةً جداً

كان يملؤها الشجر الكثيف وكأنها غابة كبيرة داخل جزيرة صغيرة
كانت صغيرةً جداً لدرجة أنه كان بإستطاعتنا رؤية الجهة الأخرى
لكن ماشد انتباهنا هو وجود شيء أسود واقف أمام الشاطئ
يقف جامداً كظل شبح
كلما اقتربنا من تلك الجزيرة كان يغمرني شعور بالسعادة والخوف معاً من ذلك الشبح الأسود

ياحين: ماهذا الشيء الغريب

زمان: قد تكون صخرة ما

ياحين: كأنه جسم ينظر إلينا

طرواد: هيه ياولد لم نصل للجزيرة بعد حتى تتوهم رؤية الأشباح

ياحين: تأملوه جيداً إنه يتحرك قليلاً

ساوي بلامبالة: فليكن.. الموت على اليابسة أفضل من أكون وجبةً لأسماك القرش أو الغرق لكن لاتخف ياياحين فطرواد يخيف ألف شبح

طرواد: يا إلهي إنه .. إنه القبطان

ساوي: ماذا تقول .. أيعقل ذلك

طرواد: انظر جيداً

رفع زمان يده ملوحاً

لكن الرجل الذي كان على اليابسة ظل يحدق فيهم ببرود ثم فجأةً رفع يده بإشارة خفيفة

طرواد: أرأيتم إنه القبطان.. ياله من عجوز قوي كيف استطاع النجاة ..نحن ولدينا صندوق بالكاد وصلنا لهذه الجزيرة أما هو فقد وصل قبلنا

زمان: لازلت لست متأكداً أنه هو

ياحين: إنها نفس ملابسه على الأقل .. يا إلهي أنه فعلاً هو .. هو

كان لون البحر قد بدأ يتحول من الأزرق إلى الأخضر حين اقتربنا من الشاطئ

إلى أن اقتربنا كثيراً لنرى القبطان ناليس
كنا ننظر له بسرور على عكس ماكان ينظر لنا بشحوب وحزن

قفز ساوي للبحر متجهاً للجزيرة بسرعة إذ غدت قريبةً جداً ولم يعد بإمكانه الانتظار والتجديف أكثر من ذلك

تبعه طرواد بسرعة
مما أثار حماستنا أنا والطبيب الذي أخذ ينظر لي وقفزنا نحن الاثنان معاً في نفس الوقت

وصلنا أخيراً للشاطئ
وصلنا لليابسة
للجزيرة
وصلنا للأرض

تمدد كل من طرواد وساوي على الأرض يقبلانها ويتحسسان دفئها

أما أنا فوقفت لأتأكد أنني واقف على اليابسة من جديد

في حين اتجه الطبيب للقبطان الذي مازال ينظر إلينا بشحوب

زمان: هل أنت بخير أيها القبطان إنني سعيد أنك تمكنت من النجاة هل تحس بدوار أو غثيان أو بضعف جسدي

أخذ القبطان ناليِّس ينظر إلينا واحداً تلو الآخر بشحوب ثم سأل بخيبة أمل: هل أنتم الناجون الوحيدون

طرواد بضحكة هستيرية: هاهاهاها ناجون ها.. بل نحن الغارقون الوحيدون المفقودون

القبطان ناليس: ماذا حدث لسفينتي؟؟

ساوي: رحلت مخلفةً ورائها من تراهم أمامك

عادت الحياة لوجه القبطان وأشرقت إبتسامته: حمداً لله .. حمداً لله لقد ظننت أن السفينة قد غرقت حين رأيتكم متعلقين بالصندوق

ساوي: لقد كنا نحاول إلقاء الصندوق خارج السفينة حين جرفتنا موجةٌ كبيرة خارجها

طرواد: ورحلت السفينة والعاصفة معاً بسلام ونحن ننظر لها من فوق صندوقٍ وسط المحيط
ماذا عنك أيها القبطان كيف نجوت ووصلت قبلنا للجزيرة وأنت بلا طوق نجاة

القبطان ناليس: آخر شيءٍ أتذكره هو عندما كان اثنان من البحارة يحاولان طي الشراع الأصغر فانقطع الحبل وفقدا السيطرة على عتلة الشراع فانكسر مثبت الشراع وضربني العمود الخشبي الذي أسفل الشراع بقوة حين كان يدور ملقياً إيايي خارج السفينة
وأفقت منذ ساعةٍ تقريباً على شاطئ هذه الجزيرة طوق نجاتي هو رحمة الله

زمان: ونعم بالله .. هل تعلم أين تقع هذه الجزيرة وأين نحن الآن أيها القبطان

القبطان ناليس: هذه الجزيرة تقع بين مفترق طرق كثير من السفن تعبر جانبها

كان جواب القبطان مطمئناً جداً لكنه أردف قائلاً: لكن المشكلة أن السفن لاتتوقف عندها أبداً نظراً لأنها مهجورة لاسكان فيها وعلاوةً على ذلك كثرة الصخور والشعب المرجانية المنتشرة حول الجزيرة كما أن هناك شائعات وأساطير كثيرة تدور حول هذه الجزيرة

ياحين: هل هذا صحيح .. وماهي هذه الشائعات

القبطان ناليس: كما تعلم .. جزيرة صغيرة مهجورة تقع بين مفترق طرق لابد أن تنتشر حولها الإشاعات لاشك حين يمر عليها المسافرون وينظرون إليها من بعيد كقول بعضهم أن القراصنة كانوا يخبئون كنوزهم في هذه الجزيرة وأرواحهم تحرسها كما أن بعضهم يدعوها بجنة أموات البحر

طرواد: ولما؟؟

القبطان ناليس: قيل أن البحارة حين يموتون غرقاً تذهب أرواحهم لهذه الجزيرة ولاننسى بالطبع أقاويل انتشار الجن والأشباح

زمان: ولما هذه الجزيرة بالذات دوناً عن غيرها

القبطان ناليس: كما قلت من قبل كثرة مرور السفن بهذه الجزيرة مع عدم رغبة المسافرين في النزول بها أثار حوالها شائعات وأكاذيب كثيرة

زمان: أفهم من كلامك أن مكوثنا في هذه الجزيرة سيطول

القبطان ناليس: لا استطيع التكهن بذلك قد نمكث يوما أو سنة أو نموت هنا
علينا فقط تدبر أمورنا على هذه الجزيرة والبقاء على قيد الحياة قدر المستطاع وإشعال نار كثيفة الدخان كل يوم وننتظر أي سفينة تمر بنا وتقلنا لأقرب يابسة

ساوي: يبدو أمراً سهلاً حين تصفه بهذه الطريقة

القبطان ناليس: دائماً يكون الكلام أسهل من الفعل .. حتى نبقى على قيد الحياة علينا أن نتعاون ونكون كالجسد الواحد

زمان: سنحتاج قائداً بالطبع

طرواد: ستكون أنت قائدنا ياقبطان ناليس فأنت الأكثر خبرة في وضع كهذا على ما اعتقد

القبطان ناليس: علي أن أكون قائدكم بالطبع إنه ليس خياراً متاحاً لكن تذكروا علينا أن نعمل كلٌ بحرفته وصنعته كما يقال ” قيمة كل امرءٍ مايتقنه”
وقد حان وقت امتحان قيمة كل واحد منكم
بالنسبة لي فأنا لم أغرق من قبل لكنني مررت بظروف أصعب من هذه الظروف حين كنت فتياً أما الآن وقد تقدمت في السن فلم تعد نفسي تهوى المغامرة بالطبع فاكتفيت بالرحلات القصيرة لكن يبدو أن المغامرة تتبعني أينما أذهب على أية حال عليكم بالتفاؤل وعدم فقدان الأمل حتى لو اضطررنا لصنع سفينة والخروج من هذه الجزيرة سنصنعها

طرواد: نصنع سفينةً ها .. هههه

زمان: أوه لقد أثرت حفيظة طرواد حين قلت تفاؤل أيها القبطان خخخخ

ضحك القبطان ناليس ثم قال: التفاؤول هنا أيضاً ليس خياراً متاحاً فأما أن تكون متفائلاً أو تموت

أخذ الكل يحدق في القبطان ناليس بخوف من كلامه القوي خصوصاً بعد محاضرة الموت التي ألقاها الطبيب على مسامعنا

ياله من رجل شجاع وواثق يجعلك تحس بالطمأنينة تارة وبالخوف تارة أخرى بإعتقادي حتى نتجاوز هذه المحنة علينا فقط إتباع إرشاداته

القبطان ناليس: حسناً يارفاق ماهي صنعة كل واحد منكم؟؟

زمان: اسمي زمان واعمل طبيباً

القبطان ناليس: طبيبُ زمانٍ ماللزمانِ طبيبُ

زمان: ههه.. هذا وساوي يعمل بناءً
وصديقنا الضخم طرواد صيادٌ وجندي سابق

القبطان ناليس: ممتاز جداً طبيب وبناء وصياد يبدو أن القدر متعاطف معنا هذه المرة ماذا عن الصبي؟؟

ياحين: أنا …

ساوي: لايملك حرفةً بعد فمازال فتياً لكنه عمل أعمالاً متفرقة وهو ولد ذكي

” لا أدري لما الجميع يدعونني بولد مع أن عمري عشرون عاماً”

القبطان ناليس: حسناً إذاً دعونا لانضيع النهار
الصياد والصبي عليكما بتدبر أمر وجبة الغداء
والطبيب والبناء عليكم بجمع حطب وأغصان كثيرة حتى نصنع لنا مأوى بإشراف البناء وفي نفس الوقت نشعل ناراً تكون دليلاً علينا في النهار ودفئاً لنا في الليل
أما أنا فسأحاول إشعال نار صغيرة واعذروني فحفظ أسمائكم سيحتاج وقتاً أرجو أن نخرج من هذه الجزيرة قبل أن أحفظ أسمائكم هه

أخرج القبطان سكيناً صغيرة من جيبه وأعطاها لطرواد قائلاً: خذ استفد من هذه السكين ولكن حذار من أن تفقدها

كانت السكينة جميلة جداً وبدا أنها قديمة أيضاً كان منقوش عليها كلمات عميقة علقت في مخيلتي “النصل بحر والعروة يابسة”

كما أمر القبطان ذهبنا أنا وطرواد متبعدين عن رفاقنا
كنت متحمساً لأرى وأتعلم طرق الصراع من أجل البقاء على يد صيادٍ محترف
لكن جاء صوت طرواد مخيباً آمالي كعادته: ياله من قبطان غبي
كيف لي أن اصطاد شيئاً بهذه السكين الصغيرة

ياحين: علينا تدبر الأمر
ألست صياداً محترفاً!!

طرواد: بلى .. لكن حتى تستطيع الصيد لابد لك من أدواتٍ للصيد وليس هذه السكين الصغيرة

ياحين: ماذا لو بحثنا عن عصاً طويلة وربطناها بالسكين جيداً لنصنع رمحاً نغرزه في الأسماك

طرواد: ياللروعه . . والأسماك ستقف متفرجةً عليك وأنت تغرز الرمح فيها ها

ياحين: لاضير من المحاولة كما قال القبطان إما أن تتفائل هنا أو تموت لاخيار ثالث
حتى لانموت جوعاً علينا أن نأكل
وحتى نأكل عليك أن تقوم بعملك الذي هو الصيد

طرواد: حسناً حسناً سأجاري تفاؤلكم المزعوم هيا بنا لكن بعلمك لقد أوكلوا لنا أصعب مهمة فالصيد بهذه السكين أصعب من إشعال النار أو جمع حفنة من الحطب

بعد قليلٍ من البحث استطعنا أنا وطرواد كسر غصن شجرةٍ طويل
وقام طرواد بصقل مقدمته حتى غدت كالحربة الحادة

اتجهنا للشاطئ ودخلنا البحر قليلاً حتى غدونا نمشي فوق الصخور إلى أن وصلنا لمكان ماؤه صاف وقليل من الأسماك تقتات على الأعشاب

وقف طرواد بين صخرتين مركزاً نظره داخل الماء ينتظر صيده
كان الانتظار طويلاً جداً وفي أكثر من مرة كانت الفرصة مواتية لكن طرواد لم يغتنمها إلى أن نفذ صبري وقلت: ألن تحاول الصيد أم ماذا لقد أضعت فرصاً كثيرة

نظر لي طرواد بغضب وصمت ثم عاد يركز في الماء من جديد
كان الغضب يتسلل لي وأنا أنتظر أن يغرز رمحه في الماء حتى كدت أن أركله وهو ينظر للماء ببرود وتركيز شديد

قلت مرةً أخرى بيأس: يبدو أنك صدقت سنموت جوعاً بسببك

صرخ طرواد: ماذا بك أيها الفتى لاتشتت تركيزي

صرخت أنا الآخر: لا أريد أن أشتت تركيزك لكن لابد أن تكون هناك فائدة من هذا التركيز قد ضاع عمري وأنت تركز

طرواد: ياولد .. تحلى بقليل من الصبر قد لا أمتلك أدوات للصيد فعلاً لكن حمداً لله لدي صبري فقط راقبني وتعلم

هدأت أعصابي قليلاً حين أحسست أن طرواد يحاول بصدق وقلت بنبرة إعتذار: وهل الصبر ضروري في الصيد

طرواد: الصبر هو سر الصيد إن لم تكن صبوراً ستموت جوعاً فعلاً ، هذا ماتعلمته من البحر

ياحين: معذرةً ياطرواد فمن يراك ويتكلم معك لايصدق أنك صبور

طرواد: صبري ينفذ في كل شيء ومن كل شيء إلا الصيد فالصيد هو عملي وحرفتي وحين أكون أعمل فأنا أعمل بقلبي فالصيد هو الشيء الوحيد الذي تبقى لي من متع الدنيا

كان هذا هو أجمل كلام سمعته من طرواد مذ عرفته
فقط الآن عرفت شيئان اثنان
الشيء الأول أن العمل الذي سأجد نفسي فيه هو عمل استمتع به بقلبي
والشيء الثاني أنه ليس صيد الأسماك بالتأكيد أو أي عمل يحتاج إلى صبر

قطع علي تفكيري حركة مباغتة من طرواد
كانت الحركة سريعة جداً لدرجة أنني صعقت حين رأيت طرواد الضخم يغرز رمحه بهذه السرعة وكدت اضحك

كان صفاء الماء قد تعكر بالتراب فلم استطع التيقن هل اصطاد رمح طرواد شيئاً أم لا
لكن اهتزاز الرمح وقرقعة المياه بددت شكوكي إلى يقين وسعادة

نظر إلي طرواد قائلاً: اخلع قميصك ياولد وضعه على كتفي

بسرعة خلعت قميصي ووضعته على كتف طرواد كما أمر فبادرني قائلاً: ياولد هذه السمكة هي غداؤنا اليوم سأنزل لأمسك بها بواسطة القميص وعليك بتثبيت الرمح جيداً إن أضعت هذه السمكة ستكون أنت وجبة الغداء

عاد حنقي على هذا الرجل مرة أخرى لكنني أمسكت بالرمح جيداًَ فنزل وأحاط السمكة بقميصي وأخرجها من البحر

كانت السمكة كبيرة جداً ستكفينا نحن الخمسة لاشك
تأبط طرواد السمكة ومشى متجهاً للشاطئ

كانت السمكة تعفر بقوة حتى خفت أن تفلت من طرواد فقلت له: ما رأيك أن نقتلها بالسكين حتى نطمئن أنها لن تهرب

نظر إلي طرواد نظرةً غريبة وقال بسرعة: ياحين.. لقد اصطدنا السمكة وانتهى الأمر لاتخف القوة تستخدم مع السمكة مادامت داخل البحر أما خارجه فلا
دعها تتعود على العالم الجديد في آخر لحظاتها وستهدأ هي تدريجياً .. دعها تموت بسلام كي تهنأ بأكلها فيما بعد

اكتشفت أنني أعجب بهذا الرجل حين يتكلم عن عمله فقط ياله من محترف وأحسست بتأنيب الضمير لأنني لم استطع تحديد حرفتي والعمل الذي سيجعلني سعيداً في هذه الحياة حتى غدوت أغبطه قليلاً

حين وصلنا لرفاقنا كان القبطان ناليس قد انتهى من إشعال النار وزمان وساوي مازلا يجمعان الحطب

القطبان: لقد أتيتم بغذاء لذيذ على مايبدو

طرواد: وأنت استطعت إشعال النار بسرعة كبيرة

رمى زمان كومة من الأغصان اليابسة وانضم إلينا قائلاً ووراءه ساوي: كل شيء يسير كما أمر القبطان أتمنى أن لا يطول بقائنا في هذه الجزيرة فكلما تحركت بين الأغصان أحس بقشعريرة وكأن أحداً يراقبني

طرواد: ههههههه أأنت خائف الآن أم حزين أيها الطبيب

زمان: لا.. فعلاً أحسست بشيء ما صدقوني

نظر طرواد لساوي مستفهماً لكن ساوي لاذ بصمته مبتسماً واتجه للسمكة قائلاً: لقد بدأ بطني يؤلمني من الجوع متى سنأكلها

أمسك طرواد بالرمح وغرزه في احشاء السمكة ووضعها على النار وأخذ يقلبها فيما انشغل زمان والقبطان بإشعال نار أكبر بعيدة قليلاً وكثيفة الدخان حتى تكون لنا دليلاً إن مرت قربنا إحدى السفن أما أنا فقد ذهبت أعين ساوي في بناء شيء شبيه بالكوخ ننام داخله

وقف القبطان ينظر بفخر لسير الأمور كما خطط لها في نظام مرتب وقال: أحس وكأنني في سفينتي .. آه ياسفينتي كم اشتقت لك

زمان: نحن اشتقنا لليابسة وأنت تحن للبحر يالك من غريب ياناليس بالنسبة لي إن عدت سالماً لن أركب البحر أبداً

ضحك القبطان ناليس وقال: هذا ما أقوله حين يبتعد الشاطئ عن عيني في كل رحلة أقوم بها ولكني حين أعود للشاطئ أحن للبحر مرةً أخرى إنه عشق أبدي بت لا أستطيع العيش على أرض صلبة ومتوازنة فأنا أهوى التأرجحات

صرخ ساوي مشيراً للجهة الأخرى: انظروا…

كانت المفاجأة

فتاة ظهرت من اللامكان تقترب منا وهي تترنح بتعب

يتبع

حسن المصوف

إمرأة أم خمسة رجال – الحلقة الخامسة

إمرأة أم خمسة رجال E5

الحلقة الخامسة

في الحلقة الماضية

بعد أن ذهبت للمدينة لشراء دواء كلفني بجلبه طبيب القرية تعرضت لمشكلة في المدينة وحتى أتفادى هذه المشكلة أشارت علي فتاة التقيتها في المدينة واسمها جمان بالرجوع عبر البحر. كان الرحلة عبر البحر جميلة لكن للأسف سرعان ماتبدد هذا الجمال إلى رعب مخيف بعد أن هبت عاصفة عظيمة وسقوط قبطان السفينة في البحر واختل توازن السفينة فهب بعض الرجال المسافرون لمد يد للبحارة في تخفيف وزن السفينة وعكفنا على صندوق كبير أنا وسبعة من البحارة محاولين إلقاءه لكن موجة كبيرة انقضت علينا وقذفتنا خارج السفينة نحن والصندوق وغرق ثلاثة من رفاقنا ونجوت أنا وثلاثة آخرون بأعجوبة متعلقين فوق الصندوق يأرجحنا البحر كيفما يشاء والسفينة تبتعد برعونة هوجاء متجاهلة صراخنا إلى أن اختفت عن أنظارنا تماماً وغدونا نطفو ضائعين وسط المحيط كنقطة سوداء في ثوب أسود لاندري ماذا سيحدث لنا

الحلقة الخامسة

الطبيب واضعاً يداه فوق رأسه: يا إلهي ماذا سنفعل الآن

أجاب الشخص الهزيل ببرود واتزان مطمئن: ننتظر شروق الشمس فليس بإستطاعتنا عمل شيء الآن سوى الدعاء أن تصل السفينة بسلام وترسل أحداً للبحث عنا

كان الجميع ينتظر شروق الشمس والوقت يكاد لايمضي تذكرت قول ذلك البحار ” السفر في البحر كالنظر لعقارب الساعه لابد لك بأن تشغل نفسك بشيء ليمضي الوقت بسرعه وإلا ستصاب بدوار البحر”

قطعت الصمت قائلاً بحماس: بالمناسبة اسمي ياحين

بادرني الطبيب: وماهي حرفتك يا ياحين

ياحين: أنا …

قاطعني أحد رفيقي: ومادخلك أنت في حرفته

رد الطبيب بحدة: مامشكلتك ياهذا

أجابه الضخم: مشكلتي هي أنتم أيها الاطباء دائماً تسألون أسئلة مثل ماهي وظيفتك وماهو تحصيلك الدراسي حتى تقيم نوع المحادثة التي بينك وبين الطرف الآخر ألا تستطيع مجرد التحدث ببساطة مع رفيق تائه معك في عرض المحيط لا تنفع المسميات هنا كلنا سواء البحر لن يفرق بينك وبينه

ضحك الطبيب وأجاب بثقة: إن كان لافرق بالنسبة للبحر فهنالك فرق بالنسبة لي ، حتى نعود لليباسة على قيد الحياة علينا أن نتعاون كلٌ بصنعته وحرفته ومايجيده .. على سبيل المثال أنا طبيب إن حدث لأي واحد منا مكروه سأفعل مايلزم لمعالجته وهكذا.. أنا أؤمن أن كل إنسان لابد أن يتقن شيئاً في الحياة له فائدة لاشك كل إنسان خلق لشيء معين لهذا سألته لم يكن سؤالي تقيميياً

قال الرجل النحيل: كلام سليم جدا أيها الطبيب يجب أن نتعاون وأن يكون لكل واحد منا دور يقوم به حتى نستطيع النجاة اسمي ساوي اعمل بناءاً

أصيب الرجل الضخم بقليل من الحرج بعد خطبة الطبيب خصوصا بعد ان مال الرجل النحيل لرأي الطبيب فقال متداركاً: اسمي طرواد كنت جندي سابق واعمل الآن في الصيد

الطبيب: وانا اسمي زمان كم تمنيت لو التقينا في ظروف أفضل

نظر إلي الثلاثة بانتظار تعريفهم بنفسي فأجبت: اسمي ياحين .. عملت أعمالاً متفرقة لكني لم أحدد هدفي بعد

زمان: تحديد الهدف مهم لاشك

طرواد: تبدو فتياً ياولد لكن يفترض لمن هم في سنك أنهم تخطوا مرحلة تحديد الهدف

ساوي: أي وظيفة تعود عليك بمدخول لابأس بها المهم أن تعمل ولاتكون كسولاً وتبتعد عن رفقاء السوء فالعمل الشريف ليس عيباً

زمان: على العكس لابد أن تعمل في شيء لديك ميول ورغبة فيه حتى تسعى لتحقيق حلم حياتك وتكون شيئا تستطيع أن تبدع فيه، إن كان هدفك هو المال فقط فعليك السلام لن تتطور أبداً لاتركز على المال بل على الهدف وسيأتي المال لاحقا

طرواد بنفاذ صبر: ألم أقل لك أنك تتبجح من البداية هل تعتقد أن هدفي في الحياة كان أن أصبح صياداً وهدف ساوي أن يكون بناءً لكل منا هدفه لاشك لكن ليس الكل حالفه الحظ مثلك لتحقيقه فلو كل واحد تحقق حلمه وهدفه لغدا الجميع أطباء ومهندسين وأغنياء لكن الحياة صعبة ياهذا والحلم ليس متاحاً للجميع كي يحلم الغني لابد للفقير أن يسهر ليصنع له المخدة التي سيحلم عليها هه قد تظنني متشائما لكن هذه الحقيقة على الأقل في المكان الذي نشأت فيه

زمان بامتعاظ: لا أظن أنها كذلك حتى في المحيط الذي نشأت فيه الحلم والخيال هي الملكية الخاصة للانسان التي لايستطيع أحد مشاركته فيها قد لايكون بإمكانك أكل قطعة من الحلوى لكن يمكنك تخيل أكلها لاشك
اتفق معك أن للحظ دور كبير لكن الإرادة والسعي وراء الحلم هدف نبيل جداً

كلام الطبيب عن قطعة الحلوى أشعل صوتا غريبا في معدتي وكأنه ذكرني بالجوع الذي ذكرني بدوره بالعطش فأخذت أتخيلني قد خرجت من حمام دافئ مستلقيا عند المدفأة وأنا اشرب الحليب الساخن آآآآآه كم اشتاق لهذا اللحظة إن عدت على قيد الحياة سأصورني وأنا مسترخِ واعلق الصورة على الجدار
كم هو جميل الإحساس بالدفئ والشبع والاسترخاء.. ليس النوم بل الاسترخاء فقط دون التفكير في أي شيء كم أتمنى لو كنت هناك الآن مخدة مريحة وسرير وفير وسقف مهترىء بعض الشيء لكنه دافئ

كم تمنيت لو كان حرف السين يتوسط اسمي لكان لي عزاءً من العطش ومهوناً لمصيبتي
أحس أنني سأبكي ووجع في بطني يؤلمني جداً وهذان لاينفكان أن يتوقفا عن الشجار

طرواد: الانسان يحلم بشيء صغير إن حصل عليه حلم بشيء أكبر ،هل تفهم ما أعني .. حتى يصبح لدي حلم كبير لابد من تحقق أحلامي الصغيرة حتى أرتقي لمستوى يخولني أن أحصل على هدف لكن إن كان حلمي منذ صغري إن أحصل على كسرة خبز أو سقف يقيني عن المطر كيف سأكبر وأكون طبيبا علي أن أحلم بحاجاتي الأساسية أولاً قبل البحث عن الكمال أو ماتسميه بالتطور .. هيه ياولد أين سرحت

ساوي: هه هذا هو حال المراهقين ما إن تبدأ بنصحه حتى يسرح في خياله الخاص وكأنه مصغٍ لك لكنه لايفقه أي كلمة مما تقول لاتسألوني كيف عرفت لدي ابن في الخامسة عشرة

زمان: تربية الأطفال أمر صعب هذه الأيام على ما اعتقد

طرواد: التربية تحتاج صبراً فقط

زمان: وهل أنت متزوج .. يالها من مسكينة زوجتك

طرواد وقد تغير لون وجهه: ولما!!

زمان: قد عرفتك ليوم واحد وأكاد اتمنى الموت كي أتخلص منك فكيف هو حال زوجتك اعتقد أنها ستضحك فرحا عند سماعها خبر غرقك

أخذ طرواد ينظر لزمان والشرر يتطاير من عينيه

ساوي بخبث متداركاً عراكاً آخر: لكنها ستبكي مجدداً حين ننجو وتصاب بإحباط لتعلم أنه حتى البحر لم يقدر على هذا البغل

ضحك الجميع إلا ياحين الذي مازال سرحاناً

ساوي: فعلاً ماذا بك يافتى تبدو حزيناً

ياحين: لاشيء لكن كلام الطبيب عن الطعام ذكرني بالجوع والعطش لكن لسبب لا أعلمه لست جائعاً أو عطشاناً إنما افتقد إحساس الشبع

زمان: لقد كنت اضرب مثلاً لكن لاضير على الأقل كنت تصغي

ساوي: علينا أن ننتظر بزوغ الشمس ونرى ماسيحدث

زمان: في الواقع كان لحديثنا فائدة أخرى بأن جعل الوقت يسير بسرعة لم تبقى سوى …
وأخذ ينظر لساعته رافعاً يده نحو ضوء القمر

والكل محدق في هذه الساعة الفخمة برجاء أن يكون ماتبقى على شروق الشمس ساعتان أو أقل إذ لابد أن يسير الوقت أسرع إن كنت تمتلك ساعةً باهضة الثمن
لكن خابت الآمال حين قال زمان: إنها الحادية عشرة أمامنا ست ساعات على الأقل ينبغي لنا أخذ قسط من النوم

كان الهدوء مخيم على أرجاء المكان
كلٌ يخزن طاقته بعد أن سئمو الشجار والحديث
كلٌ إنعزل في زاويةٍ وسرح يفكر بصمت
مع أنني متأكد أن الكل يفكر في نفس الأمر
قد يتشوش تفكير أحدنا بالحنين لحبيبةٍ أو ولد لكنه سيعود لنفس الموضوع لاشك النجاة من المحيط
ياترى لما المحيط يأرجحنا في ظلام الليل .. لماذا لم نمت غرقاً وسط العاصفة
هل يهوى تعذيبنا أم يعلمنا الأمل
سؤال أتمنى أن لاأعرف إجابته فقط أريد النجاة أريد أن أتخطى مرحلة الحصول على الإجابة لأصل للنتيجة كما أتخيلها ..لطالما تخيلت نفسي أخوض مغامرة لكن في كل مرة كنت انتصر وافوز ولدي قوى خارقة ويحالفني الحظ لكن مايبدو الآن هو عكس ذلك تماماً لايبدو أنني سأنجو سماء ظلماء فوق رأسي ومحيط عميق تحتي والبرد يحيط بي من كل جانب وغرباء لا أعرف عنهم شيئاً باتوا ينصحونني بالتفكير في المستقبل وهدفي في الحياة عوضاً عن التفكير في حل للنجاة من الغرق آه لو اتمكن من المشي في أنحاء قريتي فركبتي تؤلمني قليل لابد أنه ألم الحنين والشوق للمشي وسط السهول الجميلة وحرارة الشمس تداعب خدي وأتوقف عن شرفة منزل هُبينه وهي تنظر لي من النافذة بشعرها المجعد الجميل آه كم اشتقت لعينيها يا إلهي!! لا أحد يعلم أنني على قيد الحياة سواك
بطني يؤلمني سيظنوني غرقت ولن يبحثوا عني أما أهل القرية فهم لايعلمون أنني صعدت على متن السفينة أصلاً سيظنوني هربت بالنقود وسيبدأون يطلقون الأقاويل والإشاعات وخيبات الأمل آه حتى هُبينه لن تحزن علي بل ستظنني لصاً جباناً هربت بالنقود وجهار زوج أمي سيعاير أمي لآخر يوم في حياتها كان علي العودة بالقطار لكن السماكون وقفوا في طريقي آه لاينفع الندم الآن هي مشيئة الله .. الله وحده يعلم بوجودي هنا ..

أخيراً استسلمت للنوم وغفوت قرابة ساعتان او أكثر على شجار آخر بين طرواد وزمان يحاول فيه طرواد إثبات أنه تعذب كثيراً في حياته وخاض تجارب عدة وأن زمان ولد وفي فمه ملعقة من ذهب وددت لو قاطعته لأقول له أنه ليس بالضرورة أن تكون فقيراً وتعيساً فقط استمتع بما لديك لقد ولدت ميسور الحال لم أكن فقيراً لكن لم يكن كل شيء بمتناول يدي ولا أظن أنه يوجد أحد استمتع بطفولته في قريتنا أكثر مني لكنني آثرت الصمت والاستسلام للنوم فالنقاش مع شخص مثل طرواد بدا عقيماً فهو يبدو عليه من النوع الذي لايتقبل آراء الآخرين ويرى نفسه دائماً على صواب

في الوقت الذي كان ياحين يصارع الموت في المحيط كانت الشمس قد غربت وبدأت القرية في النوم تدريجياً بعد غروب الشمس بقليل تنطفأ جميع الأنوار
وتنام الناس بعد تناول عشائها
وكعادتها هبينه اتجهت لغرفتها متظاهرة بالنعاس ككل يوم وجلست قرب النافذة تنتظر رمي حجارة ياحين بقلب حاني ونفاذ صبر إذ تأخر يايحن على الموعد
في نفس الوقت كانت أم ياحين قد بدأت تحس بالقلق وهي واقفة على الباب

جهار: مابك ياصهاب ادخلي كي ننام

صهاب بقلق: قد تأخر ولدي أخاف أن أصابه مكروه

جهار: بل خافي أن يصيب ابنك المكروه نفسه .. اتركي عنك الوساويس يا امرأة وتعالي نخلد للنوم

صهاب: اذهب ونم أنت أما أنا سأنتظر ولدي واطمئن عليه

جهار: لابد أنه وصل من المدينة واتجه فوراً لحبيبة القلب فالشوق قد أضنى قلبه لاشك .. اذهبي للنوم فالعاشق الولهان لن يأتي إلا الفجر

صهاب: لا .. ولدي كان سيأتي ليطمئنني عليه ويرى أمه قبل أي شيء إنه لم يصل بعد إذهب لمحطة القطار ياجهار

جهاربتعجب: وماذا سأفعل هناك في هذا الوقت!!

صهاب: إسأل عن ولدي أحس أن هناك شيء ما .. أرجوك إذهب

صرخ جهار: أنت مجنونة يا امرأة وأنا نعسان اخلدي للنوم واتركي عنك وسوسة الشيطان

نزلت دمعة حارة على خد صهاب وهي تنظر لجهار برجاء لكنه بادرها: لن اذهب في برد هذا الليل ابنك رجل كبير الآن مسؤول عن نفسه لاتخافي ودخل للبيت مخلفاً وراءه أم ياحين تحمل دموعها الرياح ببرودة وهي تبكي بحرارة خوفاً على ابنها

فجأة خرج جهار مرةً أخرى مرتدياً معطفه وهو يتذمر: ولدٌ بحجم البغل تبكي عليه أمه لأنه تأخر عن البيت وأنا ابتلي به واذهب بحثاً عنه .. سأمر ببيت الخباز إن وجدته هناك سأخنقه بكلتا يدي أعدك بذلك

صهاب: شكراً لك ياجهار أنت زوج طيب وحنون

جهار: حسناً حسناً لكن أعدي الفراش ودفئي البيت كي أنعم بنوم دافئ حين أعود

صهاب وهي تمسح دموعها: سأعد لك حليباً ساخناً وقليل من العصيد الذي تحبه

ضحك جهار: إذن لن آتي إلا وابنك معي حتى وإن لم أجده في المحطة سأذهب للمدينة وأجلبه من هناك

صهاب: رافقتك السلامة

رحل جهار أخيراً ودخلت صهاب تنتظر ابنها أو خبراً يطمئنها عليها وماهي إلا لحظات حتى سمعت طرق الباب

خرجت صهاب وإذا بالطبيب كان الطارق

صهاب: أهلاً أيها الطبيب ألم يرجع ياحين بعد؟؟

الطبيب: في الواقع لقد جئت بحثاً عنه فقد تأخر كثيراً

صهاب بقلق: أعلم ذلك لقد أرسلت جهار يبحث عنه في محطة القطار

الطبيب: للأسف لقد كنت هناك في انتظار قطاره ولم أجده بين الواصلين حتى شككت أنني لم انتبه له

صهاب: ومالعمل الآن أيها الطبيب؟؟

ضحك الطبيب وقال: تخافين عليه وكأنه طفل .. ولدك رجل الآن ياصهاب

نزلت دمعة من عين صهاب وقالت بحرارة: سيظل طفلاً في عيني حتى وإن رأيت أحفاده .. لكن قلبي يحس أن هناك خطب ما .. ذلك هو إحساس الأم أيها الطبيب

الطبيب: لاتخافي عليه إنه ولد شجاع .. قد يكون فاته القطار واضطر للمبيت في المدينة لاتقلقي

كانت هبينه تنظر للقمر من النافذة بانتباه شديد متخيلةً وجه ياحين وكلامه المعسول فقد تأخر كثيراً كانت تريدج أن تسمع كلاماً أ:ثر يطمئنها بعد الوعد الذي وعدها إياه في محطة القطار أنه حين يعود سيجد عملاً ويتزوجها

” آه أخيراً سيتزوجني .. أخيراً سيجمعنا بيت واحد.. كم اشتقت لك ياحبيبي”

أحست هبينه بقدوم أحدهم
” أهو ياحين .. أتمنى أن يكون ياحين .. لن أسامحه لقد تأخر علي كثيراً”

لكن أملها خاب حين كان عابر السبيل غير ياحين
كان رجلاً عجوزاً توقف عند منزلهم في منتصف الليل يتلفت هنا وهناك

” من هذا ياترى وماذا يفعل هنا؟؟”

اختبأت هبينه خلف الستارة تنظر لهذا الغريب بخوف وانتباه حتى أحست بالبرد ينفض جسمها

إلى أن اختفى ذلك الغريب فجأة في الظلام مبتعداً

عادت هبينه تنظر للقمر منتظرةً حبيبها وزوج المستقبل وكلما ركزت نظرها في القمر أحست بنعاس أكثر حتى غفت عند النافذة

أفاق ياحين بعد فترة بسيطة على صوت غناء خفيف كان ذلك هو ساوي مستلق على ظهره ينظر للقمر ويتمتم ببعض المواويل الحزينة أما طرواد وزمان فكانا يغطان في سبات عميق

انتبه ساوي لي فبادرني: هاه ياولد هل أزعجك صوت غنائي

ياحين: بل أزعجني صوت شخير طرواد

ساوي: ههه انظر للقمر لايوجد أجمل منه أليس كذلك

نظرت للقمر وكأني أراه للمرة الأولى كان جميلا وساحراً جداً بنوره المشع يجذبك إليه

ساوي: أتخيل زوجتي الآن تنظر للقمر أيضاً فتلتقي روحي بروحها كان هذا اتفاقنا كلما اشتاقت لي في ظلام الليل أن تنظر للقمر وأنا وعدتها أن انظر إليه كل ليلة وأناجيه فتحس هي بمناجاتي وتشكو لي همها إنه أجمل وسيلة اتصال

ياحين: يبدو أنك تحب زوجتك كثيرا كنت أظن ان العرسان الجدد وحدهم من يعشقون بعضهم .. أي أن الأزواج الذي مضى على زواجهم سنين كثيرة ولديهم أطفال لايتأملون لحظات العشق وينشغلون بتربية ابنائهم وتأمين المعيشة والعناية بالمنزل

تنهد ساوي وقال: الحق ماتقول ياولد في بداية الحياة الزوجية يكون لهيب العشق مستعرا وشعلته لاتكاد تنطفأ لكن بعد مرور الأيام وقدوم الأولاد تبرد هذه الشعلة شيئاً فشيئاً أتدري لماذا؟

ياحين: التعود على ما أظن..

ساوي: لا… الزوجان إن كانا عاشقان لبعضهما كل ما مضى بهم الوقت يلتحمان ببعضهما البعض ليصبحا جسداً واحداً وشخصاً واحداً وقلباً وعقلاً واحد لايهيم هذا الكيان في أجزائه بل ينغمس فيها بتناسق رهيب من يراقبه من بعيد يظن أنه التعود كما تقول لكن فقط حين يفترق الزوجان عن بعضهما ولو لفترة بسيطة يشتعل لهيب العشق من جديد ليحرق قلبهما هما الاثنان فتجدهما لاينفكان في السعي للقاء والالتحام من جديد

أغمض ساوي عيناه بسكون لينزوي في صمته مرة أخرى لم أرد أن أعكر عليه عذاب شوقه المتأجج لأشركه معي في محاورة عديمة الفائدة يبدو أنه يتخيل زوجته آه أتمنى أن أتزوج هُبينه إن نجوت من هنا وأعشقها هكذا .. ياترى هل تفكر بي الآن
أخذت أنظر للقمر وأتخيلها تنظر للقمر من نافذتها وهي تفكر بي وعيناها تلمعان في ظلمة الليل فكدت أبكي لكني نظرت حولي اتفقد رفقائي ثم أغمضت عيني كما فعل ساوي وأنا أتخيل نفسي فوق رأسها وهي تنعم بنوم عميق ياله من وجه جميل مع ان ملامحه ليس واضحة بالنسبة لي لا أدري لماذا هل يعقل أن انسى وجهها أم لأن عيناي المغمضتان تبكيان بلا دموع وتتشوش صورتها في مخيلتي:

نامي ياحلوتي نامي
نامي واحلمي بي
نامي لاتجلسي بهدوء
قد تحسين بي وتحزني

تخيلت هذه الكلمات واخذت أتمتم بها لاشعوريا فجاء صوت ساوي يقطع علي حبل العشق

ساوي: ها ياولد لقد تعلمت الاتصال بسرعة هههههه

نظرت إليه وقلبي يرف حزناً وقلت له عله يطمأنني أكثر: لكنك لست أكيداً من انها جالسة تنظر للقمر أم نائمة أليس كذلك

ساوي: لايهم ماتفعله هي المهم ماتفعله أنت، وهي لاشك ستحس بك ثق بي فجاذبية القمر ستشغف قلبها بك حتى وإن لم يفهم عقلها ذلك ألا تأتي عليك أحيان في الليل لاتحس بما يحيط بك ويدخل قلبك حالة من الدفء والبرد معاً وأنت لاتدري ماسبب ذلك
لست حزيناً ولافرحاً
لكنك تميل لاستخراج أحزانك إذ أنك تظن أنك مكتئب
لكنك لو تركت الحزن جانباً وفكرت في شخص يحبك أو يهتم بك في هذه اللحظة قد تصاب بسهم الحب وتسقط صريعاً تسبح في بحر الشوق لنظرةٍ أو ابتسامة من وجهه الجميل

جاء صوت زمان من الخلف: ياله من كلام جميل إنك شخص حكيم ياساوي

ساوي ممازحا: هل تستغرب هذا الكلام من بناء

زمان: هششش لاتوقظ طرواد فأبتلي به

ساوي: ههه هي ليست حكمة بل الشوق إنه الشيء الوحيد الذي يصبرني عند السفر

أفاق طرواد من نومه ونظر لنا وكأنه كان يسمع حديثنا ثم أشاح بوجهه للجهة الأخرى

ساوي: يبدو أن حديثنا قد أقلق مضجعك

طرواد: هه..

زمان: وماذا عنك ياطرواد.. ماهو الشيء الذي تفعله حتى تصبر على فراق زوجتك وتكتم ألم الشوق؟

طرواد: بالنسبة لي لاشيء

ساوي: هيا ياطرواد .. أم أنك تكره تبادل أطراف الحديث مع غرباء الصندوق

اعتدل طرواد ونظر لنا مرةً أخرى ببرود ثم نظر عالياً للسماء وقال: القمر ها.. هه

زمان: أأنت سلبي هكذا في كل شيء

ساوي بأسى: لابد أن قلبك ميتٌ ياهذا أتهزأ بمشاعر الآخرين .. نحن قومٌ تعودنا السفر وترك عائلاتنا وأبنائنا وكل إنسان يتخذ شيئاً ما ليفرغ فيه طاقة الاشتياق المكبوتة بداخله بدلاً من أن يكون فظاً غليظاً مع الآخرين

طرواد: هه.. اسمع يارفيق المحيط
المرء حين يفقد زوجته وشريكة حياته ويستمع لشخص ما سافر يوماً أو يومين عن زوجته ماذا تظن سيجول بداخله سوى السخرية بحزن

ساوي: أوه.. أنا آسف جداً لم أكن أعلم أنك فقدت زوجتك

نظر طرواد للقمر مرةً أخرى ثم قال: هه .. لابأس

زمان: يبدو أنك تضايقت حين ذكرنا زوجتك منذ قليل بأنها ستفرح بخبر غرقك سامحنا أرجوك لم نكن نعلم أنها متوفاه

طرواد: على العكس لقد لمست ذكرى جميلة في قلبي تذكرت الأوقات التي كنت أغيظ فيها زوجتي وأمازحها

زمان: هل مضى على وفاتها زمنٌ طويل

طرواد: عامٌ ونصف عام

ساوي: قل لي ياطرواد.. كيف هو الشعور؟

طرواد: هل سمعت المقولة التي تقول ” إن الرجل يظل طفلاً حتى تموت أمه فإذا ماتت شاخ فجأة”

ساوي: نعم أظن ذلك

طرواد: هو ذات الشعور لكن بفارقٍ بسيط ففقد الرجل لأمه يحفر جرحاً عميقاً في قلبه يحسسه دائماً بالحرمان وعدم الأمان لكن فقد الرجل لرفيقة دربه يتعدى مكانه القلب إنه جرحٌ ينمو أمام عينيك كل يوم

زمان: وكيف ذلك!!

طرواد: أصعب شيءٍ واجهته في حياتي حين فقدت زوجتي هو سؤال ابنتي لي بعد أن دفنت أمها وعدت للمنزل قالت لي أين أمي؟؟

ساوي: يا الله

طرواد: هل تتخيل هذا يازمان لتوك فقدت شريكة حياتك ورفيقة دربك
زوجتك حبيبتك عشيقتك وهاهي ابنتك تسألك أين هي
هل يوجد جواب يشرح ماجرى ويبرره
أين أمي؟؟
تقف كل يوم أمام باب غرفتها المغلق وتصرخ ماما اخرجي لكن لامجيب لدرجة أنني في يومٍ من الأيام وقفت معها عند الباب نصرخ بأمها أن تخرج وأنا ابكي وهي تبكي
واحضنها وتقول لا أريدك بل أريد حضن أمي
قل لي يازمان ماعلاج فقد حضن الأم ها.. أجبني أيها الطبيب..

أنزل زمان رأسه للأسفل وكأن دمعةً قد سالت على خده وقال: كان الله في عونك

صرخ ساوي بشدة: انظروا..

صاح ياحين: إنها جزيرة

نظر الجميع للأمام وكانت المفاجأة لم ننتبه أن الفجر كان قد تسلل إلينا على حين غرة
لكن المفاجأة أن لاح نور الفجر منيراً جزيرةً قريبة

يتبع

حسن المصوف